ماذا يكتب التأريخ في دفاتره وقد تسارعت أحداثه؟ من كان يصدق أن الحضارة التي بناها الإنسان من عهود سحيقة ستدمر برفة عين، وكأنها قطع كرتونية تتهاوى كما في فيلم سينمائي متقن الصنع؟ ومن كان يعتقد أن متاحف الشرق ستنهب كما في أفلام السرقات العابرة للحدود.. ومن كان يظن أن العالم سيسارع لإنقاذ حضارته فهو واهم، فقد قسمت الحضارة إلى من لا يستحقونها وإلى من يرعونها، نحن كنا الحلقة الخاسرة، والشاهد ما تم تدميره في سوريا لا يمكن مقارنته بأي مكان آخر حول العالم.
القطع الأثرية التي تزين متاحف الغرب وصلت إلى هناك بطرق غير مشروعة حيث تمت العناية بها ودراستها وجعلها مفردة في متحف الحضارة الشرقية أو الحضارة الإسلامية تمر عليها كل يوم آلاف العيون، ترى عظمة من صنعها من الأجداد ولا ترى دم الأحفاد الذي يراق في مسقط رأسها، حضارات معجونة بالدم الذي يسيل في الشوارع من ثلاثة أعوام.
حضارة الغرب النظيفة والأنيقة تقوم اليوم على خراب الشرق، فقد نهبت الأوابد طيلة عهود الاستعمار وزاد عليها لصوص التاريخ وجهلة الزمن الذين لم يتوقفوا عند حس وطني ولم يخزهم ضمير، هم ذاتهم الذين يعملون اليوم في نهب ما تبقى من قطع أثرية وبيعها لتجار (لصوص أكثر أناقة) خلف الحدود.
لو عرفنا أن 28 مسلة مصرية فقط لا تزال قائمة في العالم، منها ثمانية فقط موجودة في مصر، المسلات الأخرى منتشرة في دول عدة، منها: باريس وروما ولندن واسطنبول ونيويورك، لأدركنا كم كانوا قساة وهم يحملون حضارة الشرق إلى بلدانهم ينظفونها ويغلفونها ويعرضونها في شوارعهم بفخر، دون أي إحساس بعار أو خجل، لأنهم يعتقدون أن الحضارة تموت في الشرق، وتحيا في الغرب.
نعم نحن نقتل الحضارات.. ونقتل البشر، فما بالنا بالحجر.