دار الهلال 12 عقداً من الثقافة والتنوير

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لا تنبع قيمة مؤسسة دار الهلال، وشهرتها، فقط، انطلاقا، من كونها، وعلاوة على أهمية منتجها، أقدم مؤسسة صحافية مصرية. فهي أيضاً، أكثر دور النشر والصحافة عراقة في الشرق الأوسط، إذ تأسست في العام 1892، مع بداية ظهور حركة الصحافة والنشر في مصر، ذلك أثناء الاحتلال الإنجليزي.

والذي أسهم فعلياً، في ظهور الصحف والمطبوعات المتخصصة، وتحديداً في ظل هجرة الصحافيين والأدباء الشوام إلى مصر، في تلك الفترة. ومن ثم اتجاههم إلى تأسيس مؤسسات صحافية تعنى بنشر آرائهم وكتاباتهم. وكان من بينهم اللبناني جورجي زيدان.

ذلك الكاتب والأديب الذي هرب إلى مصر، من ضيم وعسف تضييق السلطان عبدالحميد الثاني على الصحافة والنشر في الشام، ليجد في مصر ملاذاً آمناً، له ولكتاباته، فأنشأ دار الهلال بعد محاولات عديدة مع الصحافة، من خلال صحيفته الأولى الزمان. ومن ثم اتجه إلى المقتطف. ثم أنشأ مطبعة أطلق عليها الهلال، وذلك إلى أن أصدر مجلة الهلال؛ لتنطلق معها، حكاية بداية أسطورة دار الهلال للصحافة والنشر، العريقة.

 بعد أن افتتح جورجي زيدان، دار الهلال، أراد لها أن تكون مؤسسة ثقافية تنويرية مهمة، من خلال إصداراتها، والتي كان أولها وأشهرها مجلة الهلال. إذ كتب فيها جورجي زيدان مقالاته ومؤلفاته.. ولم يكن يتوقّع زيدان أن تصبح من أشهر المجلات الثقافية في ذلك الوقت، وهكذا لاقت رواجا جماهيريا كبيرا، وغدت من أكثر مجلات تلك الفترة، انتشارا. وكذا حملت أسماء أدبية وفكرية لامعة ونوعية، مثل : علي أمين وأحمد بهاء الدين. وطالما مثلت أول مجلة عربية شهرية مصرية، تهتم بأخبار الثقافة والحركة الأدبية في مصر والعالم العربي.

البداية .. جورجي زيدان

خصص مؤسس مجلة الهلال، جورجي زيدان، في أول عدد لها، مساحة واسعة شرح للقراء فيها، أسباب إصداره المجلة، وكذا دوافعه وأهدافه؛ كي يخلق نوعا من التفاعلية مع الجمهور. وتذكر الوثائق مقولة لزيدان، كتبها في افتتاحيته :لابد للمرء فيما يشرع فيه من فاتحة يستهل بها، وخطة يسير عليها، وغاية يرمي إليها.. أما فاتحتنا فحمداً لله على ما أسبغ من نعمه وأفاض من كرمه..

والتوسل إليه أن يلهمنا الصواب وفصل الخطاب، وأما خطتنا فالإخلاص في غايتنا.. والصدق في لهجتنا.. والاجتهاد في وفاء حق خدمتنا، ولا غنى لنا في ذلك عن معاضدة أصحاب الأقلام من كتبة هذا العصر في كل صقع ومصر.. أما الغاية التي نرجو الوصول إليها فإقبال السواد على مطالعة ما نكتبه ورضاؤهم بما نحتسبه وإغضاؤهم عما نرتكبه، فإذا أتيح لنا ذلك كنّا قد استوفينا أجورنا فننشط لما هو أقرب إلى الواجب علينا.

ز س

شرح زيدان، في مقالته الافتتاحية في الهلال، في عددها الأول، أسباب اختياره اسم الهلال ليكون عنوانا للدار والمجلة، تيمناً بالهلال الذي كان يرمز للدولة الإسلامية أو العثمانية، وكذلك تفاؤلاً باستمرارها ونشأتها، كالهلال الذي يتحوّل إلى قمر مكتمل يضيء الحياة الثقافية في العالم العربي. كما خصص في المجلة أبوابًا عديدة تهتم بشؤون مختلفة، في الفن والثقافة، مثل:

الأخبار، النقد والعرض، الحوادث.. وباب لعرض الكتب والروايات. ولم تقتصر المجلة على الأدب فقط -كما كان شائعاً في ذلك الوقت- ولكنها توسّعت في تناول القضايا الثقافية المختلفة والتخصصات الأخرى؛ أي بشكل أشمل، مثل: الفلسفة والاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة والفن والترفيه. وفُتح الباب أمام الترجمات العربية إلى الأدب الغربي، وكذلك إلى الأدب العربي بالنسبة للقارئ المصري.

مجلة وقامات

حرص زيدان في سياساته التحريرية للمجلة، على أن تكون نافذة وأرضا للقراء المصريين والعرب، عبر احتوائها على أحدث إنتاج فكري وثقافي في العالم كله، وكذا بإصداراتها العديدة المترجمة لأبرز المؤلفات العالمية. ولذلك كانت طوال تاريخها، مدرسة للتنوير، ولعل أنصع براهين ذلك، يتبدى من خلال من ضمتهم بين صفوفها، من رموز الفكر والفن والأدب والصحافة، ابتداء من جورجي زيدان وابنيه إميل وشكري، اللذين حملا راية التطوير بعد والدهما، مروراً بطه حسين وعباس العقاد وحسين هيكل والمازني وسلامة موسى.

وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي وميخائيل نعيمة وجبران خليل وحسين مؤنس. ومن ثم لطيفة الزيات وأمينة السعيد ومي زيادة والسباعي وأحمد بهاء الدين وفكري أباظة، ووصولاً إلى مكرم محمد أحمد ورجاء النقاش، وغيرهم الكثير.

تعرّضت الهلال، في الفترة الأخيرة، إلى كبوات وأزمات عديدة، حالها في ذلك حال بقية المؤسسات الصحافية التابعة للدولة. إذ غاب عنها التطوير والاهتمام. كما طغى نهج الاختيارات الخاطئة لقيادات المجلة والدار، الذين لم يعرفوا تاريخ الهلال جيداً، أو لم يكونوا بروح وعقلية مؤسسها جورجي زيدان، نفسيهما. وذلك حتى باتت في الفترة الأخيرة، تسجل أرقاماً ضعيفة للغاية في نسبة الانتشار والتوزيع، وهو الأمر المحزن؛ نظرا إلى قيمة وعراقة الدار، وهي الثيمة التي لا تتناسب مع أوضاعها الحالية.

يحكي عزت بدوي، رئيس تحرير مجلة المصور، عن تاريخ دار الهلال وسماتها: إنها من المؤسسات العريقة الموجودة في مصر، إذ رأت النور منذ العام 1892، ولعبت دورا رائدا نوعيا في الساحة الفكرية والاجتماعية المصرية والعربية، وكانت لها إسهامات حيوية، أرخت معها لتاريخ مصر، فكانت شاهدة على أحداث كثيرة.

ولا يزال إشعاعها حاضرا مؤثرا، إلى الوقت الحالي.. لكن بصورة باهتة، بسبب ما يحيط بالمؤسسة من أزمات، غالبيتها، أزمات اقتصادية بحتة، فالمؤسسة بحاجة إلى إعادة هيكلة، تنظيمية ومادية، تفي بغرض القضاء على المشكلات التاريخية العالقة بها، والتي تعيق أداءها عملها.

ديوان الصحافة المصرية

يتفق النقاد والمتابعون للحركة الثقافية والأدبية في مصر، على أن دار الهلال، تمثل، فعلياً، ديوان الصحافة المصرية، كونها صاحبة فضل وأثر كبيرين، على حركة الثقافة والأدب في مصر والعالم العربي، ذلك في وقت كان قد غاب عنه الاهتمام بذلك التخصص، ويضاف إلى هذا، التخصصات والإصدارات الأخرى التي أصدرتها الدار بعد ذلك؛ كي تستكمل المشوار الذي بدأته الهلال.

كما كان لافتاً ما شهدته صفحات الهلال من مقالات وكتابات لأسماء أدبية وفكرية لامعة، في التاريخ العربي مثل: أمين سامي باشا، أمير الشعراء أحمد شوقي، أحمد زكي باشا، حافظ إبراهيم، الدكتور طه حسين، مي زيادة، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازني، محمد فريد وجدي، عبد القادر حمزة، الشيخ مصطفى عبد الرازق، زكي مبارك، زكي نجيب محمود، نقيب الصحافيين السابق مكرم محمد أحمد.

إصداراتها المختلفة

تعد الهلال، من أوائل دور النشر والصحافة التي أولت اهتماما للمجالات والتخصصات المختلفة للمجتمع، سواء على صعيد المضمون أو الجمهور، وكان لها دور فريد في ظهور تخصصات جديدة على سوق الصحافة، ذلك مثل : مجلة سمير التي أطلقت عام 1956 -المتخصصة للأطفال، مجلات توم وجيري وميكي - للأطفال أيضًا. إلى جانب إصدارها مجموعة كتب ومطبوعات للأطفال، كروايات وقصص الجيب للأطفال.

يشرح الصحافي والناقد أشرف غريب، رئيس تحرير مجلة الكواكب (إحدى أبرز مطبوعات دار الهلال)، جملة مفاصل وميزات ومراحل مهمة في مضمون تاريخ دار الهلال: إن (الهلال) عنوان لقيمة فكرية تاريخية نوعية، جوهرها العراقة والمكانة الراقية المتزنة.

لكن أحاطت بها المشكلات، وخاصة خلال السنوات الثلاثين الماضية، فتدهورت مبيعاتها ومعها دورها التاريخي، ذلك في الوقت الذي أخذت فيه تحاصرها الأزمات المالية، ما اضطر عدد من العاملين بالمؤسسة، للانضمام إلى سلسلة الاحتجاجات الفئوية التي شهدتها مصر، منذ شهور، في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير.

وهي الأزمات التي تدخل مجلس الشورى لحلها، لكن تبقى الأزمات التاريخية تحاصر الدار. ولا تفوت غريب الاشارة الى الدور التاريخي الذي لعبته المؤسسة، في إثراء المعرفة، في مصر والعالم العربي، خاصة وأنها تُصدر عدداً من المطبوعات التاريخية، إلى غاية الفترة الحالية، تسهم محوريا في تكثيف مساقات التثقيف، لافتا إلى أن مكمن النقص والخلل، هو كونها تحتاج تطويراً شاملاً وعاماً.

تقدم دار الهلال، إلى القارئ العربي، باقة من المنشورات الحيوية. ومن أشهر إصداراتها الحالية؛ مجلة المصور، وهي المجلة العربية الأولى من نوعها، في الاعتماد على الصورة في تقديم المادة الصحافية، بجوار النصوص. وصدرت هذه المجلة في عام 1924، وتناوبت على رئاستها، شخصيات صحافية لامعة، بداية من مؤسسها (جورجي زيدان، ومروراً بابنيه إميل وشكري، ثم علي أمين وفكري أباظة، ووصولاً الى مكرم محمد أحمد.

وكذلك توالت الإصدارات التابعة لدار الهلال، والتي استطاعت أن تغطي المجالات المختلفة، ومنها من توقّف عن الصدور، مثل مجلات: الإثنين والدنيا، كل شيء والعالم، كل شيء والدنيا، الفكاهة والكواكب، الكواكب والابطال. ومنها في المقابل، المجلات والإصدارات التي لا تزال موجودة: حواء- المتخصصة بقضايا المرأة، الكواكب- أخبار الفن والنجوم، مجلة طبيبك الخاص- الطب والاستشارات والنصائح الصحية.

ويضاف إلى هذه الإصدارات، باقة أخرى، من الدورية وغير الدورية، التابعة لدار الهلال العريقة، منها: كتب الهلال للأولاد والأطفال، سلسلة روايات الهلال للأولاد والبنات، سلسلة مجلدات الأطفال، سلسلة كتب الهلال، سلسلة الشياطين الـ13، سلسلة كتاب الهلال الطبي

تاريخ يستصرخ الحاضر

 رأت مجلة الهلال، ولاحقا دار الهلال، النور، منذ العام 1892، ولعبت دورا رائدا نوعيا في الساحة الفكرية والاجتماعية المصرية والعربية، وكانت لها إسهامات حيوية، أرخت معها لتاريخ مصر، فكانت شاهدة على أحداث كثيرة.

ولا يزال إشعاعها حاضرا مؤثرا، إلى الوقت الحالي.. لكن بصورة باهتة، بسبب ما يحيط بالمؤسسة من أزمات، غالبيتها، أزمات اقتصادية بحتة، فالمؤسسة بحاجة إلى إعادة هيكلة، تنظيمية ومادية، تفي بغرض القضاء على المشكلات التاريخية العالقة بها، والتي تعيق أداءها عملها...

 أما خطتنا فالإخلاص في غايتنا.. والصدق في لهجتنا.. والاجتهاد في وفاء حق خدمتنا، ولا غنى لنا في ذلك عن معاضدة أصحاب الأقلام من كتبة هذا العصر في كل صقع ومصر.

جورجي زيدان

طباعة Email