قصص الأدباء تلهم الأجيال وبيوتهم التي تتحول إلى متاحف تعطي الأمل بأهمية الفكر الذي يغيّر الحياة ويطوِّر مجرى الزمن، ومتعلقاتهم تحول الشغف إلى قيمة ماثلة يراها الأبناء ويتأملون في عظمة من حمل القلم وغمسه بالدواة أو من استخدم تلك النظارة أو وضع هذه القبعة.. ومثلها ساعة الجيب وثقالة الورق وعلبة الدبابيس وغيرها من الأشياء البسيطة التي تغذي الحلم وتحوله إلى أمل وطموح.
حكاية بيوت الأدباء لا تتشابه من حيث الشكل، وإن تطابقت في المعنى، حيث يعتز الفرنسيون ببيت فيكتور هيغو مثلما يعتز الأميركيون ببيت إرنست همنغواي، وكذلك يفعل الألمان مع بيت يوهان غوته، أو الإنجليز ببيت شكسبير، أو اعتزاز الروس بمنازل غوركي وتشيخوف وبوشكين.
غير أن حكاية الكاتب البريطاني جورج أورويل (1903 ـ 1950)، الذي تميزت كتاباته بمقارعة الاستعمار والاستبداد والشمولية والدعوة إلى العدالة الاجتماعية، في بورما مختلفة، بيت تغطي جدرانه خيوط العنكبوت وأثاثه يأكله العفن والغبار في مدينة صغيرة اسمها «كاتها» تقع شمال بورما، والتي وصفها أورويل في روايته «قصة من بورما»..
حيث وصف النادي الذي يقصده البريطانيون العاملون في سلطات الاستعمار، كما وصف السجن ومركز البريد والمقبرة العسكرية، والرواية تتركز حول القلق الناتج عن وجود المستوطنين البريطانيين في المنطقة، وتنتقد الاستعمار. ومن هنا تكتسب المناطق المذكورة فيها، أهمية رمزية.
في ذلك البيت الخشبي المكون من طبقتين عاش أورويل خمس سنوات (1922 ـ 1927) تفرغ خلالها للكتابة،
ومن خلاله يصف أورويل المكان، حيث ينتقد الاستعمار وأنظمة الاستبداد قائلاً: «في كل المدن الهندية، ينظر إلى النادي الأوروبي على أنه قلعة روحية، ومقر للقوة البريطانية، غير أن الفنانين المحليين يرغبون في تحويله إلى متحف محلي يحمل ذكرى الكاتب الذي جذب الانتباه لمدينتهم.
وربما من هنا تم إهمال البيت، حيث لا تنظر بريطانيا اليوم بعين الرضا إلى منتقدي فترتها الاستعمارية، وإلا سعت نحو ترميم البيت ووضعه أمام عدسات السياح الذي يتوهون في أدغال بورما، وهم يبحثون عن صاحب الجملة الشهيرة «الأخ الأكبر يراقبك».