نموذج جاذب، عربياً وعالمياً، لماهية الشكل والرؤية العصريين، ضمن حقل أنماط تصاميم المكتبات العامة، المعانق، بثقة وقوة، ملمح غنى المضمون، تصوغه مكتبة الأرشيف في حديقة الصفا في دبي، التي افتتحت، أخيراً، تحديداً في شهر ديسمبر من العام الماضي 2012. إذ أعلنت، في يناير الماضي، شهرها الأول في العمل، احتضانها ما يزيد عن 550 كتاباً، في مجال الفن والعمارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
لا تقتصر قيمة مكتبة " الأرشيف"، على كونها نمطاً تصميمياً فريدا للمكتبات، وذلك إلى جانب تميز محتوياتها من الكتب التي تتحدث عن العمارة والفن والابداع في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. فهذه المكتبة، تشكل، بفضل براهين النتائج الاولية لصيغة مشروعها ورؤاه، مساق حل حيوي مبتكر، حاليا، للمكتبات التجارية والعامة، في ما تواجهه من عقبات ومعوقات.
وهكذا فإن "الارشيف"، اختارت التوضع في حديقة عامة ضمن منطقة مهمة في دبي، فوفرت بهذا عناق الترفيه والثقافة، واتاحت للناس القدرة على التزود بالمعرفة بسهولة. وكذا اغتنمت عملية تسهيلات وتخفيضات الايجار التي تمنحها هذه الحدائق.
مبتكران وإنجازان
لم تكن فكرة تأسيس هذه المكتبة، عادية أو بمحض الصدفة والعفوية. فالأخوان أحمد وراشد بن شبيب، مؤسساها، هما صاحبا ابتكار موقع "بروان باغ" للمشتريات، والذي مثلا فيه الريادة المحلية الأبرز للتسوق الإلكتروني.
وتوضح سارة المالكي المشرفة على المكتبة، في هذا الخصوص، أن رؤية الاخوين بن شبيب في شأن هذه المكتبة، تنضوي في إطار مشروعهما الفكري والاقتصادي الاستراتيجي العام، الذي يترجم في صيغ عمل متواصلة، فريدة من نوعها. وتلفت سارة إلى أن "الأرشيف" تجسيد حيوي خلاق لتوجه "الهندسة الثقافية"، التي تطعم الشكل الخارجي للمباني والأماكن، بروح فنية جمالية وفكرية نابضة بالدلالات والقيم.
وكذا فإنها تحتفي بالقراءة وتروج لها، عبر تدعيم مساقاتها بتسهيلات توفر إيجاد وصوغ بيئة اجتماعية حاضنة للقراءة، تحفز على تقديم أعمال في هذا الصدد، تلامس العالم بفعل صقلها وإذكائها مستويات جماليات فكر وثقافة الأفراد.
روح المكان وقيمة المضمون
عند زيارتك مكتبة "الأرشيف"، يدعوك الموقع إلى التساؤل الجدي، العميق، حول أبجديات اختياره: فلماذا حديقة الصفا؟ تحديداً. تجمل المشرفة على المكتبة، في حديثها، نقاطاً وايضاحات، عديدة في هذا الخصوص:" جاء اختيار المكان هذا(حديقة الصفا)، كموقع للمكتبة، كنتيجة للتفتيش والتنقب عن موقع اجتماعي الطابع، يجعل من المكتبة جزءا حيويا من المرافق العامة، وكذا أسلوب حياة..
فحديقة الصفا منطقة ترفيهية، وملتقى العائلات، وقريبة من مدارس حكومية وخاصة، كثيرة، وتلك المقار جميعها، تضم فئات مهمة في المجتمع: الطلبة وافراد الاسرة. فهي فئات تسعى الجهات كافة، إلى جعلها جزءا من مكان الحديقة والمكتبة( بمعنى الثقافة والنهل المستمر من المعارف)".
ترتيب محكم
توضح سارة المالكي أن تصميم المكتبة الداخلي، أنجزه مهندس ياباني، جعل من الزوايا مناطق التقاء بين الباحث وأبجدية ترتيب الكتب الموضوعة على الرفوف ذات اللون الأسود، إذ تتوسطها طاولات وكراس، بنية اللون، مخصصة للطلبة والدارسين والقراء. كما أن طابعها الجاذب، يوفر تدعيم اللقاء الحميمي بين الزوار والمكان، متيحة إمكان تزودهم بما يحتاجونه من مأكولات خفيفة ومشروبات ساخنة وباردة.
كتب عريقة
الفن والعمارة والهندسة.. عناوين عريضة تتوسد المكتبة، وتتحدث سارة عن مضمونها وأهميتها:" غالبية الكتب، متخصصة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. وهناك مؤلفات تتضمن صورا وتفاصيل كثيرة متشعبة، ومن بينها مجموعة صور وتفاصيل عن الحج وشعائره، في المملكة العربية السعودية.
الكتاب حاضر ومؤثر
تمتلك المكتبة نحو 550 عنواناً، ويستعد القائمون عليها لاستقطاب ما يقارب 150 كتابا من اليابان، خلال الأشهر المقبلة، يرجع تاريخ بعضها إلى نحو 100عام مضت، كما تبين المشرفة عليها، وذلك كمبادرة نوعية لتعزيز ثقافة القراءة النوعية.
وتشدد سارة المالكي في توضيحها دأب المكتبة على التزود بمؤلفات جديدة، متنوعة: " لا يزال الكتاب، حتى في زمن التكنولوجيا والصورة، حاضرا ومؤثرا بقوة.. وتبقى لغة تعاطي العرض رهان المكتبات في عملية الاستمرار، وهذا ما ينطبق تماما على خطط وتصورات العمل بالنسبة لصاحبي مشروع المكتبة ".
فكرة جديدة
لا شك أن الزائر مكتبة " الارشيف"، لن يخرج بالتصورات والانطباعات نفسها، التي ترسخ لديه، حول المكتبات وطبيعة قيمتها ومنوال تأثيراتها، عقب زيارتها.. فهناك في رحابها وعوالمها ما يصوغ فكرة جديدة، حيوية، تنبئ أن عهدا جديدا للمكتبات بدأ يثبت فاعليته بصورة مغايرة، وأن القراءة كائن حيوي متطور متجدد يناغم ظروف الحياة ومقتضياتها. وأيضا، أن المكان يعد ببيئته الفتية الرحبة، ومقوماته الحديثة، خير روض حاو لمناهل المعرفة وإبداعات الجمال والفن.


