الذين يشترون الأمل باتوا ضحية الوهم، والذين يراهنون على الغد أصبحوا أسرى أمسهم، وكل الذين تفاءلوا بعالم أكثر سعادة، عادوا إلى مقاعدهم يائسين، وشاهدنا على ما نقول هو تلك الانحسارات التي باتت تسجلها الحرية حول العالم، وما جرى ويجري في الشرق الأوسط، دليل أكيد على فكرة (افتح سجناً تُغلق عشرة مدارس).
الحرية فكرة نبيلة لا يعرفها كقيمة حقيقية سوى من فقدها، الفقدان ليس بمعناه الملموس (السجن) الفقدان بمعناه المطلق العام، حيث يشعر المرء أنه غير حر في بيته أو ليس آمناً في عمله أو يخاف من أذى الآخرين، أو من الاعتداء على كرامته أو هدرها خاصة أمام الأهل والأبناء.
عندما يتعرض المرء لسوء المعاملة أو لتعنيف أو تهديد في محيطه الاجتماعي أو المهني هذا يعني أن حريته ليست ناقصة فقط، بل مفقودة، حرية تحتضر لا يستطيع المجتمع حمايتها أو الدفاع عنها لأن القانون لا ينصفها على أرض الواقع، فكثير من الحريات ناصعة على الورق لكنها شديدة السواد على الأرض.
تقود الحرية الهشة إلى مخاطر كثيرة ليس على صعيد الفرد، بل على صعيد المجتمعات عموماً، ومنها تتفرع السجون والمعتقلات ومنها تنتشر روائح الظلم والقهر، ومن الحرية الهشة يأتي القساة والطغاة، وفيها يجد القتلة مرتعاً لهم، والحرية الهشة تشجع على ظهور الدول الفاشلة، وما أكثرها حول العالم.
لذلك ليس غريباً فقدان الأمل وشعور الناس باليأس وتوقف أحلامهم عند ماضيهم، وتراهم يراهنون باستلاب لفكرة العودة إلى الماضي السحيق لأنه كان أفضل من حاضرهم، وذلك قمة اليأس، والأقسى من كل ما تقدم هؤلاء الذين يستثمرون فكرة الاستلاب ولأجلها ينشئون الأحزاب ويوهمون اليائسين بقرب خلاصهم من ظلمهم، هؤلاء ليسوا أكثر من وجه آخر لعملة الفساد والظلم، ولكن بلباس مختلف.