متحف محمد ناجي..فنون تحكي التاريخ وتوثق الحاضر

صورة

يجاور أهرامات الجيزة، أحد أبرز عطايا التاريخ القديم، ويستمد منها مسحة أصالة وعبق تاريخي، ممزوجة بإطلالة حداثية قوامها الفن التشكيلي المعاصر. إنه متحف الفنان التشكيلي المصري محمد ناجي، الذي يعكس بمقتنياته إسهامات هذا المبدع في إثراء الفن المصري وكذا في إثراء حركة التشكيل العالمية.

وتعود النواة الأولى للمتحف إلى عام 1952م، حينما شيَّد الفنان محمد ناجي مرسمه بمنطقة «حدائق الأهرام»، والتي أقيم عليها بعد سنوات عدة المتحف ذاته.

«9 شارع محمود الجندي في حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة». هذا هو عنوان المتحف وموقعه الذي اختاره الفنان ناجي قبل 65 عاماً، حيث أراده الفنان الراحل في مكان منعزل قصي عن صخب القاهرة ليحظى بالهدوء والسكينة، إذ لم تكن المنطقة آنذاك مأهولة كما الحال الآن، وكان الغرض من اختياره هذا المكان استكمال لوحته الأهم «مدرسة الإسكندرية» التي بدأ رسمها عام 1939 عندما كان مديراً لمتحف الفن الحديث.

وظل الفنان في مرسمه هذا لمدة أربعة أعوام حتى وافاه الأجل في العام 1956م، ومن ثم اشترت وزارة الثقافة بعدها بستة أعوام، وتحديداً في العام 1962، المرسم تمهيداً لتحويله إلى متحف، وأهدت شقيقته الفنانة عفت ناجي الدولة أربعين لوحة زيتية من أعمال الفنان الراحل، ومجموعة كبيرة من رسوماته التحضيرية، إضافة إلى متعلقاته الشخصية.. ومن ثم افتتح المتحف في 13 يوليو 1968 بحضور وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة، وأعيد تطويره وتجديده في عام 1991، ووصلت مقتنياته إلى 1200 لوحة والعديد من المتعلقات الشخصية للفنان ناجي.

دلالة

بمجرد أن يدخل الزائر إلى المتحف، يتملكه شعور بأنه سيلتقي بالفنان محمد ناجي في داخله، أو سيراه واقفاً جوار أعماله الفنية التي تكسو الجدران وتمنحها مهابة وأناقة وسحراً لا تخطئه العين، يستقبله بحفاوة ويبدأ في إدارة نقاشات معه حول كل لوحة من لوحاته. نعم، فكيف لا يمكننا أن نتصوره يفعل هذا وهو قد قضى فيه آخر أربعة أعوام من حياته استمر خلالها يبدع حتى النفس الأخير.

تقسيم

يضم المتحف 1200 لوحة موزعة على صالتين أساسيتين، الأولى كانت بمثابة المرسم الخاص بالفنان، والثانية استحدثت من قبل وزارة الثقافة لعرض اللوحات، فضلاً عن وجود مكتبة ومخزن يضم بعض الأعمال والمقتنيات.

كذلك يضم المتحف عدداً من مقتنيات محمد ناجي الخاصة مثل: كرسي هزاز كان دائماً ما يجلس عليه، وصندوق خشبي يحتوي بدلاته الرسمية الأنيقة، كذلك «شيفونيرة» عتيقة تعود إلى بدايات القرن العشرين، وهذا لأن محمد ناجي والذي تولى عدداً من المهام والمناصب في الدولة كان شديد التأنق ومعروف عنه وجاهته وهيئته المميزة، التي تتوازى مع ذوقه الفني الرفيع في ما يرسم.

تمتاز القاعة التي شيدتها وزارة الثقافة بمعمار يتلاءم مع ملامح المرسم الخاص بناجي، حيث تحظى بسقف ذي لوحة بيضاء ضخمة أسماها الفنان «جني البلح» وتصور عادات المصريين في قطف ثمار البلح وجمعها، كما تضم القاعة أيضاً لوحة «موسى» التي تكشف تأثر ناجي بقصص القرآن الكريم، حيث جسد بلوحته قصة سيدنا موسى عليه السلام والتقاطه من النهر.. وهي لوحة رسمها الفنان ناجي في 1939م. وفي السياق أيضاً فإن للنيل حضوراً بارزاً في أعمال ناجي، إذ جسد سعادة أبناء الجنوب المصري بالفيضان الذي يعم معه الخير والطمي، كذلك غناء النساء والأطفال بموسم المياه الجديد.

نظرة

تنقسم أعمال ناجي بالمتحف إلى ثلاث مراحل، الأولى وهي رحلته إلى إيطاليا وتأثره بالمدرسة الأكاديمية، حيث إنه في بداية الرحلة اختار المدرسة الإيطالية لتكون طريقه في عالم الفن، في تلك المرحلة قدم ناجي عدداً من الأعمال التي توضح تأثره بالمدرسة التأثيرية، واتخذ منها منفذاً فنياً له، ووظفها مع أعماله بلمسة مصرية خالصة تعكس حياة الفلاحين والعاملين والبسطاء في الريف المصري، حتى تمحورت أعمال ناجي حول حياة المصريين الريفيين، وصور ما بها من وجع وفرح وشجن، ولم يكن تعامل ناجي مع الريف من باب رؤية المستشرق، وإنما كان انخراطاً بصورة أو بأخرى في تلك الحياة بملامحها المتنوعة. وسرعان ما تمرد على المدرسة التأثيرية لاسيما الرسام كلود مونيه.

كما تأثر ناجي بالجداريات القديمة التي تتشابه مع الفن الأول للإنسان على وجه البسيطة، حيث استلهم منها مسحة فريدة لأعماله، فظهرت لوحات ذات طابع جداري طبيعي المنظر، ليركز ناجي على علاقة المكان بالشخوص، لهذا تظهر اللوحات مصرية خالصة بنظرة تأصيلية تاريخية. وحفاظاً على هذا النمط الجداري قدم ناجي عديداً من اللوحات تجسد تصوره الخاص للفن المصري الفرعوني.

أما المرحلة الثانية فتمثلت في رحلته إلى الحبشة، حيث سافر إلى إثيوبيا في بعثة فنية عام 1931م، وجسدت تلك الرحلة تحولاً واضحاً في إحساس ناجي بالألوان والطبيعة، من خلال المناظر الخلابة التي كفلتها الطبيعة الإثيوبية، كما كان له فرصة تصوير عاهل الحبشة آنذاك هيلا سيلاسي، ورجال البلاط ورجال الدين والعديد من الشخصيات الإثيوبية البارزة آنذاك.

وشهدت المرحلة الثالثة تجوال محمد ناجي بالمحافظات المصرية، ويبدو أن أغلب فناني تلك الفترة تأثروا بالداخل المصري على الرغم من دراساتهم الغربية، فلم يكن الغرب هو الأساس في إبداعاتهم، فجاءت الأعمال ذات خصوصية وشاعرية مصرية، نلحظ هذا في لوحة «الرحايا» والتي جسد بها ناجي النساء وهن يطحن الحبوب بجلابيبهن السوداء وملامحهن وألوان بشرتهن التي تعكس ملامح الأرض المصرية، كما عكس مثابرتهن من خلال سيدة تجلس القرفصاء وتقوم بتحريك الرحايا لطحن الحبوب وترتسم على وجهها ابتسامة خفيفة والكحل يحيط بعينها. كذلك لوحة «الطب في الريف» التي صور فيها العادات الطبية العلاجية بالريف وتلاوة القرآن الكريم على الأطفال.

مصر بعيونه

وعن العادات المصرية أيضاً، قدم ناجي لوحات عدة خلال زيارته إلى الأقصر - جنوب مصر، وصور بها عادات النساء بالأفراح وملامح البِشر على وجوههن المصرية الأصيلة، كذلك جسد حزنهن في حالات الوفاة والجنازات، كما رسم عادات المصريين أثناء صيد الحيوانات، ورسم أيضاً الشيخ «عبدالرسول» صاحب الفندق الذي كان يقيم به في الأقصر.

كما قدم ناجي مجموعة من اللوحات تعكس تأثره بمناخ الاستقلال والنهضة الذي صاحب الحركة الوطنية المصرية في العشرينيات من القرن المنصرم، والتي تركت أثراً كبيراً به، من خلال الزعيم الوطني مصطفى كامل.. وكذلك حادثة دنشواي التي هزت مشاعر المصريين ككل والفنانين بصورة خاصة، كما أهداه الزعيم الوطني مصطفى كامل صورة فوتوغرافية بقيت ضمن ممتلكاته حتى اليوم، واستوحى منها ناجي ملامح الأم الروحية لمصطفى كامل وراعية دعوته الوطنية «جوليت آدم»، ويرسمها في لوحة كبيرة تزين متحفه كتحفة فنية حتى اليوم.

عالم خاص

نطلع في المتحف أيضاً، على لمحة وافية تحكي عن حياة ناجي الشخصية، حيث بورتريهات عدة له ولعائلته، فصور عائلته مع الخدم في لوحة زيتية تتوسط المتحف، كما قدم بورتريه لشقيقته الفنانة التشكيلية «عفت ناجي» وهي تحمل قطتها، ولم يغفل أيضاً تقديم ملامح عملية بفرشاته المميزة، فرسم أساتذته ومن أضافوا إليه الكثير في حياته. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أظهر حبه وتقديره لبعض الشخصيات الوطنية، من خلال بورتريهات لهم، مثل: هدى شعراوي وطه حسين وأحمد شوقي وغيرهم. ولم تقف منجزات ناجي عند حد متحفه فحسب، فهناك جدارية كبيرة تستقر في مستشفى المواساة بالإسكندرية وتتلاءم مع طابع المستشفى، حيث يقدم بها قيمة ومضمون الطب عند العرب والقدماء المصريين، كذلك لوحته عن نهضة مصر في مبنى البرلمان المصري، والموضوعة هناك منذ عام 1922 وحتى اللحظة.

مبدع زاوج بذكاء بين القانون والتشكيل

يعد محمد ناجي من أهم الرواد في الفن التشكيلي المصري، ويمكن تصنيفه بأنه ينتمي إلى الفنانين المصريين الأوائل والجيل الأول الذي وضع اللبنات الأولى في مفهوم الفن التشكيلي المصري، فهو المولود في حي محرم بك بالإسكندرية عام 1888، وبدأ حياته الفنية مبكراً مع نهاية دراسته الثانوية، حيث بدأ دراسة فن التصوير بمرسم الفنان الإيطالي بياتولي بالإسكندرية، وذلك في عام 1906، وتواكبت دراسته للفن والقانون بالتوازي، حيث أشبع رغبته في دراسة الفن وسافر إلى إيطاليا ودرس الرسم في أكاديمية الفنون في فلورانسا، وذلك عقب دراسته للقانون في جامعة ليون في فرنسا، وفور عودته من إيطاليا عمل مع الرسام الفرنسي أندرية لوت.

موقع المتحف يحول دون الإقبال الجيد عليه

يبدو أن موقع المتحف الحالي، بات يشكل بالنسبة لزواره، أزمة نوعاً ما. وذلك على الرغم من كونه جيداً واختاره الفنان بنفسه قبل رحيله بستة أعوام، إلا أن اختيار الفنان الموقع في مكان ناءٍ لينعم بالهدوء والسكينة في مرسمه الذي تحول لاحقاً إلى متحف، بات يشكل عقبة للجمهور الذي يجد صعوبة في التردد على مكان على أطراف المدينة، ومن ثم لا يتردد على المتحف إلا فئة المثقفين وعاشقي الفن التشكيلي وطلبة الفنون الجميلة، بينما الجمهور العادي يجد صعوبة في ذلك. وهو ما يرى بعض المتخصصين أنه يحتاج كبير الجهد والتخطيط المتقن والدقيق، الذي يوفر القدرة على تجاوز تلك الصعوبات، بحيث تبقى قيمة المتحف وقيمة صاحبه، ماثلة وشاخصة تنتقل إلى الأجيال الجديدة، لتحكي سيرة إحدى القامات المصري.

وفاء للتراث وتفاعل مع مدارس الحداثة الفنية

أغنى محمد ناجي حركة الفن المصري والعربي عامة، بإبداعات شكلت نقطة مفصلية في هذا الحقل . إذ لم يتخلف عن محاكاة كل جديد في الفن والتشكيل، على صعيد العالم، وبذا لم يجعل حواجز بينه وبين الحداثة بمختلف مدارسها الفنية. إلا أنه، وفي الوقت نفسه، رفض أن يكون هذا التوجه والخيار الفني الذي تبناه مبررا ومسوغا لكي يتناسى مفردات بيئته ومجتمعه في تجسيدات إبداعه، لذا بقي وفيا للتراث المصري والعربي، واستمر يعكس أقانيمه ومضامينه بصورة خلاقة حبلى بالعبر والدلالات التي تحكي قيمة فنوننا العربية ومكانة تراثنا.

ويرى كثير من النقاد في المجال، أن محمد ناجي كان مجددا لكنه لم يهجر الكلاسيكية ولم يتخل عن مكونات موروثه الاجتماعي ليعكسها في لوحاته وأعماله المتنوعة. وهكذا فإنه بات يعد نموذج الفنان الوفي لثقافته والمتمسك بالاصالة، ذلك بموازاة الاخذ بسياقات التجديد الفني الابداعي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات