شهدت المنظومة الثقافية المصرية، في الآونة الأخيرة، نماء نوعياً ضمن مكون الإصدارات والإسهامات الإبداعية، مقارنة بحالها في أواخر القرن الماضي، إذ ظهرت على الساحة، نجوم أقلام أدبية وثقافية جديدة استطاعت، في فترة وجيزة، منافسة شعراء وكتّاب مبرزين، وأيضاً بعض رواد الأدب العربي، من خلال مؤلفات مؤثرة تعبر عن هموم القراء وآلامهم. واللافت أنه حظيت إصدارات هؤلاء الكتّاب، وفي ظل الدور الحيوي البناء لدور النشر الخاصة تحديداً، بإقبال جماهيري واسع، غير مسبوق، توسعت معه مروحة منافذ وأكشاك بيع الكتب.
مثّلت دور النشر المصرية الخاصة، الركيزة الأولى لاستيعاب العديد من الأقلام والوجوه الشابة والمغمورة، التي كانت قد صادفت العديد من الصعوبات في تقديم نفسها داخل الأوساط الثقافية الحكومية.
كما أسهمت هذه الدور في إعادة تقديم الكتاب إلى القارئ العربي بثوب جديد، من خلال مؤلفات هي بأسماء وعناوين، جديدة وحيوية ومتنوعة، تتنبه إليها عقول القراء وتتهافت عليها، بغرض قراءة مضامينها.. وهكذا ظهر على الساحة الأدبية، العديد من دور النشر الجديدة التي كسبت ثقة الجماهير بإصداراتها الأدبية المتميزة، وتلك مثل: ميريت، دوِّن، الشروق، خان، دار الكتب للنشر والتوزيع.
"ميريت"
تعد دار ميريت للنشر، من الأهم في مصر، وهي أيضاً ذات سمعة عالمية، وصاحبة أكبر جوائز تمنحها المسابقات الدولية. وكان قد أسسها محمد هاشم في أواخر التسعينيات من القرن الماضي؛ لتكون محرابا ثقافيا للإبداع الأدبي الجديد والطليعي، وكذا لتعنى في توسع بالثقافة والأدب المصريين.
وبذا أصبحت قبلة الباحثين والمفكرين، من مختلف الأعمار، عن حرية النشر في مصر. إذ قدَّمت العديد من الوجوه الثقافية والإبداعية الجديدة، وصدر عنها أجرأ المؤلفات والروايات المعارضة للنظام الحاكم، والتي كان نشرها وخاصة من قبل دور نشر حكومية يمثل صعوبة بالغة لمؤلفيها في ضوء معارضة هذه المؤلفات النظم البوليسية والديكتاتورية القائمة.
نهج وتشجيع
كانت من أولى الروايات التي أحدثت صدى ثقافياً محلياً وعالمياً واسع النطاق، واكتسبت على أثرها دار نشر ميريت شهرة عالمية، إصدارها رواية "عمارة يعقوبيان" للكاتب العالمي علاء الأسواني، والتي كانت بمثابة معارضة قوية وصريحة للنظام السلطوي القائم وقتها، وشجعت بدورها مؤلفي دور النشر المصرية على أن تحذو حذوها.
واحتوت دار نشر ميريت الكثير من المؤلفات الشابة والأدبية الراقية، التي أحدثت تنوعا ثقافيا للقارئ المصري، حيث وجد جميع القراء اهتماماتهم ومطالبهم الأدبية والنفسية والوثائقية، داخل مطبوعاتها المتميزة، وقدَّمت كذلك، العديد من الأسماء والوجوه الأدبية المهمة مثل: أحمد العايدي الذي استخدم أسلوبا مختلفا في كتابة القصة الشبابية، خالد البري صاحب رواية "الدنيا أفضل من الجنة"، ميرال الطحاوي، منتصر القفاش، حمدي أبو جليل، إيمان مرسال، ياسر عبد اللطيف.
موئل المثقفين
حصدت الدار مجموعة جوائز محلية ودولية في مجال الأدب والثقافة، من أهمها : جائزة "هيرمان كيستن" التي يمنحها مركز القلم الألماني التابع لمركز القلم الدولي ووزارة "Hessian" الألمانية للعلوم والفنون؛ ذلك لجهودها في دعم الكتاب المضطهدين، والتي تقدَّر قيمتها المادية بعشرة آلاف يورو، وتجسد تلك الجائزة، أبرز براهين الدور الفاعل الذي تؤديه دار ميريت في احتوائها للأقلام الحرة والثورية، والتي عملت تحت ضغط النظام البوليسي السابق، بروح صامدة، راسمة ملامح أفق وواقع مشرقين جديدين.
"خان للنشر"
تجسد دار نشر خان، مساق منظومة ثقافية وإبداعية متكاملة، يشرف عليها كبار الأدباء والشعراء، لتخرج من بين أيديهم ورعايتهم الأدبية، مؤلفات شبابية وحياتية تعبّر عن الواقع المصري بآماله وآلامه، ولتذهب بك إلى ما قبل الماضي وبعد المستقبل البعيد. إذ استطاعت دار نشر خان، تغيير المنظومة الثقافية الراكدة داخل مصر، وإعادة إحيائها وانعاشها، لتقديمها إلى القارئ المنتظر لها.
تروي مؤسسة دار كتب خان للنشر، كرم يوسف، بداية "المشروع الثقافي والطليعي لمبدعي الشباب الجديد": " تأسست دار كتب خان للنشر عام 2006، وبدأت تصدر المؤلفات الأدبية سنة 2009.
وتنظم الدار ورشا للكتابة الإبداعية للشباب.. وهنا فإن الكتب التي تخرج كنتاج لها، تكون أكثر إبداعا ومحاكاة للواقع، وهي تنشر من قبل دار خان. ويشرف على هذه الورش كبار الكتاب، مثل: ياسر عبد اللطيف.. ولا بد من الإشارة إلى أن أول كتاب أصدرته الدار: (السابعة ونصف مساء الأربعاء) كان في عام 2009".
تجربة وشهادات
يسرد الروائي الشاب محمد ربيع، بعضاً من ملامح تجربته الناجحة، مع دار خان للنشر: "أسهمت هذه الدار الجديدة في تحريك المياه الثقافية، وقدمت العديد من الأعمال الإبداعية.. وبدايتي، أنا شخصياً، كانت مع دار نشر خان، فأول عمل أدبي قدمته كان إليها، فوافقت عليه وتحملت جميع الأعباء المادية للنشر، ولم تفرض علي أي شروط أو قيود في الكتابة الإبداعية، وبذا تجاوزت او تفاديت، بالأحرى، جميع الصعوبات التي كان من المحتمل أن اصطدم بها مع أية دار نشر حكومية".
"دوِّن"
تجسد دار نشر دّون، صيغة تجربة شبابية متناسقة وبنفحات خاصة. إذ تتحدث إصداراتها ومؤلفاتها عنها، وهي بدأت على أيدي أربعة شباب، يبلغ أكبرهم من العمر، ستة وعشرين عاما، ذلك بخلاف الصورة السائدة، المتمثلة بأن من يؤسس دار نشر للكتب لا بد أن يكون قد تجاوز الخمسين أو السبعين عاما، لتثبت تلك التجربة أن مصر زاخرة بالعقول الشابة الناضجة والمبدعة.
تأسَّست دار نشر دوِّن عام 2009، على أيدي خمسة شبان، هم: محمد مفيد، مصطفى الحسيني، أحمد مهنا، أحمد البوهي، أحمد سلامة. وكانوا قد بدؤوا حياتهم الإبداعية كمدونين على شبكة الإنترنت. إذ لاقت مدوناتهم إعجاب الجماهير والمتابعين، حتى إنه تبرَّعت إحدى دور النشر بطبعها لهم، ووصلت نسبة مبيعاتها إلى ألف نسخة.



