لطالما شغلت قضية الحوار مع الآخر الكثير من الاهتمام الثقافي الرسمي والشعبي، ولا تكاد تخلو ندوة هذه الأيام من المطالبة بالحوار مع الآخر البعيد جغرافياً المختلف ثقافياً، الذي باتت الحاجة إليه ضرورة تفرضها ظروف القرية الصغيرة، التي تحول العالم إليها بفضل تقنية المعلومات والاتصالات، والتي انخرط فيها الجميع بشكل كلي.
ندوة (الحوار العربي الأوروبي في القرن الحادي والعشرين ـ نحو رؤية مشتركة)، التي انتهت فعالياتها منذ أيام في بروكسل، والتي رعاها البرلمان الأوروبي جاءت تلبية لمطالب كثيرة نحو معرفة الآخر والتواصل معه ليس كونه مختلفاً عنا فقط، بل لأنه يجب التكامل معه اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، لذلك أمضى المنتدون جل وقتهم في حوارات مع آخرين مختلفين عنهم دينياً وثقافياً وجغرافياً، لكنهم يستخدمون لغة حضارية متقدمة للتواصل مع بعضهم البعض.
توقفت مطولاً لدى سؤال أحد الزملاء، عندما قال: هل العرب يفهمون بعضهم جيداً في البداية قبل البحث عن الآخر للتحاور معه؟
كان سؤالاً كبيراً وجريئاً يتخوف الكثيرون من طرحه، لأن إجابته ليست مطمئنة، ولا أتحدث هنا عن الدول، بقدر الحديث عن الأفراد والمجموعات التي تنظر للتاريخ من زاوية مختلفة. وترى المستقبل من زاوية غامضة، هؤلاء الذين يعيشون بيننا ولديهم نفس العادات وطرق العيش وأساليب الحياة، لكنهم مختلفون لأسباب كثيرة، أبرزها ضعف الحوار وقلة التواصل مع أبناء جلدتهم أو ربما جيرانهم..
حاجتنا للحوار كبيرة مع المختلفين عنا في الداخل، لأن انقطاع الحوار أنبت فكراً قاد الكثيرين نحو مآزق حادة، أو حشرهم في عنق زجاجة بات الخروج منها يحتاج إلى مبضع الجراح أو يحتاج إلى كسر الزجاجة.. الحوار الداخلي ضرورة وربما أكثر أهمية من الحوار مع الآخر، نحتاج إليه اليوم، حتى نتحاور مع العالم ككتلة فكرية أكثر نضجاً وتضامناً وثقافة قوية واحدة.