إن ما يفعله الجهلة بالحرية تماماً ما يفعله المجنون بالسلاح. هذا ما حدث بالنسبة لكثير من الثورات حول العالم، بما فيها ثورات الربيع العربي، كثيرون أغرتهم فكرة الحرية، لكنهم أضاعوها في عالم من الجهل. الجهل الذي قادهم نحو الظلام المفضي إلى فكرة سوداء (حريتنا وليس حرية الآخرين)!

قراءة الحالة التي هي عليها الحرية اليوم تقود إلى أسئلة كثيرة ليس حول سوء استخدام الحرية فحسب، بل تلك الأسئلة التي تستنكر أن يكون المرء حراً، ولكنه يجهل ماذا يفعل بحريته، وكأنه لا يستحقها، أو يستكثرها على الآخرين فتراه يسيء إلى نبالة الفكرة بسلوكيات تنم عن قلة وعي تربى عليه طيلة عقود.

لقد كان لغياب مفهوم الحرية طيلة سنوات من الظلم أثره السلبي في إعادة تقبل الفكرة، ومن ثم التعامل معها بوعي وليس بالإقصاء، كما هو الحال بالنسبة لكثيرين لم يدركوا قوة الوعي في روح الحرية ومعناها، وكانت سنوات الظلم وعّرت الطريق نحو هدفهم من الحرية، فأصبحوا يضربون فؤوسهم في الظلام كحاطبي الليل.

ذات مسرحية رحبانية قال المغني الراحل نصري شمس الدين بقلق (الحرية مسؤولية وبتلبك) أي تدعو للقلق حسب العامية، كان ذلك المغني قلقاً من حرية الغوغاء متوجساً من سقوط فكرة اللاوعي لدى شريحة لم تجرب الحرية من قبل، هذا حال كثير من أحرار بالشكل لكن العبودية لا زالت في دواخلهم.

الحرية لا تعني فرداً دون الآخر أو أمة دون غيرها، لذلك الأحرار الحقيقيون لا يصادرون حق غيرهم بالعيش بل يحرصون على حرية الآخرين كحرصهم على حريتهم، ودون هذا الفهم ستظل الحرية ناقصة وسيظل الأحرار عبيد ماضيهم.