تواصل دور نشر عديدة، ومعها المكتبات المصرية، البحث عن وسائل غير تقليدية لاستقطاب القراء، في ظل حالة من العزوف الكبير نتيجة الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها غالبية المصريين.. ومن أبرز الأساليب أو الحيل التي لجأت إليها هذه الدور في الفترة الأخيرة، فعاليات تعرف باسم «جلسات القراءة».

وبرغم كونها ليست بالظاهرة الجديدة؛ إلا أنها وجدت صدى كبيرا لدى القراء، فهل حققت التأثير المرجو منها؟! «بيان الكتب» يستجلي أهمية هذه الجلسات ومدى تأثيرها.. ومكانتها لدى الكتاب والقراء.. باحثا في آفاق التغيير والتطوير التي تكفل تحقيقها الأهداف المرسومة.

«ثمة العديد من الآليات والمحاولات الجادة الساعية نحو توسيع رقعة جمهور المثقفين وتنمية وعيهم والإضاءة للعديد من الأعمال والكُتاب، وتأتي (جلسات القراءة) من بين أبرز الآليات التي تشهد حضورا واسعا اليوم». بهذه الكلمات بدأ الكاتب نبيل فاروق حديثه حول المسألة، موضحا أن هذه الفكرة ليست وليدة اليوم؛ بل نفذت بالفعل منذ عقود، وساهم في انتشارها العديد من الرموز الثقافية البارزة.

وأضاف، إنه على الرغم من الحضور الواسع لجلسات القراءة الجماعية لمختلف ألوان الإبداع الأدبي والفكري وفنونه؛ إلا أن تأثير هذه الجلسات لا يزال محدودا، حتى مع التعويل عليها في تحريك المياه الراكدة في الساحة الثقافية.

ويوضح فاروق أن لهذه الجلسات فائدة كبيرة في توسيع رقعة القراء، وكذلك إتاحة الفرصة للشباب وغير المواظبين على القراءة للمطالعة والاستفادة من الكتب المقروءة. كما أنها تفتح المجال للمبتعدين عن ساحة القراءة وتفتح مجالا جديدا لحب الكتاب، لا يعتمد على القراءة؛ بل الاستماع، وهو ما يزيد من رقعة الاستفادة الفكرية وتوسيع البعد الثقافي لدى القارئ والراغب في التزود من الثقافة.

ويشدد على ضرورة إجراء جلسات قراءة للأطفال والمراهقين أيضا؛ لدعم حبهم للكتب وحثهم على القراءة، وإنقاذهم من العنف والتدهور الفكري، وكذا تحقيق غرض تقبل الآخر والفكر المخالف، خاصة وأنها تدعم مفهوم «اختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية».

زمن آخر

بدوره، يشيد الناقد د.مدحت الجيار بجلسات القراءة، مؤكدا أنها تعمل على توسيع الأفق واستيعاب الفكر الحر، كما تزيد التعريف بالنصوص القديمة والكلاسيكية وتفتح مجالاً لتحليلها من جديد، في ضوء القراءة الجديّة والحقبة الزمنية التي تُقرأ فيها؛ لهذا تضم الجلسات قراءة وتحليلاً ومقارنة للحقب الزمنية المختلفة وموضوعات أخرى، لا سيما إن كانت الرواية تعتمد على زمان ومكان واضحين.

وحول آلية اختيار الأعمال، يقول الجيار: «إن العمل الجيد يفرض نفسه على القارئ ويزيد من شغفه للاطلاع عليه، وأعتقد أن جلسات القراءة غالباً ما تجري في سياق شبابي؛ لذا تظل الروايات الكلاسيكية هي الأبرز في المطالعة، كذلك الأعمال المعاصرة، لأنها الأقرب إلى الجيل الحالي، لا سيما إذ اعتادت المراكز التي تتبنى هذه الجلسات استضافة الكتاب المعاصرين للحديث عن كتبهم والمساهمة في زيادة فهم القراء لأعمالهم».

ويتابع: من الضروري أيضا، تناول جميع وجهات النظر خلال هذه الجلسات وعدم الانحياز إلى أي من الأفكار التي تطرحها الراوية أو العمل الأدبي؛ حيث يفتح باب المناقشة والنقد، ومن الممكن أن تشهد الرواية أو العمل الأدبي تأويلات جديدة لم تطرح من قبل، ما يزيد من ثرائها واستفادة المشاركين في حلقة القراءة. ويشير الجيار، كذلك، إلى أن الشعر أيضا له حضور كبير في جلسات القراءة، كما أن اتساع رقعة شعر العامية ساهم في الترويج للشعر كفن أدبي، فيما يسعى البعض إلى استعادة مكانة شعر التفعيلة والعمودي الذي غاب عن المشهد لصالح القصيدة النثرية.

رواج محدود

ويرى الروائي أحمد ماضي، أن الأدب المصري الحديث والمعاصر في حاجة إلى الانتشار بصورة أكبر؛ لدعم الحركة الثقافية ومواجهة حالة العزوف الجماهيري، لا سيما مع توافر إنتاج أدبي غزير، سواء أكان ناتجا من الكُتّاب الكبار أو المبدعين الجدد من جيل الشباب. واستطرد: جلسات قراءة الأعمال الأدبية تعزز ترويج هذه الأعمال، كما تدعم الحركة الثقافية والانتشار والتأكيد على أهمية الفكر الثقافي بين قطاعات الشباب والكبار.. والحث على القراءة.

ويلفت ماضي إلى أن هذه الجلسات رغم أهميتها، إلا أن تأثيرها يظل محدودا، حيث إن أغلب الحضور تنتهي علاقتهم بالأديب أو الكتاب بعد الانتهاء من جلسة القراءة، دون الاستمرار، ونسبة قليلة هي التي تسعى وراء اكتشاف عالم الكاتب من خلال إبداعاته الأدبية المختلفة، وقلة ممن يحضرون هذه الجلسات يقومون بعدها بشراء الكتب التي راقت لهم، خاصة مع الظروف الاقتصادية التي يعاني منها غالبية المواطنين والتي جعلت شراء الكتب نوعا من الرفاهية.

ويختم: لضمان استمرار بقاء القارئ أو المتلقي وما قُدِّم إليه في جلسة القراءة، لا بد من خلق قنوات اتصال بين القارئ والجهة المنظمة وحثه على القراءة، كما أن طريقة التقديم ذاتها، تدعم تشويق القارئ وتدفعه إلى الاستمرار في الاطلاع على الإبداع وفتح آفاق أخرى له، وبالطبع، هناك ضرورة للعمل على تحسين الظروف المعيشية للمواطن كي يتمكن من اقتناء ما يستفز عقله ويخاطب روحه.

الاحتكام إلى الضمير

جلسات الأدب والقراءة، هي من أهم العناصر الترويجية للثقافة والكتب المختلفة من وجهة نظر الكاتبة والناقدة منى الصاوي، إذ تشير إلى أنها برامج مهمة تعتمد في مدى قيمتها، على مديري الندوة أو جلسة القراءة والتوجهات التي يعتمدونها خلال الجلسة وآليات العرض، وتلفت هنا إلى ضرورة انتقاء الأعمال المقدمة بعناية، حتى يتسنى الاستفادة منها بصورة كبيرة من دون تحيز، كذلك تقديم أعمال ذات حضور في المشهد الأدبي المصري أو العربي، وفي جميع المجالات، خاصة الأدبية: شعر ورواية وقصة قصيرة ونقد. كما ترى منى أن القراءة الجماعية تدعم الحركة الثقافية؛ لذا يجب تجنيب جلساء القراءة شبهة الترويج لكاتب أو فكر أو اتجاه معين، موضحة أن الضمير المهني والأخلاقي هو الأهم في هذه الحالة.

وتشير أيضا، إلى ضرورة التوجه إلى قراءة الأدب الحديث والتمعن فيه؛ لإثراء الأدب المعاصر واستقاء أفكار تدعم الحركة الأدبية المصرية التي تعاني من افتقار واضح يؤثر على إقبال القراء على الأعمال الأدبية المنشورة، التي يتدنى مستوى بعضها، سواء في الأفكار ومعالجتها، أو اللغة الركيكة التي تقدم من خلالها.

تجاهل إعلامي

في وقت سابق، لعب التلفزيون والراديو أدواراً بارزة فيما يتعلق بجلسات القراءة؛ حيث ظهرت برامج إذاعية وتلفزيونية تُعنى بجلسات القراءة وذاع صيتها، وكان لها صدى كبير في حينها. وسجل عميد الأدب العربي وأحد رواد حركة التنوير في العصر الحديث الدكتور طه حسين حلقات للإذاعة المصرية في إطار برنامج «حديث الأربعاء»، أواخر خمسينيات القرن المنصرم، وتعتبر أهم التسجيلات تلك التي تناول فيها عميد الأدب العربي القضايا التي تهم كُتّاب الأدب الحديث.

وحول غياب نوعية من البرامج المتخصصة بجلسات القراءة ودورها المجتمعي، يبين الخبير الإعلامي د.ياسر عبدالعزيز، أن عدم الاهتمام بالتغطية أو التقديم الإعلامي للحقل الثقافي والإبداعي، عموما، والذي تنضوي فيه هذه المسألة، يعود إلى تغيّر أولويات المشاهد والقنوات، مفسرا ذلك بأن الجانب الترفيهي ممثلاً في الرياضة والدراما والسينما، يطغي على الاهتمام بالثقافة وحلقات اللقاءات الثقافية التي كانت تعقد في التلفزيون المصري أو عبر أثير الإذاعة المصرية. كما أن أغلب القنوات الفضائية تهتم بالسياسة والهامش الربحي ولا تعتبر الثقافة جزءا من الصفقة الربحية لها.

نحو الشهرة

تجربة جديدة في هذا الشأن أيضا لجأ إليها مركز «البلد» الثقافي، يوضحها مديره أحمد عز العرب قائلاً: المركز يحمل على عاتقه عبء التعريف بالكُتّاب الجدد على وجه التحديد، فضلاً عن تقديم كلاسيكيات الأدب والفكر.

ونركز على الكتاب الجدد والشعراء الشباب الذين يشقون طريقهم نحو الشهرة، ومن أبرز الأسماء التي قدمها المركز: الكاتبة نهلة كرم والشاعر أحمد الطحان، وبهذا يجري التعريف بالكاتب والجلسة عن طريق الـ«سوشيال ميديا» ووسائل التواصل الاجتماعي التي توفر للمركز جمهورا كبيرا.

ويشير إلى أن الحضور الجماهيري خلال الجلسات يعتمد على الشاعر أو الروائي ومدى شهرته، وكذا الموضوعات ذات الاهتمام الواسع أو الجدلية؛ والتي أبرزها الفلسفة والنقد الديني، كما يحتل الأدب حيزا مهما في الجلسات، لا سيما وأن المركز يهتم بانتقاء الأدب ذي الطابع الحداثي.

استقطاب الأفراد إلى حلقات المعرفة وزيادة مبيعات المكتبات

لجأت مراكز ثقافية ودور نشر عديدة، إلى تفعيل جلسات القراءة، خاصة بالنسبة إلى الأعمال الكلاسيكية؛ لإحيائها واستعادة الأفكار التي ترسخت من خلالها.. كذلك تفعيل جلسات القراءة للأعمال المعاصرة والحديثة للكُتّاب الحاليين، والتي توسع دائرة المعرفة بالأدباء الجدد والمبدعين الشباب أيضا. ومن ضمن هذه الجهات: «مكتبة البلد» في وسط العاصمة «القاهرة».

إذ تستقبل المكتبة جلسات للقراءة للأعمال الصادرة حديثا بحضور كُتّابها، فضلاً عن جلسات قراءة للأعمال الكلاسيكية لتوضيح جمالياتها وأفكارها العميقة، إلى جانب جلسات قراءة للأشعار يقدمها الشعراء وسط حضور جماهيري تفاعلي. كما تقدم مكتبة «الكتب خان» جلسات قراءة مماثلة لكُتّاب مصريين وغير مصريين، لإثراء الحياة الثقافية، وتحقق هذه الجلسات حضورا واسعا، كما تروج المكتبة والحالة الشرائية بنسب متفاوتة، لا سيما إن كانت الأعمال المقروءة لكُتّاب كبار لهم شعبية وحضور في المشهد الثقافي.

مكتبة الإسكندرية.. ملتقى قراءات مسرحية كل شهر

تقيم «مكتبة الإسكندرية» ملتقى شهريا لقراءة الأعمال المسرحية الكلاسيكية بحضور جماهيري نوعي يتنامى باطراد، وتتبع المكتبة مسلكا مختلفا لجلسة القراءة يعتمد على توزيع أدوار العمل على عدد من الحضور، ليتشاركوا معا في قراءته؛ في خطوة تحول العمل من نص جامد إلى جلسة تفاعلية قائمة على المشاركة.

وفي السياق، ينظم مركز «كرمة بن هانئ» بمتحف أحمد شوقي في مصر، جلسات قرائية لمختلف الأجناس الأدبية، بحضور أدباء وشعراء. كما يقدم مركز «الربع» القائم في قلب القاهرة القديمة، جلسات لقراءة الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة وسط حضور شبابي كبير.