لطالما تساءلت عن كينونة هؤلاء الذين تكبل العبودية أرواحهم، كيف يتصالحون مع أنفسهم وكيف يهون عليهم ان يكونوا عبيداً، وكيف تنازلوا عن الحرية أو فرطوا بسر وجودهم وقد خلقهم ربهم طلقاء ووهبهم العقل وأنار لهم درب الحياة؟
من أجل الحرية قامت الحروب، وسالت أنهار الدم منذ فجر التاريخ. وعنها كتب الشعراء ولم يماثلها في الأهمية سوى الحب، وكثيراً ما ارتبط مفهوم الحب بالحرية وصار عنواناً لمؤلفات عبرت الحدود. وقد اشبعت هاتان المفردتان نقاشاً وتحليلاً ولا تشكل العودة إلى الحرية شيئاً غير تلك العبودية المتغلغلة في الأرواح.
عندما انطلقت ثورات الربيع العربي وقف فريق ضدها وراح ينكل بالمطالبين بها. فريق ذهب بعيداً في قسوته ليس بالأحذية فوق الرقاب فحسب، بل في التجديف والسجود على صور الطغاة وكأنهم آلهة ...
هؤلاء لم يعرفوا الحرية يوماً ولن يعرفوها ولن يحتاجوها في أي وقت، فقد وهبوا أرواحهم للذل والمهانة فأصبحوا عبيداً في دواخلهم للطغاة، يتماهون بصورهم ويرددون بلا وعي كلماتهم ..
هؤلاء .. وما أكثرهم، يزداد غباؤهم ويزداد يقينهم أنهم أفضل من غيرهم.
عندما تكون الروح حرة لن ترضي بأي حال أن تكون مطية لهدف أو فكرة غير نبيلة، ولأن الطغاة يسلكون دروباً غير سوية لسوم شعوبهم بالسياط، فان عبدتهم أفضل من ينفذ مخططاتهم وخير من يحشد لموالاتهم. وقد أثبتت وقائع كثيرة أن رعاع الطغاة لا يتوانون عن حز الرقاب وبقر البطون واغتصاب الحرائر وحرق البيوت بمن فيها، لأنهم يعتقدون هذا أفضل لأوطانهم وطغاتهم ..
هؤلاء أسوأ من سادتهم لأنهم لم يعودوا ينتمون إلى الجنس البشري.