عندما يذهب المواطن العربي إلى صندوق الاقتراع ويختار أقل المرشحين كفاءة لمنصب سياسي، لا يلام على سوء اختياره فهو ضحية جهله وقلة معرفته، فقد غاب عنه الوعي السياسي لسنوات وسنوات، وغيب عن أي مشروع معرفي لسنوات أطول. لذلك لا يميز بين من يقود المجتمع نحو المستقبل أو من يعيده إلى عصور ساحقة.
غياب الوعي السياسي من أخطر الظواهر التي تهدد المجتمع، وقد اشتكى منها أكثر من مفكر إسلامي، فها هو ذا الشيخ محمد الغزالي يقول: "إن الفكر الإسلامي عند جمهرة المتدينين يتسم بالقصور البالغ، وإنهم يرون الفساد ولا يعرفون سببه، ويقرؤون التاريخ ولا يكشفون عبره ويقال لهم: كان لنا ماض عزيز فلا يعرفون سرّ هذه العزة، وانهزمنا في عصر كذا فلا يعرفون سبب هذه الكبوة".
ان عدم فهم اللغة السياسية ومصطلحاتها يطيح بحياة الديمقراطية، لأن اللغة السياسية غير حاضرة كمفهوم يومي. ومثالنا على ذلك أن كثيرا من المدارس لا تشجع الطلاب على اختيار ممثلهم في مجلس الطلبة، وبالتالي تصبح اللغة السياسية الأولى سلبية في حياتهم المبكرة، لذلك تراهم ينصرفون عن شأنهم الديمقراطي نحو اللاجدوى ونحو السطحية التي تفضي إلى غياب الوعي السياسي.
ان كلمات مثل: (النظام الدولي الجديد، مشروع الشرق الأوسط الكبير، التطرف، الأصولية، مقاومة الإرهاب، اللوبي الصهيوني، صراع الحضارات، العولمة، العلمانية، الليبرالية.. إلخ)، غريبة عن الأذهان فهي حاضرة بشكلها، غائبة بمفهومها، ولن يعرفها المواطن العربي لأنه لم يشب عليها أو يتعلمها في مناهجه الدراسية، وعندما يرطن بها السياسيون يظن الناس أنهم أكثر وعياّ من الآخرين!
لذلك لا يلام المواطن العربي على عدم قدرته استقراء اتجاهات الأحداث في العالم، فهو عاجز عن فهم أسباب فقره، أو يأسه، أو بؤسه، أو عبوديته، قلة حيلته، غموض مستقبله، كثرة أبنائه، غلاء معيشته، انحناء ظهره .. لا يفهم كل ذلك. إذاً، كيف له ألاّ يسقط في مصيدة الاختراق السياسي والفكري من قبل الآخرين، وأحياناً يدافع عن مشاريعهم لأنهم يوهمونه بجدواها لانتشاله من حال التردي إلى حال البحبوحة!
وهكذا ينشغل بغير عدوه الحقيقي، فيصبح ضائعاً في غابة الحياة.