من تمبكتو إلى معرة النعمان، ومن أفغانستان إلى مصر، تستعر الحرب على الإرث الثقافي للبشرية، في ظل فوضى الأهداف وضياع الطريق وخلل البوصلة. حرب وقودها الجهل وأبطالها مغامرون تشوشت عقولهم، فأصبحوا كحاطبي الليل يرمون فؤوسهم في كل ما يجهلون، فيدمروا التاريخ ويشوهوا الحضارات ويحكموا على الأرواح بالتحريض والكراهية، ولا يدركون ما يفعلون، ولا يعون أين تكمن مشكلتهم أو مأساتهم.
بعد أن أحرق جهلة العلم، مخطوطات ومكتبات تمبكتو التي لا تقدر بثمن، وعقب أن قطعوا رأس تمثال أبي العلاء المعري، منذ أيام، ها هم يرسلون جهلهم إلى من ضاقت عقولهم عن فهم العلم وتطور البشرية.. وها هم يخطفون رأس تمثال طه حسين، المصنوع من النحاس، من وسط مدينة المنيا مسقط رأس عميد الأدب العربي، بينما وضع مجهولون نقاباً على تمثال أم كلثوم، الموجود في أحد ميادين المنصورة. ومن ثم صوّروه ونشروا الصور على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن قبل، طعن جهلة، من اللون ذاته، نجيب محفوظ، وغيرهم من الزمرة عينها، دمروا تماثيل أثرية في أفغانستان. والحوادث تتوالى عن ثقافة الإلغاء والقتل والتدمير، وسط غليان الثورات المطالبة بحرية الشعوب. ووسط ربيع تفتحت أزهاره بالدم، يمر جهلة الحقد البغيض على رموز التاريخ فينتقموا من الكتب والتماثيل والمفكرين، ومأساتهم الكبرى عدم التفريق بين الظالم والعالم.
هؤلاء جاؤوا إلى ميادين الثورة من أبوابها الخلفية، ليسرقوا فرح الناس وليعيدوا سيرة الجهل من جديد، ولسان حالهم، ذلك الشاب الذي طعن نجيب محفوظ عام 1994، من دون أن يعرفه أو يقرأ له حرفاً واحداً. ولكن الجهل والتحريض، قاداه إلى فعلته، مثلما يفعل غيره الآن. حقاً إن الإنسان عدو ما يجهل.