في الوقت الذي تركز فيه الأخبار الواردة من سوريا على المعارك والدمار والخطف والانتقامات وحز الرقاب وعض القلوب، تموت الأخبار عن البشر وهم على هامش الحرب. أخبار عن تحركات دبلوماسية، أو مبادرات جميعها لا تصمد أمام مشهد اللاجئين في المخيمات أو الأحياء المدمرة. أخبار تنحاز للعنف المباشر أو لعنف الدبلوماسية الأنيق، لكن قليلاً ما يذهب الإعلام إلى المساحة الإنسانية التي دمرتها الحرب أو قضت على ما تبقى منها.
ما تتناقله الوكالات هو ما يظهر على سطح الحقيقة، وليس عمقها. حقيقة الحرب التي لا يعرفها إلا من يعيشها، حقيقة هؤلاء الذين يلوكون قلوب الناس وينشرون الحقد عبر أفلام رديئة تشبه وجوههم، هؤلاء الذين يثرون في الحروب لمتاجرتهم بحاجات الناس، بخبزهم، بيأسهم، بدموعهم، هؤلاء الذين يحتكرون أو يحجبون الحليب والدواء، أو الذين يعطلون عبور المساعدات أو يقطعون الطرقات، لا يختلفون كثيراً عمن يقتلع قلب إنسان ميت ويلوكه!
الأخبار لا ترى هؤلاء لأنهم لا يحملون البنادق أو لأنهم يرتدون ثياباً أنيقة، لكنهم لا يختلفون كثيراً عن قتلة الأطفال سارقي قوتهم، وعلى ذكر السرقة، الأخبار أيضاً لا ترى هؤلاء الذين يقتحمون البيوت ويسطون على متعلقات الناس البسيطة، ومن ثم يعرضونها على الطرقات لبيعها، الذين يخطفون الأبرياء ويطالبون بفدية لإعادتهم أحياء أو شبه موتى، والأخبار لا ترى كل الحقد داخل القلوب ولا تعرف عنه شيئاً، لأن الحقد أقسى أمراض البشر وأقلها شفاءً.
ما تخلفه الحرب ليس بصورتها الظاهرة أو أخبارها الطافية على السطح، هناك من النتائج ما لا يمكن تصوره أو تخيله. وليس مشهد السوري وهو يلوك قلب السوري إلا أبلغ تعبير عن موت الإنسانية، قبل موت الإنسان.