من يتصور مصر وقد تأخونت ثقافتها وكيف لها أن تزدهر في ظل أجواء من الفوضى والاضطراب التي تحيط بالمثقف المصري ومنتجه الفكري؟ ومن سيتصور أن مصر وقد أرخت ستاراً فوق روحها النابضة وخفة دمها لتصبح جسماً غريباً عن روحها وماضيها؟
جميع المهتمين في الشأن الثقافي المصري يتخوفون من الأجواء في وزارة الثقافة المصرية التي باتت غير مناسبة، خاصة من خلال مناقشة مجلس الشورى لتخفيض ميزانية الثقافة في بلد فيه ثقل الثقافة يوازي ثقل السياسة، وأحياناً يتفوق عليها.
في مصر (خلافاً لكثير من المواقع الثقافية العربية)، لم تكن الثقافة مفهوماً نخبوياً، كانت مفهوماً شعبياً أو ميالاً للوسط، حيث ساهمت ثقافة مصر في تعزيز هويتها البسيطة التي نشرتها الصورة الثابتة والمتحركة، والتي ضربت طولاً وعرضاً، وأثرت من فوارق الجغرافيا العربية من المحيط الى الخليج، حيث تعد مصر أشهر جسر (كلامي) للتواصل بين العرب، فإذا كانت الانجليزية وسيلة للتخاطب بين سكان العالم مختلفي الثقافات، فإن اللهجة المصرية تفتتح الأبواب لأبناء المغرب العربي كي يفهمهم أبناء جلدتهم في المشرق العربي.
ما يُخشى منه حقاً هو أن تذهب الثقافة إلى مكانة ثانوية، وان تصبح مسألة ترفيه تحت عين الرقيب الذي لا يقرأ بنظارة المقص فحسب، بل يرى مصر وتراثها من خلف حجب تلغي أزمنة وحضارات وتحاكم التاريخ وتصادر المستقبل.
تصوروا مصر دون لمعة الثقافة. تخيلوا حجم ثقل الظل لبدلاء النكتة والقفشة والظرافة. وتخيلوا لو أن الثقافة تأخونت، كم ستبدو الحياة موحشة وجافة، دون طراوة الروح الخفيفة، وكم ستكون قليلة المعنى إذا توقفت عن انتاج طاقتها الوجدانية التي نشرت ظلها لعقود وعقود، على المنطقة.
حماك الله يا مصر، يا أم الأمم.