خلال زيارة سريعة لمدينة إيسن الألمانية، لفت نظري في معظم الشوارع تلك الرفوف المليئة بالكتب، والتي وضعت داخل قفص زجاجي يمكن لمن يرغب أن يفتحه ويتناول منه كتاباً، حيث تتوافر الكتب بعدة لغات: (الألمانية والإنجليزية والفرنسية والهولندية. وأحياناً، العربية).

تلك المكتبات تسمى (مكتبات الفقراء)، لأنها توفر للذين لا يملكون ثمن الكتاب، نسخة مجانية مما يجود به المتبرعون للمكتبة، وكثيراً ما تكون كتباً قيمة في الفكر الإنساني، لتعم بقراءتها الفائدة ويتواصل من خلالها أفراد المجتمع بقيم عامة تجعلهم تحت سقف مشترك من تقارب الأحلام والطموحات.

اعترافاً من زبائن المكتبة بأهمية المشروع، وكبادرة شكر، يقومون بإعادة الكتاب فور انتهائهم من قراءته ليستفيد منه شخص آخر. طبعاً يعيدونه نظيفاً مستوي الصفحات.. أنيقاً مثلما كان. وبذات الطريقة الحضارية، يوضع الكتاب في خانته التصنيفية، حتى يسهل الوصول إليه.

تلك المكتبات يتطوع أحد الأشخاص المحبين للقراءة من أبناء الحي، للقيام بعملية ترتيب الكتب التي ضلت طريقها إلى غير أماكنها، حيث يعيد التصنيف ثانية، علّ القراء يجدون مبتغاهم لما يبحثون عنه، وخاصة في الأيام المشمسة. إذ تكثر المقاعد في الساحات وقرب محطات المواصلات العامة أو قرب المقاهي والمطاعم، ما يشجع على مزيد من القراءة.

فكرة مكتبات الفقراء واحدة من الخدمات الثقافية التي تقدمها الدول المتحضرة لمجتمعاتها، والتي وجدت صداها في الأحياء البسيطة والشعبية. وراحت تنتشر في كل المدن والبلدات الألمانية. وكانت تلك الخطوة واحدة من أنجح وأفضل طرق تشجيع القراءة.

وعندما سألت: هل هناك من لا يعيد الكتب بعد قراءتها؟ كان الجواب ماذا سيفعل المرء بالكتاب غير قراءته. إن لم يرجعه اليوم سيرجعه غداً، ليحصل على كتاب آخر مكانه.