نماذج من النساء وقفن وراء أزواجهن الكتاب المبدعين، فالحب كثيراً ما يلعب دوراً كبيراً في إلهام الكاتب لإطلاق عبقريته المكبوتة، فصفحات التاريخ لم تخل من قصص نساء شاركن في صناعته، وعرفن ما يتطلبه الإبداع للكاتب من شروط خاصة، فإذا كنا نذكر اليوم طه حسين وفلاديمير نابوكوف ونجيب محفوظ.
ونذكر لهم على الترتيب «الأيام» و«لوليتا» و«أولاد حارتنا»، وغيرها من أعمالهم العالمية الشهيرة، فإننا نذكر في الوقت نفسه زوجاتهم العظيمات اللواتي شكلن شرارة الإبداع والإلهام التي حركت مكامن الموهبة والابتكار لديهم، والطاقة الإيجابية المفيدة في شحذ عبقريتهم، وأسسن لنقاط الثبات التي انطلقوا منها إلى مجدهم الأدبي.
قاهر الظلام
في ذات السياق، نجد في قصة عميد الأدب العربي طه حسين نموذجاً لإيثار الزوجة، ففي عام 1915 تعرفت سوزان الفتاة الفرنسية الحسناء إلى قاهر الظلام «طه حسين» الشاب المصري طالب الدراسات العليا كفيف البصر، الذي كان في حاجة لمن يقرأ له الكتب والمراجع التي تساعده على إتمام دراسته.
وكانت سوزان هي من قام له بدور القارئ منذ ذلك الوقت حتى وفاته عام 1973، فقد كانت رحلتهما طويلة وغير تقليدية، تغلبا فيها على مصاعب الحياة، ولم يتوقف أحد منهما عن مساندة ودعم الآخر وتحديا عقبات عديدة ليتزوجا، فقد كانت رفيقة حياته.
وعاشت بجواره حبيبة وزوجة وأماً وجدة، وكانت حبه الأول والأخير وعينه التي كان يبصر بها، وهو «طه حسين» عميد الأدب العربي، وقد كتب عنها في نهاية الجزء الثاني من رائعته الخالدة «الأيام» يصفها بأنها «الملاك» الذي بدله من البؤس نعيماً ومن اليأس أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة وصفواً.
صديقتي كانت معلمتي
ولعل من يقرأ كتاب سوزان طه حسين، والذي يعتبر من أصدق وأنبل المذكرات الإنسانية، والذي صدر بعد وفاة طه حسين بعنوان «معك» يدرك دلالة وصدق هذا الحب، ويستحضر الكتاب أكثر من خمسين عاماً من الحياة المشتركة بينهما وقصة حياتها وذكرياتها مع زوجها الأديب الراحل طه حسين من 1915 إلى 1973 ويعتبر الكتاب شهادة حميمة وصادقة حول علاقة رجل وامرأة كان يمكن لأشياء كثيرة أن تفرق بينهما كالدين أو الثقافة أو الهوية بجانب إعاقته، ومع ذلك تحابا وتزوجا وعاشا في سعادة، ولكي ندرك أهمية الكتاب، وبالدور الحيوي الذي لعبته سوزان في حياة زوجها باعتراف الأديب شخصياً يقول: «صديقتي كانت معلّمتي.
بفضلها تعلّمت اللغة الفرنسية وتعمقت بالأدب الفرنسي. وبفضلها أيضاً تعلمت اللاتينية، وحصلت على إجازتي في الآداب، وبفضلها أخيراً تعلمت اليونانية وتمكنت من قراءة أفلاطون بلغته».
عزلة الأديب
وقد استطاعت سوزان أن تحطم جدران عزلة الأديب طه حسين بمشاعرها المرهفة وحماسها ورقتها الشديدة، ومع ذلك نجدها لا تتحدث على الإطلاق عن هذا الدور الحيوي أو عن نفسها في كتابها، بل ركزت كل اهتمامها وخطابها بشكل كامل علي زوجها، لذلك جاء اختيارها لعنوان الكتاب «معك» معبراً، كما تناولت الصعوبات التي كانت تواجهها بسبب حالة زوجها التي احتلت مكانة مركزية في حياتهما، وقلقها الدائم عليه، ويكتب طه حسين في ذلك: «بدونك أشعر فعلاً بأني ضرير، لأني معك قادر على استشعار كل شيء وعلى الاختلاط بالأشياء التي تحيط بي».
عطية الله
ومن النماذج أيضاً زوجة الروائي الراحل نجيب محفوظ «عطية الله»، وهي سيدة نادرة المثال، إذ وفرت لزوجها، بصبرها وحسن تفهمها، أحد أكثر شروط الإبداع أهمية، إذ لا يمكن أن نتصور ذلك العكوف الدائب آناء الليل وأطراف النهار، وذلك التوفر على رصد الوقائع والتحولات، دون أن نتصور معهما طبيعة تلك السيدة الاستثنائية، وما تمتعت به من فرادة وتميز، فالسكينة الروحية والمناخ العائلي الذي هو نقطة الثبات التي انطلق منها محفوظ.
حضور قوي
ولتفهّم ذلك الأثر علينا النظر إلى حضور المرأة في كتب محفوظ، فللمرأة حضور قوي في روايات نجيب محفوظ، باعتبارها عنصراً مهماً ومؤثراً، وبعد سنوات طويلة من زواج أديب نوبل يقر بدور زوجته العظيم، فيقول: لقد اخترت الزوجة المناسبة لظروفي، ولم تنشأ بيننا قصة حب سابقة على الزواج، كنت في حاجة إلى زوجة توفر لي ظروفاً مريحة تساعدني على الكتابة ولا تنغص حياتي، زوجة تفهم أنني لست كائناً اجتماعياً، وأنني وهبت حياتي كلها للأدب، ووجدت في «عطية الله» هذا التفهم وتلك الصفات، وإن كان لأحد فضل في المكانة التي وصلت إليها، فزوجتي في المقدمة.
الحارس الشخصي
ومما يروى أيضاً، وتحدثت عنه العديد من الكتب والسير قصة فيرا سلونيم والكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف «1899 - 1977» ودورها في مساره الأدبي؟ فقد التقى بها صاحب «لوليتا» في برلين عام 1923 وهو في الرابعة والعشرين من عمره. وهي في الحادية والعشرين.
ومنذ البداية وقع كل منهما في حب الآخر وفي عام 1925 تزوجا، بعد أن عشقت شعره وكانت تؤمن من قراءتها لأعماله بأنه أعظم كتّاب جيله، وقد وثق نابوكوف إلهام فيرا في كافة المجالات، فقد كانت حبيبته وزوجته وأم ابنه، تكتب للناشرين نيابة عنه، وكانت ترد على اتصالاته، والباحثة التي تزوده بما يريد، ومترجمة أعماله إلى اللغات الأخرى، ومديرة شؤونه، ومعاونته في الكتابة، كما كانت سائق سيارته أيضاً.
واعتادت أن تقود السيارة به إلى أعماق الغابة وتتركه وحيداً ليكتب، كما شاركته شغفه وحبه في الشطرنج وصيد الفراشات، كانت تجلس بجانبه خلال محاضراته في الأدب الروسي خلال فترة تدريسه في جامعة كورنيل، ولم ينفصلا على الإطلاق حتى إن كانت هناك إشاعات بدأت بالانتشار أن فيرا كانت تملك مسدساً في حقيبتها لحماية نابوكوف بوصفها حارساً شخصياً له، وكان نابوكوف يقول: «من دون زوجتي، لم يكن ممكناً أن أكتب كتاباً واحداً».
رسائل نابوكوف
وقد عبرت رسائل نابوكوف لفيرا في عشرينات القرن العشرين عن حبه لها وسجلت خطبه لودها وسنوات زواجهما السعيد، أما أغلب الرسائل فكانت مكتوبة في الفترة ما بين منتصف وأواخر عقد الثلاثينات، وأولى رسائله هي أكثرها شاعرية حين كتب لها يقول: «إنك الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أتكلم معه عن ظل سحابة أو عن أغنية فكرة وعن كيف أنني عندما خرجت للعمل اليوم ونظرت وجهاً لوجه إلى زهرة عباد شمس طويلة ابتسمت لي بكل بذورها».
الآلة الكاتبة
وقد تطورت رسائله لها في السنوات التي سبقت نشر أول رواية له عام 1926 وأصبح يبلور أفكاره عن الفن والأدب، أما رسائله في السنوات التي تلت ذلك فكانت أقرب إلى طابع كتاباته الروائية، وفي عقد الثلاثينات أصبحت تغدو الرسائل أقرب إلى الطابع العملي، وآخر هذه الرسائل المكتوبة كانت عام 1970 من ثاورمينا في إيطاليا، فقد ظلت زوجته فيرا بجانبه دائماً وأبداً وساعدته على رسم صورته العامة أمام الناس، وعندما حصل نابوكوف على الشهرة والثروة، استقر معها في أحد الفنادق الفخمة بسويسرا، وبعد وفاته عام 1977 سارت على دربه فكانت تقضي ست ساعات يومياً خلف الآلة الكاتبة، لتترجم رواياته وهي بعمر الثمانين.
ملهمة ماركيز
وفي أميركا اللاتينية كانت السيدة مرسيدس زوجة غابرييل غارسيا ماركيز زوجة وفية لزوجها، ما جعل منها ذات مرة ترهن السخانة الكهربائية، ومجفف الشعر والمفرمة الكهربائية لتسديد المستحقات البريدية لغابرييل غارسيا ماركيز، لإرسال الجزء الأول من رواية «مائة عام من العزلة» إلى الناشر في الأرجنتين ولم يتبق في منزلهما أي شيء، بعد أن باعت ورهنت كل ممتلكاتهما القليلة، وعندما عادا للمنزل ظل كلاهما يبحث عن شيء يرهنه لتوفير بعض المال لإرسال الجزء الثاني من الرواية..
والحقيقة لم يكن عندهما ما يرهنانه، كما أنه لا يوجد صديق قد يقرضهما باقي المبلغ لأنهما اقترضا طوال 18 شهراً من كل الأصدقاء ولم يسددا شيئاً من التزماتهما، لم يكن هناك سوى الآلة الكاتبة التي ظل ماركيز يجلس إليها لإنهاء روايته ولكنها كانت مصدر رزقهما فقد طردا الفكرة، والشيء الوحيد الذي تبقى لهما هو خاتما الزواج، وقد أصرت مرسيدس على رهنهما لإرسال الجزء الثاني من رواية ماركيز أيقونة الرواية اللاتينية وساحر كولومبيا، والحائز جائزة نوبل في الآداب.
شهادة حية حول الحياة
استطاعت سوزان طه حسين في كتابها «معك» أن تنقل شهادة حية حول الحياة السياسية والفكرية والفنية في مصر من عشرينات القرن الماضي حتى مرحلة الستينات، كما أنها لم تهمل في كتابها الرحلات والأسفار التي قامت بها مع زوجها وحبهما الكبير والمشترك للموسيقى الكلاسيكية وعلاقاتهما بأبرز مفكري وأدباء وفناني عصرهما في مصر والعالم العربي.
وقد توجهت سوزان بالكتاب حصرياً إلى القراء العرب لتكشف لقرائه جوانب عديدة ومجهولة في شخصية أديبهم طه حسين، وقد أصدرت الكتاب عام 1982 عن دار «المعارف»، وترجم الإصدار بدر الدين عرودكي، وجاء في 300 صفحة.
رفيقة ماركيز التي تخطى معها الصعاب
«زوجتي مرسيدس أكثر إنسان ممتع ومُساند قابلته في حياتي وبفضلها استطعت تخطي الصعاب»، هكذا وثق غابرييل غارسيا ماركيز علاقته بزوجته مرسيدس، التي كانت مرافقته في كل المناسبات والظروف، وكان يفتخر بها، فقد أحبها ووضعت مرسيدس شرطها الأول لإكمال قصة حبهما، وهي أن تنهي دراستها، وقامت بتأجيل الخطبة لمدة 14 عاماً، وفي عام 1958 عاد غابرييل إلى بلدته وتزوجها.
لوليتا
العارفون بحياة الأديب الروسي فلاديمير نابوكوف يقولون إن زوجته فيرا كانت وراء النجاحات التي حققها على المستوى الأدبي، فقد تمكنت من أن تفرض روايته الشهيرة «لوليتا» على كبار الناشرين وعند صدورها في باريس عام 1955 حققت له شهرة عالمية، وأصبحت من روائع الفن الروائي في القرن العشرين، وقد قرر في لحظة إحراق مخطوط «لوليتا» لكن فيرا أنقذت الرواية، وفي ذلك يقول نابوكوف: «رواية لوليتا أُكملت بفضل فيرا».







