لعل كتاب محمد وردي «من أين ندخل إلى التسامح»، الصادر حديثاً؛ من الكتب المُكتفية بذاتها، تلك الكتب التي استوفت شروط تجربتها. والتجربة الفكرية -إلى جانب كونها تجربةَ وعي ووجدان معاً- هي مُستويات وطبقات. ما يعني أن لها أكثر من مدخل، وأكثر من قراءة وتأويل.

وقد يكون تعدد المستويات والمداخل في تجربة وردي هو ما جعل البعض من قارئيها ومحلليها، يرى أنها تجربة تتأبَّى على التصنيف، إذ لم يضرب كاتبها في حقل واحد من العلوم الإنسانية دون غيره. فليست هي بحث أنثروبولوجي، ولا هي محض سرد تاريخي، ولا اقتصرت مادتها على مجالات علم النفس، ولا هي جهد سوسيو- معرفي بالمعنى الشائع أو المعروف، وإنما نهج في تأليفها «منهجاً بينياً»، يسمح له بمزج الاختصاصات، والأخذ من كل حقل ما يثري به دراسته؛ فيزيدها وضوحاً وجلاءً.

تجربة فلسفية

إنَّ تجربة وردي تجربة فلسفية عربية خالصة، تخلَّى مُؤلفها عن غواية الوعظ والتنظير؛ فكان -فقط- باحثاً مخلصاً للبحث. هو الباحث المهمُوم، حين يكون من الطرازِ الأوَّل.

ولكوننا ننسب هذه التجربة إلى الفلسفة؛ فهو أمر لا يُجافي المنطق، ولا هو قول على سبيل الاستعارة أو المجاز؛ فأن يتفلسف المرءُ يعني قبل أي شيء؛ أنه فكَّر مُنفرداً، وقام بعمل نقدي موجّه من الفكر إلى نفسه، عملٌ هو تفكيرٌ حرٌّ، وتساؤل عن الأشياء ذاتها، جهد للعثور على الذات بشكل عملي، وإجادة التحكم في وجودها الحاضر، واستشراف للمستقبل ككُلٍّ. وهذا الجهد والبحث في مجمله يكون عن حياة عادلة يسودها الوئام.

وكونها تجربة عربية لمفكر عربي؛ فإن هذا الوصف يُدرجها مباشرة في سياق ما هو غير مسبُوق، فعلى صعيد الإصدارات غير العربية، وعلى صعيد ما نجده من نصوص غربية مُعرَّبة تحمل عنوان «التسامح»؛ فإن هذه الدراسات لا تحمل «التسامح» بذات المعنى الذي يتضح في كتاب محمد وردي، فهي إما تأريخ للظروف والملابسات الذي ظهر فيها التسامح كمصطلح غربي، أو وجهات نظر وأطروحات تختلف كثيراً عن أطروحات العرب ولسانهم في التعبير عن مشكلاتهم.