الرواية المصرية..سرديات تحاصرها تهم فقر الخيال

مكتبات صور ارشيفية (1)

يمر المشهد الروائي في مصر بتحولات عديدة بين الحين والآخر، من حيث بروز ظواهر روائية جديدة في المشهد الأدبي وتصعيد اتجاهات روائية تتصدر المشهد، كما نجد في المقابل اتجاهات أخرى تتنحى، بينما تتجاور أشكال روائية أخرى جنباً إلى جنب؛ لتخلق في النهاية حالة من الثراء الروائي، الذي بدوره يُغني الحالة الأدبية.

وقد عكست السنوات الأدبية الأخيرة حالة من الزخم الروائي وصعود أجيال جديدة من الكُتّاب وبروز اتجاهات مختلفة عن ذي قبل، وهو ما يستدعي عدداً من التساؤلات إلى الذهن؛ منها: كيف يمكن متابعة المشهد الروائي في مصر حالياً؟ وما الاتجاهات الروائية المتسيدة؟ وما أبرز الظواهر الجديدة التي طغت على المشهد الروائي؟

«بيان الكتب» يناقش هذه القضية، راصداً آراء مجموعة متخصصين.

في البداية، يقول الناقد الأدبي الدكتور حسين حمودة: أتصور أن الرواية المصرية الآن، تمثل جزءاً أساسياً من المشهد الروائي العربي الكبير، وهو مشهد مزدهر على مستويات عديدة؛ وهذا يعني أن خريطة الرواية العربية لم تعد كما كانت منذ عقود، فيها مراكز مهمة، متمثلة في هذا البلد أو ذاك، وفيها مناطق أحراش خالية من الإبداع الروائي.

وأضاف: إذا قصرنا الحديث عن الرواية في مصر فسنلاحظ أن هذه الرواية قد شهدت في السنوات الأخيرة ملامح جديدة؛ منها اتساع عدد الكُتّاب والكاتبات، فضلاً عن ازدياد عدد الروايات المنشورة بشكل لافت. وإذا كانت هناك ملاحظات على جزء من هذا النتاج الوفير فالمؤكد أن جزءاً كبيراً آخر منه يحمل قيمة حقيقية.

مغامرات

ويتابع حمودة: يرتبط بذلك أن هذا النتاج أصبح يشارك فيه مبدعون ومبدعات من أعمار مختلفة ومن منطلقات متباينة، وطبعا من رؤى متنوعة، فضلا عن أن هؤلاء يقدمون في رواياتهم مغامرات فنية متعددة، وأتصور أن «الجرأة» أصبحت معلما من معالم الرواية المصرية بوجه خاص.

وأوضح الناقد الأدبي، أن الرواية المصرية تشهد الآن ظواهر لم تكن قائمة في تاريخها أو زمن الكُتّاب الكبار المستقرين؛ ومن هذه الظواهر: الرواية الرائدة أو «البيست سيلر»، والنشر الإلكتروني.. وغيرهما. وإذا كانت لهذه الظواهر أبعاد سلبية في نظر البعض فإن لها أبعادا أخرى إيجابية؛ فبجانب ما تقود إليه من تزايد تجرؤ بعض الكُتّاب، وربما غرورهم، فإنها أيضًا تسهم في توسيع دائرة القراءة.

وأضاف حمودة: غياب الأسماء التي كانت «كبيرة» في حركة الرواية المصرية، أغلبها بالرحيل، أدى إلى وجود ظاهرة جديدة هي ظاهرة «الثريا»، أو مجموعة النجوم المتجاورة متكافئة البريق؛ فلم يعد هناك نجم أوحد أو أكبر، وإنما أصبحت هناك نجوم كثيرة تولد معا.

وأشار حمودة إلى أن الرواية المصرية، وربما الرواية العربية كلها، تفتقد الآن الجهد النقدي القادر على المتابعة والغربلة والتقييم؛ وهذا الغياب النقدي نقل المهمة -وربما العبء- إلى القراء أنفسهم، بحيث بات عليهم تحمل مسؤوليات أخرى غير القراءة، مثل مسؤولية الاستكشاف أو الاختيار أو التمييز.

استمرار

وأكد الروائي محمود الورداني أن أهم الظواهر الحديثة التي طرأت على الرواية المصرية، عشية الألفية الجديدة وما بعدها، أن كل الاتجاهات والتيارات الأدبية متجاورة وليس هناك اتجاه أدبي واحد ينفرد بالساحة الأدبية، وهذا ما يعكس حيوية المشهد الروائي. وبين أن الملمح الثاني للرواية هو تميزها بأن لها تراثا ممتدا تمتزج به ويمنحها التجديد والتطوير.

واستطرد: نلاحظ أن الرواية حاليا لا تستطيع تجاهل الواقع على المستويات السياسية والاجتماعية كافة؛ فنجدها متطورة في الشأن السياسي بقوة، وهو ملمح أساسي موجود فيها.

وأوضح الورداني أن الملمح الآخر هو استمرار الأجيال، فالأجيال الجديدة تستكمل المسيرة؛ بل إنها تثور وتحطم ما سبقها، وسنجد أنها أيضا، ورغم ذلك، ليست قاصرة على جيل بعينه يمكننا القول إنه تسيد الساحة الأدبية؛ بل إن الأجيال السابقة ما زالت تكتب وتنتج أعمالا جيدة، مثل: الروائي إبراهيم عبدالمجيد وهو من جيل السبعينيات من القرن الـ20، وهو ما يؤكد أن الحركة الروائية خصبة ومستمرة ولم ولن تتوقف.

تيارات

قالت الناقدة الدكتورة أماني فؤاد إن المشهد الروائي يضم التيارات السردية كافة وهي تتجاور معا؛ سواء الكلاسيكية أو الرومانسية أو أعمال ما بعد الحداثة، مثل الفانتازيا والواقعية السحرية والغرائبيات، ولذلك لا نستطيع الجزم بتصدر تيار معين أو بتفوقه على الآخر؛ لكن الأمر يتوقف على معالجة الكاتب لفنيات الكتابة.

وأضافت: نجد مثلا، أعمالا روائية تُعنى بالتجريب وخلق عوالم جديدة وعوالم موازية للواقع وليست مجرد محاكاة له، ونجد أن تيار الفانتازيا مبشر جدا بأعمال جيدة، وبالنظر إلى كُتاب جيل التسعينيات من القرن الـ20، أو أجيال القرن الواحد والعشرين، نجد أن أقلامهم مبشرة وجيدة، وننتظر منها تشكيل ظواهر أدبية جديدة.

ولفتت صاحبة كتاب «الرواية وتحرير المجتمع»، إلى أنه، وبجانب هذا، نجد أعمالا سيئة؛ فإذا تحدثنا عن الأجيال الجديدة من الكُتّاب الذين تدخل أعمالهم ضمن تصنيف «البيست سيلر»، نرى إنتاجهم يفتقر إلى كثير من الخبرات، كونه يعالج أمورا حياتية ويومية مشوقة، لكنه لا يقدم عناية وافرة بتقنيات السرد، إضافة إلى قيمته الفكرية الفقيرة.

وحول ظاهرة «البيست سيلر»، قالت: إنها إحدى الظواهر الجديدة في المشهد الروائي، لكنها ليست خطيرة كما يعتقد البعض؛ لأن الإيجابي في هذه الظاهرة أنها رسخت فكرة القراءة لدى فئة لم تكن تقرأ، ولذلك مع الوقت ستكون لديها القدرة على تمييز الجيد من السيئ.

وبينت فؤاد أن المشهد المصري غني وأصواته متنوعة، بحكم المساحة الكبيرة التي تخلق عادات وتقاليد مختلفة؛ وهو الأمر القادر على توفير تنوع الإنتاج الروائي، مشيرة إلى انتعاشة روائية في بلاد المغرب العربي وفلسطين، إضافة إلى الزخم الروائي في لبنان؛ ما يضع مصر في منافسة حتمية محمومة.

سيطرة الكم

علّق الناقد الدكتور شاكر عبدالحميد على المشهد الروائي المصري: يشهد حضور ظاهرة الكم وليس الكيف، فهناك غزارة شديدة في الإنتاج من قبل شباب الروائيين أو الجيل الجديد الذي تصنف رواياته ضمن الـ«بيست سيلر».

وغالبا ما تكون العمل الروائي الأول لهم؛ ما يجعل هذا الكم الكبير من الإنتاج خاليا من الإبداع وتقنيات السرد ويتمتع بفقر الخيال، في حين أن الأعمال الروائية الحقيقية قليلة تكاد تختفي وسط الأعمال الرديئة.

طرق جديدة

وكان الناقد الدكتور محمود الضبع، أوضح في تقرير نشره، حول حالة الأدب في مصر هذا العام، أنه تتنوع اتجاهات الكتابة السردية في مصر الآن تنوعا كبيرا.

حيث يمكن التمييز بين هذه الاتجاهات، وتجاور هذه الاتجاهات جميعا دون أن يهدم بعضها الآخر، فما زال الإنتاج مستمرا في كتابات أعلام الجيل الذي واصل المسيرة بعد نجيب محفوظ، الذي مثل اتجاهات متنوعة وتطورية في الكتابة السردية حتى المرحلة الراهنة التي تشهد الاتجاه نحو الرواية الجديدة وحداثة السرد.

وتابع الضبع: ان قراءة المنجز السردي الحداثي الحامل لبذور الاختلاف، تشير إلى أن الكتابة السردية الجديدة في مصر قد أسست لعدد من الملامح والتقنيات التي تميزها عن سواها من طرائق وأساليب الكتابة الروائية التي كانت سائدة؛ منها تقنيات اللغة والموضوع والوعي والشخصية والبناء المعماري والبناء الزمني والراوي وحضوره والحكاية وطرائق الحكي والغاية والهدف.

واقع جديد

ومن وجهة نظر الناقد الأدبي الدكتور شريف الجيار، فإن المشهد الروائي في مصر، يمثل الآن ملمحا بارزا وانعكاسا واضحا لواقعنا المعاش ولواقع الأجيال الجديدة في مصر والعالم العربي؛ إذ هناك العديد من الروايات التي تؤكد مفاهيم الجيل الجديد، منها: أن الخطاب الروائي الآن متفاعل مع آليات الواقع الجديد.

وأضاف الجيار: أهم ملامح المشهد الروائي المصري حاليا وجود عدد من الأسماء الروائية الواضحة، مثل: أحمد مراد ومحمد صادق وغيرهما؛ ما يعرف بكتابات الجيل الجديد التي تأخذ من الميديا والثورة المعلوماتية والسينمائية في الكتابة والبنية البصرية مقومات لبنية روائية تأتي مناسبة للجيل الجديد.

لذا نجد هذه الأسماء وغيرها من الأسماء الأخرى اللافتة للنظر مثل محمد الفخراني وأدهم العبودي، تأخذنا إلى ما يعرف بكتابة المهمشين، الذين لم يجدوا حظا في الحياة، فنجد أن أعمال مثل هؤلاء تؤكد وتكشف العديد من المشكلات التي تجعل المسؤول يوجه اهتمامه إليها لحلها على صعيد الواقع.

واستطرد الجيار: بالتالي، نلحظ أن الكتابة أصبحت أكثر ملامسة لمشكلات ما بعد ثورتي يناير ويونيو، بفعل كتابات ترصد وتحلم بمستقبل جديد، وأعتقد أن هذه الكتابات نسميها «كتابات متحدية»؛ متحدية للأمية والأصولية الرجعية وكل ما يعيق التفكير، والحلم لجيل ساهم بشكل واضح في تغيير كبير على الأرض.

وأوضح الجيار أن أهم ملامح المشهد الروائي أنه على الصعيد الفني أصبح النص الروائي الآن متفاعلا مع مستحدثات العصر؛ فأصبح النص متداخلا مع السيناريو والسينما والفنون البصرية والتشكيلية، يستعين بكل هذا حتى يقدم نصاً يحاول أن يستشرف معه الكاتب ما سيحدث في المستقبل القريب.

وأردف: لا يمكن أن يفوتنا جيل الأساتذة الذين ما زالوا في حالة استمرار إبداعي حتى هذه اللحظة، مثل: إبراهيم عبدالمجيد وبهاء طاهر وغيرهما من الكتاب الذين أسسوا لخطاب روائي مصري عربي يناقش مشكلات الواقع ويطمح إلى تطويره.

وبالتالي أسسوا لجيل جديد اختار لنفسه -إلى جانب مفهومه للكتابات السابقة- طريقا يتفاعل مع التكنولوجيا ويتفاعل مع الثورة المعلوماتية الجديدة التي تساعده بشكل كبير في الوصول إلى الشهرة وإلى قطاع كبير من الشباب؛ وهو ما أدى إلى أن تحولت بعض هذه الكتابات الجيدة إلى أفلام سينمائية كان لها حظ في الانتشار؛ سواء اتفقنا معها نقدياً أو اختلفنا.

ظواهر

في الفترة الأخيرة من عمر الرواية المصرية برزت بعض الظواهر الجديدة عليها؛ من بينها كثرة الإنتاج الروائي من قبل فئة الشباب، وهي روايات حققت نجاحاً كبيراً على مستوى القراءة، حتى أطلق عليها روايات «البيست سيلر» أو «الأكثر مبيعاً»، في حين أن النقاد لا يصنفونها على أنها أدب حقيقي؛ بل يعتبرونها روايات ستأخذ وقتها ثم تنتهي إلى لا شيء، وسيبقى العمل الجيد هو الذي يخلد اسم صاحبه.

 

مرحلة ازدهار غير مسبوقة وجمهور غالبيته من الشباب

الرواية في تعريفها هي قصة طويلة، أو «تجربة أدبية تُصوّر بالنثر حياة مجموعة من الشخصيات تتفاعل مجتمعة لتؤلف إطار عالم متخيل، غير أنّ هذا العالم المتخيل الذي شكّله الكاتب ينبغي أن يكون قريباً من ما يحدث في الواقع الذي يعيش فيه؛ أي انّ حياة الشخصيات في الرواية يجب أن تكون ممكنة الحدوث في واقع الكاتب».

ولافت هنا ما يقوله الروائي بهاء طاهر، على صعيد الرواية العربية: «رأيي أن الرواية المصرية والعربية الآن تمر بمرحلة ازدهار غير مسبوقة من أجيال مختلفة؛ خاصة الشباب في مطلع العشرينيات من العمر، الذين يقدمون إسهاما مدهشا».

صنف إبداعي برز في أوروبا ممتزجاً بفنون السيرة والتأريخ

أصبحت الرواية شكلاً ثابتاً من أشكال الأدب في القرن الثامن عشر الميلادي في إنجلترا، غير أن جذورها تمتد إلى الأدبين الإغريقي والروماني القديمين، وتمتزج في الأدب الروائي بما فيه من خيال بعض سمات الأدب غير الروائي، كالتأريخ والسيرة الذاتية؛ لكن الرواية تختلف عن هذه الفنون غير الروائية بملامح فنية خاصة بها، كالحبكة والموضوع وتقنيات القصّ.

كما اشتهرت في أوروبا قصص الفروسية الخيالية التي تتحدّث عن الحب والمغامرة في أواخر القرون الوسطى.

وكان معظمها يدور حول ملك إنجلترا الأسطوري الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة، وفي الأعمال السردية الإسبانية تحلُّ المدنية محل الغابات والقلاع. ويعتقد بعض النقاد أن أول رواية بالمعنى الحديث هي رائعة ميجل دي سرفانتس «دون كيشوت».

 

شاكر عبدالحميد: المشهد الروائي يشهد سيطرة الكمّ وغياب الكيف

أماني فؤاد: انتعاش الرواية في الدول العربية يفرض منافسة محمومة

حسين حمودة: «الجرأة» أصبحت معلماً أساسياً لهذا الفن في المحروسة

شريف الجيار: السرد أصبح متفاعلاً مع الحداثة والفنون البصرية

محمود الورداني: استمرار الأجيال وتجاورها أهم ملامحها

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات