لقد بتنا ننظر بريبة إلى كلمات مثل: الاستعمار، العمالة، الرجعية، الاستيطان، الامبريالية. وصرنا نشك في حقيقة معناها الفكري. فهل فعلاً هي تلك الكلمات التي نثروها في كتب المدرسة على طول الساحة العربية.. وكان يقصد بها ان نكره الآخرين الذين ينتمون فكرياً لمرجعيات تلك الكلمات؟ وهل كان القصد أن يبقى معنى الكره في حالة اللاوعي، وعندما يتحول إلى حقيقة ماثلة يصبح كالراعي الكذاب؟!
الذين يحضون على كره أميركا يحلمون بالسفر إليها أو بمباركتها . أو يسعون من تحت الطاولة لنيل رضاها. وفي الحدائق الخلفية تراهم يتبادلون معها الأنخاب وهؤلاء الذين حشوا عقول الصغار وكتبهم بكره أميركا، يرسلون أولادهم للتعلم في مدارسها وجامعاتها، والذين يصرفون وقتهم السياسي في النيل من الغرب وديمقراطيته المادية، لا يجدون طبيباً في دولهم العظمى يعالج صداعهم أو يعالج أوبئة تخلص الغرب منها منذ قرون.
ربما تذهب الأفكار الضيقة نحو (كاتب هذه السطور أميركاني). حقاً يشعر المرء بالخجل: لماذا طيلة عقود قالوا لنا أن نكره أميركا، بينما كانوا يصادقونها في الخفاء ؟ أخشى أن يكون الأمر ذاته مع اسرائيل، يطلبون منا كراهيتها، وفي الخفاء يتوافقون معها ! وفي أدبياتنا، طيلة نصف قرن من الصمود والتصدي، كثير من الحقائق المقلوبة التي تستحق اعادة النظر.
حالهم حال الراعي الكذاب، الذي أراد أن يختبر نخوة أهل القرية، فاستنجد ذات يوم صارخاً: (هجم الذئب على خرافكم). فجاء أهل القرية يركضون لنجدته، غير أنه ضحك. وقال: كنت اختبركم، وبعد مرور أيام كرر فعلته طالباً النجدة فجاؤوه يركضون، فضحك ثانية، وقال: كنت أختبركم. لكنه في المرة الثالثة، وقد هجمت الذئاب على خرافه، صرخ طالباً النجدة، فلم ينجده أحد، لقد كذب من قبل مرتين، فلماذا لا يكون كاذباً الآن.