سارع كثيرون إلى تسجيل وقائع الربيع العربي وتحويل أحداثه إلى فنون درامية أو موسيقية أو أدبية وكأنهم بذلك يسجلون سبقاً في هذا الميدان خاصة وقد سحرتهم عبارة (أول مسلسل عن الربيع العربي أو أول أغنية أو أول رواية .. وكذا أول لوحة ومنحوتة)، وكأن التحولات التي ضربت المنطقة مجرد خبر صحافي يحوله المستعجلون إلى أغنية أو رواية أو مسلسل رمضاني من ثلاثين حلقة مضجرة.
الأحداث المهمة في التاريخ لا يجري التعامل معها من موقع (السبق الصحافي)، الفن يحتاج إلى وقت لتنضج فكرته وتخرج من فورة المحاكمة السريعة إلى التأمل والـتأني والتفكير قبل العمل على رواية أو لوحة أو فيلم، والشاهد أن الأعمال العظيمة عن الحروب والكوارث ظهرت بعد مرور عشر سنوات على الأقل من انقضائها، وكانت هي الأبرز والأبقى أثراً.
في الوقت الذي مازالت أحداث الربيع العربي تتوالى سارع نفر من صائدي الشهرة إلى تدبيج الروايات وتحبير القصائد وإنتاج المسلسلات والأفلام ولصقوا عليها عبارة أول فيلم عن ثورة 25 يناير أو أول مسلسل عن الثورة السورية وكذا أول رواية عن ثورة الياسمين، وكأن السرعة هي الهدف وليس توثيق الوقائع هو المقصود، فضلاً عن الاستسهال في نقل الحقائق بأسلوب فني، فأصبح المنتج فجاً مباشراً بأحداث ونهايات مجانية لا قيمة فنية لها.
لذلك كانت تلك الاستعجالات كأنها ولدت ميتة أو ولدت خديجة ينقصها العمق في المعنى وتعوزها الحكمة، أعمال شوهت الحقائق لأنها أغمضت عينيها عن الفن الحقيقي وفتحت جيوبها للمال والشهرة، وأي مال وشهرة يجنيها المرء من دم شعبه المراق في الشوارع، وأي فن الذي يحاكي السرعة والشهرة فقط، أعمال لا تستحق التوقف عندها كأنها لم تكن أصلاً.