الكتابة المشتركة.. زيجات أدبية في ميزان السلب والإيجاب

صورة

المغامرات الأدبية ليست لها حدود، ولا تنتهي، ولعل الكتابة المشتركة هي إحدى هذه المغامرات؛ كان أبرزها تجربة الراحلين عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في روايتهما المشتركة «عالم بلا خرائط»، وهي التجربة الأكثر جمالاً في تاريخ الكتابة الروائية المشتركة؛ حيث تضافرت تجربتهما وموهبتهما لترسم عالماً روائياً متخيلاً بالكامل.

ولكنه كان عالماً ثرياً وفريداً مشحوناً بإسقاطات سياسية وفنية تجعله في قلب العصر. إلا أنها لم تكن التجربة الأولى الواضحة؛ بل سبقتها في الخمسينيات من القرن الفائت الرواية المسرحية «القصر المسحور» التي اشترك في كتابتها قمّتا الأدب والثقافة، طه حسين وتوفيق الحكيم معاً ليقدما من خلالها عالماً سحرياً لا يقل عن عالم ألف ليلة وليلة.

أنا الآخر

تتابعت بعد سنوات طويلة من كتابة «القصر المسحور»، الكتابات الأدبية المشتركة في كثير من البلاد العربية، خاصة في السنوات الأخيرة، ونذكر مثلاً أن آخر هذه التجارب الرواية المقرر صدورها خلال الفترة القصيرة المقبلة وتحمل عنوان «أنا الآخر»، وهي تعاون مشترك بين محمد سيف الأفخم مدير عام هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بدولة الإمارات، والكاتبة اللبنانية سونيا بوماد.

ذلك بعد أن طرح الأفخم عليها الفكرة.. وبالفعل تحمست إليها الكاتبة سونيا بوماد وشرعت في الكتابة؛ لينتهي الأمر في النهاية إلى رواية تحمل عنوان «أنا الآخر» وغلاف يجمع بين الاسمين محمد الأفخم وسونيا بوماد. ورغم أنها لم تصدر بعد، إلا أنها لاقت ترحيباً من قبل المهتمين بالشأن الأدبي، ونشأ لديهم شغف الاطلاع على تجربة جديدة من هذا النوع.

تنامٍ

وبين روايتي «القصر المسحور» و«أنا الآخر» يمكننا رصد العديد من الأعمال الأدبية المشتركة التي نُشرت في السنوات الأخيرة، ففي مصر مثلاً نذكر رواية «العالم على جسدي» الصادرة منذ عامين للثنائي يوسف نبيل وزينب محمد، في تأليف مشترك متداخل يعبر عن حالة واحدة، ولم تكن هذه تجربتهما الأولى المشتركة؛ بل سبق لهما وأصدرا رواية «في مقام العشق».

وفي لبنان، نُشرت أعمال عدة بتوقيع مشترك، منها «ربيع المطلقات» لنزار دندش ونضال الأميوني، و«يوميات آدم وحواء» لنزار دندش ونرمين الخنسا، و«ملك اللوتو» لجهاد بزي وبشير عزام. وفي سوريا نشر عامر الدبك وبهيجة مصري إدلبي روايتهما «ألواح من ذاكرة النسيان»، وخطيب بدلة وإياد محفوظ في كتاب «المستطرف الليلكي»، وعبد اللطيف الحسيني وغسان جانكير مؤلفهما «في رثاء عامودا».

ومن هذا المنطلق، يعتبر بعض النقاد أن الكتابة المشتركة ذوبان أو انصهار فكري بين اثنين ينتج عنه زيجات أدبية تمثل حالات فريدة في النتاج الأدبي، بينما يرى آخرون أن هذه الحالات الأدبية تخرج مشوهة وغير متجانسة؛ نظراً لكونها «تُكتب من قلمين مختلفين».

شروط

يقول الروائي السوداني أمير تاج السر: هذا النوع من الكتابة ليس جديداً، سواء في الغرب أو عندنا في العالم العربي، وكثيراً ما قرأنا تجارب لكتاب اشتركوا معاً في كتاب؛ مثل أن يقوم كاتب وزوجته الكاتبة بالاشتراك في عمل روائي، وهناك رواية أوروبية كتبها 28 مؤلفاً، وأظنها رواية «ضد الحرب» حسبما أذكر.

وتوجد في العربية تجربة «عالم بلا خرائط» لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف. فهذا النوع من الكتابة في رأيي ينبغي أن يحدث بشروط، وبينها: أن يكون الكُتّاب المشتركون في العمل من مدرسة الكتابة نفسها ولديهم بصمات قريبة لبعضهم البعض.

ويختتم تاج السر حديثه قائلاً: بالنسبة إليّ شخصياً، أفضل أن يكتب كل شخص نصه الخاص ولا تحدث كتابة مشتركة؛ الأمر يختلف كثيراً عن تجربة المجاميع الغنائية أو الغناء المشترك التي يعطي كل صوت فيها حلاوة خاصة، فاختلاف الأصوات في الكتابة نشاز كبير ومدعاة لسقوط النص الإبداعي.

توقيع منفرد

أما الروائية سهير المصادفة، فتلخص رأيها: صعبٌ جدّاً تأليف الرواية تأليفاً مشتركاً، فالرواية تشبه كثيراً تشييد بناء هندسي متفرد ونادر في الزمان والمكان، ينطلق الروائي أثناء كتابته من مشاعره وخبراته الحياتية وسياقاته الثقافية وفلسفته إزاء الكون وتركيبته النفسية وتفاصيل جغرافيا مكانية وزمانية تخصه وحده، ينطلق الروائي من كل ذلك وأكثر ليخلق عالماً يتوقف نجاحه واكتماله على أن يكون بتوقيعه المنفرد.

وأما بالنسبة إليها في شأن هذه المسألة، فتقول: على الرغم من معرفتي بصعوبة الأمر، ما زلت أتمنى خوض هذه التجربة، وتحديداً مع روائي؛ وبالتأكيد سيكون تجديداً غير مسبوق نشرْ رواية بقلم روائية وروائي.

فروق فردية

رأى الكاتب والروائي زين عبد الهادي في القضية موضوع النقاش أن: الكتابة المشتركة ربما تكون نادرة على المستوى العالمي وليس على المستوى العربي فقط؛ ببساطة لأنها تحتاج وحدة فكرية في العمل، ومن الصعب للغاية أن يعمل اثنان على عمل واحد؛ لأن طريقة الإبداع وكيفية عمل العقل الإبداعي أمر يختلف من شخص لآخر حتى لو كانا يتناولان الفكرة نفسها.

هذا إذا نظرنا جيداً في نظرية الفروق الفردية في علم النفس، وكذلك ما يتعلق بنظريات الإبداع والخيال وكيف يعمل، سنجد أن جسد العمل لن يكون متسقاً إلى حد كبير.

إلا أنه رغم ذلك يمكن في لحظة نادرة أن يحدث هذا التمازج والائتلاف بين الكاتبين، الذي يمكنهما من أن يقدما لنا عملاً إبداعياً ذا شكل مختلف، فيقرأ القارئ عقلين يجاهدان في سبيل أن يعملا كعقل واحد، وعادة ما يكون الأمر بتناول صديقين حميمين رجلين، أو تناول أنثوي وذكوري للعمل؛ فيكتب كل من وجهة نظره، وأعتقد أن هناك البعض ممن خاض هذه التجربة.

ويردف: أتوقف هنا أمام رواية تتميز بالحداثة لنرمين الخنسا ونزار دندش في روايتهما المشتركة «يوميات آدم وحواء»، حيث قام نزار بدور آدم، فيما قامت نرمين بكتابة النص الخاص بحواء، وأعتقد أنها كانت تجربة مثيرة على أية حال، وربما يمكن الإفادة منها كثيراً كنقطة مهمة في أداء الرواية العربية.

وينهي عبد الهادي رأيه: بشكل عام، الكتابة المشتركة ليست أمراً جديداً على مستوى العالم أو على مستوى العالم العربي أو حتى على المستوى المحلي.

وأظن أنه مع وجود علاقات جيدة بين الكتاب من المثقفين وتفهمهم لإمكاناتهم الإبداعية يمكن لمثل هذه الأعمال أن تصل إلى مراتب إبداعية عالية إنْ أحسن اختيار الموضوع، واختيار الشخصيات وتمازج قدرات الكاتبين واستطاعتهما توفير أبعاد إبداعية جديدة وإضافية للعمل، وأيضاً توفير تعددية أصوات ثقافية في العمل الواحد.

مشروع أدبي خاص

يعبّر الكاتب والشاعر يوسف أبو لوز رئيس القسم الثقافي في جريدة الخليج بدولة الإمارات العربية المتحدة، عن وجهة نظره في الكتابة الروائية المشتركة: تجربة الكتابة المشتركة ليست ظاهرة أدبية في العالم العربي، كما أنها لا تشغل بال الكثير من الكُتّاب؛ لأن كل كاتب يفضل أن يكون له عمله الخاص الذي يدل عليه ويحمل سماته وشخصيته وهواجسه الداخلية.

ولذلك من الصعب أن يلتقي اثنان من الكتّاب على هواجس واحدة أو على طبيعة إبداعية واحدة، وإن حدث مثل هذا الالتقاء فإنه استثنائي وشديد الخصوصية، كما الحال في رواية «عالم بلا خرائط» التي كتبها معاً: عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا.

ظاهرة أدبية عرفتها الأوساط الثقافية العربية منذ الجاهلية

الكتابات الأدبية المشتركة ليست وليدة العصر الحديث، فمن يتتبع التراث العربي يجد فيه كتابات مشتركة، كتلك التي ظهرت في عصور التدوين الأولى مثل قصائد الشعراء الجاهليين، وفي القرن الرابع الهجري كتب إخوان الصفا رسائلهم المعروفة برسائل «إخوان الصفا وخلان الوفا» التي بلغت الخمسين في عددها.

هذا بالإضافة إلى الأساطير والملاحم اليونانية كالإلياذة والأوديسة.. وغيرهما مما يرويه الناس ويتناوبون في الإضافة عليهما، جيلاً بعد جيل، إلى أن تهيأ لشاعر مثل هوميروس أن يدونها.

وفي الصدد، يعتبر الكاتب سمير الضامر أن الأساطير والخرافات والأمثال الشعبية من النصوص التي لم يكتبها كاتب واحد، بل صاغها ضمير جمعي ممتد في الزمان والمكان.

هي من هذا النوع، وكذلك الكتابة المشتركة التي انطلقت عبر الحركة السريالية حين اعتمد الشاعران أندريه بروتون وفيليب سوبو التأليف المشترك ووضعا كتابهما الشهير «الحقول المغناطيسية». كما يشير الضامر إلى أن صاحب «قصة الحضارة» ذكر أن أقدم الروايات الصينية «شوي هو جوان» أو قصة «حواشي الماء»، ألفها رهط من الكتاب في القرن الرابع.

«في رثاء عامودا».. رنين وسؤال مستفز

تطرق الروائي عبد اللطيف الحسيني، سابقاً، إلى تجربته مع الروائي غسان جانكير في روايتهما «في رثاء عامودا»: إن الكتابة المشتركة ذات رنين خاص وسؤال مستفز هو: كيف يمكن دمج أسلوبين وفكرين في شخصين سيصبحان واحداً بعد الانتهاء من المقال المشترك أو الكتاب المشترك؟

ويرى أنهما في هذه الرواية، كانا يستنطقان المدينة السورية «عامودا» بعدما سكتت أو جرى إسكات صوتها، ويستدرجانها لتكون معهما طوال فترة الكتابة عنها، ومن ثم كل واحد منهما ينزوي في ركن ما بعدما جمعا ذخراً مشتركاً من تبادل الفكرة والمعلومة الواحدة لديهما، ليكتبا ويجمعا ما كتباه لاحقاً ويوحدا الرؤية والأسلوب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات