الذود عن الأوطان، استنفار الهمم واستنهاضها لردع المعتدين، كشف مساوئهم وخستهم مقابل استبسال المواطنين في الدفاع عن أرضهم وقضاياهم الوطنية.
في هذا الإطار شق »أدب المقاومة« طريقه بين فروع الأدب الأخرى على استحياء، يتوهج تارة، ويخبو تارة أخرى وفق الأحداث على أرض الواقع، ما شكل متاريس تخندق وراءها المبدعون للدفاع عن قضاياهم..
وعرف الأدب المصري هذا اللون من الإبداع في الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973، ومن ذلك »العمر لحظة«، و»حتى آخر العمر« ليوسف السباعي، و»في بيتنا رجل«، و»الرصاصة لا تزال في جيبي« لإحسان عبد القدوس و»أبناء الصمت« لمجيد طوبيا؛ لكن مع انتهاء الحرب تراجع هذا اللون في مصر، وتقدم في فلسطين. لنتابع:
الكتابة الأدبية المعبرة
»ارتبط أدب المقاومة بالصراع العربي- الإسرائيلي، والآن القضية الفلسطينية هي التي تستحوذ عليه بصورة كبيرة«، هكذا بدأ الكاتب الصحافي صلاح عيسى حديثه..
موضحًا أن أدب المقاومة هو الكتابة الأدبية المعبرة عن الحروب والمعارك ومقاومة العدو، ويعتبر اصطلاح المقاومة هو الأكثر شمولية من أدب الحرب أو أدب المعارك، ويعبر هذا اللون عن القهر والاستبداد الذي تعانيه الشعوب تحت العدوان والاحتلال، ومن ثم ترسيخ فكرة المقاومة للعدو سواء كان شخصًا أو فكرة.
تلاش
وأضاف عيسى أن أدب المقاومة حظي بحضور مهم في الساحة الأدبية العربية منذ بداية القرن وحتى نهاية ستينيات القرن المنصرم، مقدمًا معالجات لأزمات القضية الفلسطينية، التي صعبت معها حياة العرب وارتبطت بأدب المقاومة منذ حرب 1948.
ولفت إلى أن أدب المقاومة تلاشى في الفترة الحالية، وحل محله أدب الثورات مع انفجار ثورات الربيع العربي في السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن الأدب يجد طريقه إلى الثورة والمقاومة، ويتم التعبير عنهما من خلال الكُتّاب المعاصرين، واعتبر هذا النوع من الأدب حاضرًا في الساحة العربية بقوة.
وأكد أن أدب المقاومة أخذ حقه سابقًا من الحضور في الساحة العربية، ويعتبر إحدى التيمات المهمة في العالم العربي، وكذلك في الدول التي تعرضت إلى الاستعمار خلال القرنين الماضيين، أما الآن فأصبح مجال حضوره ضيقًا عن ذي قبل؛ لا سيما أن الحروب انتهت.
وأشار إلى أن الفترة الذهبية لأدب المقاومة كانت ما بين ثلاثينيات وحتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، أي أنه انتهى بنهاية حرب أكتوبر 1973.
تجرد
وتتفق الناشرة فاطمة البودي، صاحبة دار العين للنشر والتوزيع، مع أن الأدب لم يعد محصورًا داخل المعاني المادية مثل مواجهة عدو مسمى، بل بات التجرد هو الأكثر حضورًا في الأدب الحديث، ولهذا لم تعد المقاومة نوعاً أدبياً حاضرة بمعناها التقليدي كما حضرت في أدب غسان كنفاني وغيره من الكتاب، بل تحولت إلى مقاومة للنفس والسلطة وكل ما يستدعي كبت الحرية.
وأكدت أن الإنسان أصبح محور الأدب وليس الحدث، لهذا تم تهميش أدب المقاومة وغيره من التيمات الأدبية وحل محلها قضايا الإنسان المعاصر ومناقشة الأفكار المجردة بالأعمال الأدبية. وحسمت بالقول: المقاومة اليوم أصبحت مقاومة النفس والذات، حتى الروايات التي يتمثل فيها صراع بين أشخاص يحضر الصراع النفسي كذلك.
ما زال متوهجًا
فيما اختلف الشاعر حزين عمر مع الرؤية التي تعلن تواري أدب المقاومة من الساحة الأدبية العربية، مؤكدًا أنه حاضر في الساحة الأدبية العربية وحتى إن اختلف مسماه، مشددًا: هو مستمر، ويظهر بصورة أكبر في وقت النزاعات الداخلية، فلم يكتفِ فقط الكُتّاب والشعراء بالإبقاء على هذه التيمة في وقت الحروب؛ بل بات صراع الظلم ساحة جديدة لإنتاج أدب المقاومة.
واستطرد: كذلك في فترات الثورات يظهر هذا النوع الأدبي بقوة، مثلًا مع ثورة 25 يناير 2011 ظهر العديد من الشعراء الذين ترجموا المشهد بمقاومة شعرية وأدبية أيضًا.
ووضع حزين تعريفًا لتيمة أدب المقاومة قائلًا: »هو الأدب الذي يتجلى مع فترة الأزمات الوطنية ويدعو إلى مقاومة العدو، سواء بصورة راديكالية وبالسلاح أو بالمواقف«.
واعتبر أن الشعر هو الأكثر حظًا في التعبير عن المقاومة؛ لأنه نمط أدبي يخلق في اللحظة ومن رحم المقاومة، ويعتبر الهتاف الشعري أحد سبل المقاومة، وهو ما يظهر في ساحات التظاهر؛ لذا يترجم الشعر بصورة كبيرة حالة المقاومة والرغبة والسعي إلى التغيير.
مقاومة معاصرة
وفي السياق ذاته، يؤكد الناقد الأدبي د.حسام عقل أن أدب المقاومة ما زال مزدهراً، مبررًا ذلك بأنه ليس مرتبطاً فقط بمقاومة الاستعمار أو عدو مباشر؛ بل بمقاومة الظلم والفساد اللذين تعاني منهما البلاد بصورة كبيرة.
وأوضح أن أدب المقاومة مر بمراحل عديدة، بدأت بمواجهة القوى العسكرية بالكلمة، وذلك في فترة الحروب والصراع العربي الإسرائيلي والاحتلال الإنجليزي والفرنسي لمصر وفلسطين وبعض دول العالم العربي، وعبر عن هذه الفترة كُتّاب مثل غسان كنفاني وسحر خليفة ونبيل خوري، ومن مصر إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وغيرهما.
استبداد سياسي
وتابع: استكمالًا للمراحل، تحول أدب المقاومة إلى نضال للوقوف في وجه الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فترة السبعينيات من القرن الماضي، ومع الانفتاح على قضايا أخرى وتأزم الأوضاع في العالم العربي ظهر أدب مقاومة مغاير، وقدم الروائي صُنْع الله إبراهيم أعمالًا معبرة عن هذه التيمة مثل »رواية اللجنة« التي تطرح تساؤلات حول الهوية.
وأشار إلى أن كتابات أسامة أنور عكاشة مثلت مقاومة من نوع آخر، وهي مقاومة اجتماعية واقتصادية واضحة تمثلت في أعماله التي رفضت اتساع دائرة رأس المال وتوحشه على حساب الطبقة المتوسطة التي باتت تعيش بالكاد على حد الحفاظ على مستواها الاجتماعي والاقتصادي، كذلك نجيب محفوظ، الذي قدم المقاومة بصورة مختلفة عما هو مألوف.
قوة ضاربة
وأوضح أن الساحة الشعرية حظيت بحضور كبير لأدب المقاومة مثل ما قدمه الشاعر أحمد فؤاد نجم وثنائيته مع الشيخ إمام، وكذلك نجيب سرور، الذي مثل قوة ضاربة من خلال أشعاره الصادمة والصريحة.
واعتبر عقل أن الرواية المقاومة ليست محصورة في أدب دولة بعينها؛ بل لها حضور في الرواية العربية بصورة عامة، مثل الأديب محمد العريمي من سلطنة عمان الذي يقدم في رواياته تصورات على سبل المقاومة المختلفة، كما أن المغرب العربي حقق حضورًا في هذه التيمة الأدبية كما هو في أدب الروائي »العربي باطما«، كذلك السودان من خلال كتابات الطيب صالح، وغيرهم من الكتاب العرب.
درّة
مثلت فلسطين درة أدب المقاومة والقضية التي لا تموت، واحتلت القضية وتطورها على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل فلسطين مكانة كبيرة في نفوس أبنائها الأدباء، وذلك منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، كما شكلت نكبة 48 نقطة تحول في مسار القضية.
«عائد إلى حيفا»
كان لغسان كنفاني دور كبير في تأريخ القضية رغم موته في سن صغير لم يتجاوز 36 عامًا، فقدم عديدًا من الأعمال الروائية والبحثية لأدب وشعر المقاومة، ومن أبرز أعماله »عائد إلى حيفا« التي تجسد تطلعه للعودة إلى بلاده.
كما تطل روايته »رجال في الشمس« وجملته الشهيرة »لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟!«، ويتطرق فيها إلى ثلاثة أبطال يموتون داخل خزان السيارة دون محاولة للمقاومة، وتعبر عن الروح الفلسطينية التي تجد صعوبة في المقاومة ضد العدو.
«ما بعد الاستعمار»
ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين ما يعرف بأدب »ما بعد الاستعمار«، وهو خطاب نقدي يتناول الآثار الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحياة الاستعمارية على الشعوب والدول التي خضعت إلى الاستعمار، ويعتبر هذا الشكل الأدبي موازيًا إلى أدب المقاومة؛ لكنه يرصد حال الدول سواء بعد أو في أثناء الاستعمار.
ولعل أبرز من تناول هذا النوع الأدبي كان المفكر إدوارد سعيد في كتابه »الاستشراق«، ويتطرق هذا النوع إلى مفهوم الهوية في مقابل آثار الغرب أو المستعمر على الدولة وهوية أفرادها، وكذلك كيفية استعادة النفس وبناء الدولة من جديد.
»ما بعد الاستعمار« مفهوم لم يكن وليد مقاومة دول العالم العربي فحسب؛ بل كان له حضور كبير بأدب أميركا اللاتينية والقارة السمراء، من رواده الكاتب النيجيري وول شوينكا.
مقاومة حداثية عمادها الإنسان
تغير أدب المقاومة مع أوضاع القرن العشرين وظهور مدارس حداثية تعتمد على البحث في الإنسان، الحداثة التي تتطرق إلى التعبير عن حال الإنسان بعد ما شهده من تحولات وآثار نتيجة الأزمات - مثل الحروب والاستعمار والاحتلال- فباتت الروايات والأعمال الأدبية مركزة على حال ما يواجهه من صراعات داخلية انعكاسًا لما عانى منه في الواقع.
وبناء عليه أصبحت تيمات أدبية مثل أدب المقاومة وأدب ما بعد الاستعمار بعيدة عن سياق القلم الأديب العربي، وصارت أزماته الداخلية تخرج على الورق، ولها صدى كبير في الساحة الأدبية، وكذلك يستقبلها القارئ لأنها تعتبر ترجمة لحالته مثل كتابات المعاصرين مثل فرانيس كافكا الذي يعتبر رائد الكتابة الكابوسية، وهو نوع أدبي يركز على آثار التوحش العالمي على الإنسان والدمار، الذي بات يعاني منه.
كذلك مثلت المدرسة التعبيرية والدادية والسريالية حضورًا كبيرًا كونها مدارس تعبر عن الإنسان في وجه المادية، وتعتبر أيضًا سبيلًا للمقاومة بطريقة مغايرة، وهي مواجهة العدو وتمثيله في سياق الرواية، فالعدو بات مجهولًا بعد أن أصبح الإنسان يعادي نفسه، ويدمر ذاته دون الحاجة إلى مؤثر خارجي.


