لعبت السذاجة السياسية دورها في تأخر ثورات الربيع العربي عن اللحاق بمتطلبات الناس، وحصلت فجوة كبيرة بين فكرة الثورة وبين تطبيقها على الأرض (مصر نموذجاً)، وفجوة أكبر بين عاصفة الثورة ونظرية الدولة (ليبيا). في الأولى قفز على السلطة من هم أقل فهماً للسياسة العامة لقيادة دولة بحجم مصر. وفي الثانية لا أحد يعرف من أين بدأت الثورة وإلى أين تذهب الفوضى؟

بين سذاجة هؤلاء وسطحيتهم، يطفو على الماء فريق خائف من عملية التغيير. ويصل إلى درجة المطالبة ببقاء الأمور على ما هي عليه من فساد وظلم وهدر للكرامات، بدلاً من المجهول الذي ينتظرهم. وينخرط في هذه المطالب من يحابون الأنظمة الظالمة أو الذين يستفيدون من استمرارها، لأن مصالحهم تنتعش في ظلها (سوريا نموذجاً).

السذاجة كانت دليلاً واضحاً على عملية العزل السياسي التي استمرت لأكثر من نصف قرن، حيث ساد لون واحد من الانتاج السياسي حوّل المجتمع إلى قطيع من آكلي المنطلقات النظرية العظيمة أو الخطب الرنانة التي لا يمحوها التاريخ للقادة الذين لا يموتون أو يفنون، لذلك برزت على السطح السياسي الكثير من الممارسات الخاطئة، والعنتريات السياسية المشبعة بتطرف ديني لا عقلاني، ممزوجا بالإرهاب الفكري ونفي الآخر.

بعد خمسة عقود من التغييب السياسي لجميع الأطياف على الساحة، مصحوبة بكم كبير من التدمير المبرمج للنسيج الاجتماعي، ها هي افرازات ذلك قد بدأت تظهر على الأرض عبر تكفيريين وجهاديين وسلفيين حملة بنادق يجوبون الطرقات ويروعون الناس، هؤلاء لم يسقطوا من السماء، هؤلاء جاؤوا من فساد لأنظمة، نبتوا كالفطر في مدن الفقر والقهر وها هم يريدون الحياة على طريقة (كن مثلي أو أقتلك).