ما أحوجنا اليوم إلى دعاة التنوير، إلى أفكار تقدمت على عصرها. أفكار جريئة خرجت من قمقمها لتحمل المشعل أمام ظلام الشرق، أفكار تراجعت في أقل من قرن، وكأن الجهل يكسب معركته فيعيد الليل إلى حياتنا، وكأن أفكار رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبدالرحمن الكواكبي، لم تمر في سماء المنطقة ذات يوم.
مناسبة الحديث انه في مثل هذه الأيام رحل طه حسين قبل أربعين سنة (1889ـ 1973)، أبرز دعاة التنوير في العالم العربي ورائد التجديد الذي قدم العديد من الآراء التي تميزت بالجرأة الشديدة والصراحة. فقد أخذ على المحيطين به ومن الأسلاف من المفكرين والأدباء، طرقهم التقليدية في تدريس الأدب العربي، وضعف مستوى التدريس في المدارس الحكومية.
ومدرسة القضاء وغيرها. كما دعا إلى أهمية توضيح النصوص العربية الأدبية للطلاب، هذا بالإضافة لأهمية إعداد المعلمين الذين يقومون بتدريس اللغة العربية، والأدب ليكونوا على قدر كبير من التمكن والثقافة بالإضافة لاتباع المنهج التجديدي، وعدم التمسك بالشكل التقليدي في التدريس.
نحن اليوم، وبعد أربعين سنة من رحيله، نعود إلى عقلية مدرسة الكتاتيب. ولطالما كانت المدرسة العربية بيئة طاردة بمناهجها ومدرسيها وأبنيتها وأساليب التعليم فيها، فضلاً عن نبذ حصص الدراما والموسيقى والرسم والحوار والرياضة، والاكتفاء بحصص حشو المعلومات في العقول بطريقة ثقيلة ومنفرة للطلاب.
لقد شكلت جهود طه حسين الفكرية أحد ملامح مشروع التنوير العربي في القرن العشرين، وبعد هذه السنوات الطويلة على رحيله ما زالت أعماله الأدبية والفكرية، تمثل قاعدة يمكن البناء عليها لتأسيس ذائقة ثقافية جديدة، فلم تكن أفكار طه حسين منفصلة عن الواقع، بل متصلة معه، ونابعة من القضايا التي يمر بها، لذا جاءت أفكاره في إطار تقدمي تهدف إلى نهضة حقيقية تقوم على علاقة جدلية بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي علاقة السؤال نصف الحقيقة، ولم يأتِ ذلك من فراغ، بل نتيجة لتراكم معرفي عميق، وثقافات موسوعية، غاص فيها المتنور الكبير حتى أصبح موسوعة في العربية والعلوم والفنون والآداب الفرنسية واللاتينية، وغيرها.
ما أحوجنا اليوم إلى تنوير حقيقي يُلهم ويقدم الأفكار الجريئة للخروج من عقلية حز الرقاب ولوك الأكباد وقطع أعناق الأوابد، ما أحوجنا إلى طه حسين وإلى أفكاره النيرة قبل أن تموت بذور الأمل في أرواحنا.