«ميريت» للنشر احتضان الإبداع الطليعي

صورة

«دار نشر مصرية تعنى برفع سقف حرية الفكر والتعبير». تحت هذا الشعار انطلقت دار ميريت في عام 1998 لتشكل حاضنة لأعمال شباب المبدعين، جنباً إلى جنب مع كبارهم، وذلك في مبادرة فريدة من مؤسسها محمد هاشم، الذي ركز على احتضان عدد كبير من الرموز الثقافية وفق خطوط عريضة ترسخ مفاهيم العقلانية وحرية الرأي والفكر والإبداع، من خلال إصدار كتب وتنظيم ندوات ومناقشات ثرية..متسلحاً بإيمانه أن التصدي للرقابة على العقل بأشكالها كافة، واجب مقدس.

منذ اليوم الأول لانطلاقها، وضعت «الدار» في صدارة اهتماماتها تبني الإبداع الطليعي، لذا لم يكن غريبا أن يتصدر أهم الكتاب الذين تنشر الدار أعمالهم: علاء الأسواني وميرال الطحاوي ومنتصر القفاش وحمدي أبو جليل وإيمان مرسال وياسر عبداللطيف وأحمد العايدي وحامد عبدالصمد.. إضافة إلى العديد من الشعراء الشباب، ومنهم: مصطفى إبراهيم.

كما اتخذت الدار اسم الملكة الفرعونية ميريت زوجة اخناتون وأم خوفو، وفي الوقت نفسه اختارت لوغو يحمل صورتها إلى جانب اسم الدار، وغدت مكتبة ودار ميريت التي تعني «المحبوبة»، المكتبة المحبوبة لدى القراء والكتاب، حيث يلجأ إليها كثيرون من أجل الشراء أو المشاركة في النشر غاية أن يصبحوا أحد رجالها.

بداية بسيطة

يوضح الناشر محمد هاشم أنه قبل تأسيس الدار عمل فترة في «دار مصر المحروسة»، وكانت تجربة مميزة ساهمت في أن يتخذ قراراً جريئاً بتأسيس مشروعه الخاص تحت اسم «ميريت».

ويلفت إلى أن البداية كانت بسيطة نسبياً، واقتصر النشر خلال العام الأول على خمسة كتب فقط، إلا أنه ومساعدوه في الدار استطاعوا التغلب على صعوبات البداية تدريجياً خلال السنوات التالية، حيث تقوم الدار حاليا بنشر عشرات الكتب في مختلف الفروع في العام الواحد، وصار هناك الآلاف من المهتمين بإصداراتها، والذين يحرصون على متابعة ما تنشره باستمرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال وسائل النشر التقليدية.

عقلانية وإبداع حر

يشرح هاشم ماهية عمل الدار، مشيرا إلى أن آليات اشتغالها تقوم على العديد من المحاور والأهداف المهمة، منها: ترسيخ المفاهيم الركيزية كالعقلانية وحرية الرأي والفكر والإبداع، كما وضعت الدار هدفا آخر، حسب قوله، لا تحيد عنه، وهو بناء أنواع جديدة من الإبداع والتميز، لاسيما الطليعي، وهو ما نجحت في تحقيقه بالفعل من خلال مساعدة مجموعة كبيرة من الإبداعات الشبابية المتميزة، والتي صار أصحابها فيما بعد من أهم الكتاب على الساحة المعاصرة.

ويشير مالك الدار إلى أنها استطاعت خلال مسيرتها القصيرة التعاون مع كتاب كبار، وأصدرت عديدا من الأعمال المتميزة التي أضحت بصمات واضحة على رفوف المكتبات المصرية والعربية، إذ نشرت لعلاء الأسواني طبعات عديدة من رواية «عمارة يعقوبيان» التي كانت سببًا في تألق اسم الأسواني ونجاحه، أيضا ميرال الطحاوي التي أصدرت مع الدار «بروكلين هايتس»، ومنتصر القفاش وحمدي أبو جليل الحائز على جائزة نجيب محفوظ عام 2008 عن رواية «الفاعل».

علاوة على: أحمد العايدي مؤلف رواية «أن تكون عباس العبد» التي ساهمت ميريت في ظهورها إلى النور، أحمد خالد توفيق الذي صدرت له «يوتوبيا»، منصورة عزالدين التي سبق وفازت بجائزة أحسن رواية عربية في مهرجان الشارقة..إذ نشرت لها «ميريت» رواية «متاهة مريم» عام 2004 ولاقت احتفاء نقدياً وجماهيرياً.

وهناك أيضا العديد من الأعمال لإيمان مرسال وياسر عبداللطيف وحامد عبدالصمد. ومن الشعراء الشباب: مصطفى إبراهيم الذي نشر ديوانه الشعري الأول بصحبة ميريت «ويسترن يونيون فرع الهرم».

مكتبة الشباب

خلافًا لكثير من دور النشر التي تفضل التعامل مع الأسماء الكبيرة التي تضمن التوزيع لأعمالها، استطاعت دار ميريت أن تحفر لنفسها مكانة واسماً بارزين رسخا في عقول وقلوب القراء، وهذا طبعا من خلال تبنيها للقيمة الإبداعية بغض النظر عن سن كاتب العمل.

ويحكي الناشر محمد هاشم في الخصوص: دور النشر التقليدية والعتيقة تفضل دائما أن تنشر لأسماء معروفة من أجل ضمان المبيعات، وهو الأمر الذي خالفته ميريت باحتضان إبداعات الشباب. إنهم الفئة التي تملك زمام المستقبل ولديها الكثير من الأفكار التجديدية والطليعية، والتي تناسب جيل اليوم المتعطش لقراءة ما يعبر عنه وليس ما يعبر عن أجيال سابقة.

ويؤكد هاشم أن كثيرا من كتاب ميريت الشباب وثقوا في الدار والتفوا حولها لما وجدوه منها من دعم ومؤازرة لإبداعاتهم وأفكارهم، وعدم فرض أية وصاية على أفكارهم.

معيار مختلف

يعد المعيار الخاص لنشر الأعمال في ميريت، كما يشدد القائمون عليها، مختلفا بشكل كبير عن الحال لدى بقية دور النشر، حيث يبين هاشم أن نحو تسعين بالمائة من الأعمال التي تنشرها هي أعمال ترفضها دور النشر الأخرى، ويلفت في الصدد إلى أن الدار لها سقف عالٍ من الحرية تمنحه للكاتب، وهو ما جعلها تصطدم بشكل كبير بتابوهات «الدين والجنس والسياسة» التي تلتزمها وتضعها جهات ثقافية كثيرة، لينشر الكتاب بذاته حتى لو تعارض مع أفكار لجنة تقييم الأعمال.

ويتابع: المعيار الوحيد الذي تضعه الدار إزاء النشر هو إبداع وجماليات الكتابة، ورفض الدار نشر عمل ما لا يحدث إلا لضحالة قيمته الفكرية والأدبية، الأمر الذي يعني أن الكتاب بمجمله ضعيف فنياً ولا يرتقي إلى المستوى المطلوب.

انتقالات

لكن، من الأمور التي أثارت وتثير حزنا لدى مالك الدار، أنه رغم دعمه المطلق لكتاب مغمورين ممن يتمتعون بالموهبة، وتحمله تكلفة طبع ونشر وتوزيع أعمالهم حتى صاروا مشهورين، وإذا ببعضهم ينسى ما قدمته الدار من أجله ويتحول إلى مكتبات أخرى لطبع أعماله الجديدة، لافتاً إلى أن هذا السلوك مارسه أيضا كتاب كبار تعاملوا مع الدار ثم تركوها.

الأمر الذي جعل أصدقاءه ينصحونه بكتابة عقود مع الكُتّاب لاستمرارهم مع الدار، إلا أنه رفض ذلك مشددا على أن العلاقة بين الدار وكُتّابها يجب أن تقوم على التفاهم، فليست العقود، برأيه، هي التي تجبر الكتاب على الاستمرار، فالتعامل الإنساني هو الأهم والأبقى، وبرغم هذا، كما يلفت الناشر هاشم، فإن كتاباً عديدين ما زالوا أوفياء للعلاقة مع ميريت التي شهدت مولد نجوميتهم.

ظروف النشر

تعتبر أزمة ارتفاع أسعار الكتب من أبرز الأزمات التي تؤثر على شراء الكتب، ولا ترتبط بأي شكل من الأشكال كون هذا الكتاب حصل على جائزة من عدمه، وهو الأمر الذي يوضحه هاشم مبيناً أن إيجارات الشقق هي التي تسببت في هذا الارتفاع.

وكذا فواتير الكهرباء وكل الخدمات التي تتعلق بالكتاب والطباعة، فمثلا قفز سعر طن الورق من 5 إلى 8 آلاف جنيه دون أية أسباب واضحة، إلى جانب مطالبة المؤلفين بحقوقهم في بيع الكتاب، وهو الأمر الذي يضطر الناشر إلى رفع سعر الكتاب حتى يستطيع تحقيق العائد المادي المرجو من أجل استمرار مشروعه.

حيث إنه أمام كل كتاب ينجح هناك ما يقرب من الأربعة كتب لا تنجح ولا تغطي تكلفة نشرها، فليست جميع الأعمال تحظى باهتمام القراء، كما أن الأمر لا يحمل معياراً ثابتاً، إذ إن هناك أعمالا أدبية جادة وجيدة لكنها لا تحقق نجاحاً يذكر، وذلك في مقابل أعمال دون المستوى، لكنها حققت النجاح جماهيرياً.

خصومات دورية.. وتوقيعات وأمسيات تحتفي بالإبداع وأهله

تقيم المكتبة/دار «ميريت»، مجموعة من الفعاليات المهمة داخل مقرها، ذلك بداية من حفلات التوقيع التي تستضيف فيها الأعمال المنشورة من قبل الدار أو أعمال أخرى، ومنها: حفل توقيع كتاب «السكان الأصليين لمصر» لبلال فضل، ديوان «نظر» للشاعر مايكل عادل ورواية «سماء أقرب» لمحمد خير،.

ذلك إلى جانب مناقشة الأعمال الروائية، مثل: كتاب «نادي السيارات» للكاتب علاء الأسواني، «يونس في بطن الحوت» لياسر عبداللطيف، «الألتراس» لجيمي هود، «الدنيا أجمل من الجنة» لخالد البري.

كما تقيم الدار الأمسيات الشعرية، ومن بينها الاتي نظمتها احتفاء بديوان «منتصف الحجرات» للشاعر أحمد يماني. كما استضافت داخل جناحها بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أخيرا، فرقة الطنبورة البورسعيدية التي قدمت عروضها وأغانيها الشعبية للقراء. كما تقدم الدار خصومات كبيرة تيسيرا على القراء الراغبين في الشراء.

وإلى جانب ذلك شاركت الدار في إطلاق جائزة تحمل اسم الشاعر «أسامة الدناصوري» وتُمنح سنوياً في الرابع من يناير، بالتزامن مع ذكرى رحيل الشاعر، الذي يعد واحداً من أهم شعراء الثمانينيات.

نجاحات وبصمات واضحة في عالم النشر والفكر

حظيت منشورات كثيرة أصدرتها الدار بجوائز أدبية في مجالات متنوعة، إذ حازت رواية «عشاق خائبون» لإيهاب عبدالحميد على المركز الثاني في جائزة ساويرس فرع شباب الأدباء- دورة 2007، وحصلت رواية محمد المنسي قنديل «قمر على سمرقند» التي صدرت طبعتها الأولى عن ميريت أيضا على جائزة ساويرس- فئة كبار الكتاب دورة عام 2008، كما فازت رواية أحمد العايدي «أن تكون عباس العبد» على جائزة ساويرس -فئة الرواية المركز الثاني فئة شباب الأدباء دورة 2006.

كما حصدت رواية «سحر أسود» لحمدي الجزار المركز الأول في جائزة ساويرس -فرع شباب الأدباء دورة عام 2006، وأيضا مجموعة الكاتب الراحل إبراهيم أصلان «حكايات فضل الله عثمان» التي فازت بالمركز الأول فئة القصة القصيرة دورة عام 2005.

 كما فاز محمد المخزنجي عن روايته «أوتار الماء» بجائزة الرواية فرع كبار الأدباء دورة عام 2005. وحصل ياسر عبداللطيف على المركز الأول- فئة الرواية- فرع شباب الأدباء عن روايته «قانون الوراثة» في دورة عام 2005.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات