مرة أخرى يضرب الجهل بفأسه في عمق الوجدان الثقافي والاجتماعي، مؤكداً أن فكر الظلام لا دين له سوى القتل والتدمير، فما أهمية ضرب رؤوس التماثيل وتدمير الحضارات، وأي فخر في قطع عنق تمثال تذكاري للخليفة العباسي المتنور هارون الرشيد، في مدينة الرقة السورية، عروس الفرات؟
هؤلاء الجهلة كانوا قد قطعوا رأس تمثال لأبي العلاء المعري في بلدة المعرة قبل أشهر، هؤلاء الذين لا يفهمون دوافع الثورات ولا سببها، يتطفلون على المجتمعات خلف ستار الدين والعبادة والعودة بالزمن إلى سنوات سحيقة، لا يعرفون قيمة التاريخ والحضارة وأغلبهم لا يعرف على من يطلق النار، ولأي هدف أو غاية يفعل ذلك.
تتشابه أشكالهم كما أفكارهم، تراهم يقطعون رأس طه حسين ويضعون برقعاً على وجه تمثال لأم كلثوم في مصر.. ويقطعون رأس تمثالي أبي العلاء وهارون الرشيد في سوريا. ويدمرون تماثيل بوذية في باميان بأفغانستان، ولديهم تاريخ من الجهل الأعمى الذي ضرب على قلوبهم قبل عقولهم. لا يفقهون سطراً في كتاب الحضارة ولا مفردة في حياة التسامح والتقبل التي شدد عليها الدين الحنيف.
كيف لهم أن يعرفوا أن هارون الرشيد الذي حكم بين عامي 786 و809 ميلادية، هو أكثر الخلفاء العباسيين ذكراً في المصادر الأجنبية كالحوليات الألمانية على عهد الإمبراطور شارلمان التي ذكرته باسم Aron، والحوليات الهندية والصينية التي ذكرته باسم Alun. أما المصادر العربية فقد أفاضت الكلام عنه حيث صور بالخليفة الورع المتدين الذي تسيل عبراته عند سماع الموعظة.. والمجاهد الذي أمضى معظم حياته بين حج وغزو، فكان يحج عاماً ويغزو عاماً، ويعتبر عصره العصر الإسلامي الذهبي.
ترى لو أنهم عرفوا ذلك هل كانوا أحجموا عن فعلتهم، أجزم بـ "لا" لأنهم جهلة لا يعرفون ما يفعلون.. والأكثر جهلاً أنظمة الفساد والديكتاتوريات التي شجعتهم ودربتهم وأطلقتهم.. وها هو السحر ينقلب على الساحر.