حكايات ومواويل.. أشعار وأهازيج.. طقوس وأزجال، جميعها مفردات تتكامل جنباً إلى جنب، لتشكل لوحة ثرية تعكس هوية المجتمع فيما يعرف بالأدب الشعبي، الذي يعتبر أحد أهم أقسام المأثورات الشعبية. ويتميز بعدد من السمات؛ منها: العراقة، الجماعية، الواقعية، التداخل مع فروع المأثورات الشعبية الأخرى كالمعتقدات والعادات الشعبية.
ويعرف هذا النوع الأدبي أيضا بالأدب الشفاهي، أو الفن القولي، أو الأدب التعبيري. وبقدر الأهمية والمكانة التي حظي بها في حقب سابقة، يبدو أنه تراجع الاهتمام به حالياً، حتى شارف على الاندثار. »بيان الكتب« يبحث في حقيقة هذه الإشكالية الأدبية، مضيئا على جوانبها وآراء المتخصصين في الشأن.
»يستهل الشاعر غناءه وتدخل الربابة على استحياء، على خط التلقي إلى المستمع وإلى الجمهور المتعطش لاستقاء القصة التي يتغنى بها الشاعر حتى مطلع الفجر ونهاية الليلة«، هذه هي أجواء نمو الأدب الشعبي المصري، الذي بدأ مع شخص مجهول يُنسب إليه الفضل في حماية التراث الذي تناقلته الشفاه حتى وصل إلينا في القرن الـ21؛ إلا أن مساحة التناقل الشفهي تقلصت، لاسيما مع رحيل كثير من حافظي التراث الشعبي.
هذا ما يؤكد عليه وكيل المعهد العالي للفنون الشعبية وخبير التراث د.مصطفى جاد، موضحا أن هناك نماذج من التراث الشعبي تواجه الاندثار، خاصة الحكايات الشعبية المعتمدة على القيم والأخلاق والتي كانت تحكيها الجدات إلى الأحفاد ويتداولها الأبناء شفهياً عبر العصور، وتعتبر فلكلوراً شهد إحلالاً بظهور وسائط حكي مختلفة، مثل الإذاعة والسينما والتليفزيون.
نبع ثر
يعرّف د.مصطفى جاد الأدب الشعبي وفق علم الفلكلور، بأنه منبع موضوعات الحكايات الشعبية والسيرة الشعبية والأمثال الشعبية والألغاز والفوازير والفكاهة والنكتة.
ويسترسل: »هناك أنواع لا تزال مستمرة ولا تموت، وهي الأمثال الشعبية التي تتداول في شتى ربوع وقرى الوطن، وهو أمر لا يندثر، كما تحتل الأمثال الشعبية الجزء الأكبر من التراث الشعبي، أيضا هناك النكتة التي تعتبر من أشهر نماذج التراث الشعبي والتي لا تموت وتستحدث على مدار الوقت، لاسيما أن الشعب المصري يمتاز بخفة الظل والنكتة جزء من اليوم.
وحول الحكاية الشعبية يقول جاد: لا يزال هناك حكاؤون للسير الشعبية، خاصة السيرة الهلالية؛ فهناك عدد من الحكائيين المصريين يحافظون على السيرة الهلالية في صعيد مصر لكنهم قلة، فيما اختفى حكاؤو »سيرة عنترة« وكذلك »سيرة الظــــاهر بيبرس« ولم يعد هناك من يتناقلــــهما، كما أن أصحابهما أو حافظــــيهما وافتهـــم المنية ودُفنت معهم هذه الحكايات.
تقصير
يلتقط الناقد الأدبي عبدالحافظ متولي خيط الحديث في المسألة قائلا: الأدب الشعبي يبقى يخفي الكثير ولم يظهر بعد بالشكل الكامل، إذ لم يتوغل الكُتَّاب فيه أو يستغلوه بالصورة المناسبة، إنما اكتفوا بنقل القليل، بما يخدم قصصهم فحسب، دون الانتباه إلى أنواعه العديدة. ويضيف: إن الأدب الشعبي يحمل بين طياته عديدا من الأنواع، مثل التراث المستمد من الثقافة الفرعونية، وكذا التراث الإسلامي والنوبي أيضا. ويشير إلى أن التراث الشعبي المصري غني بالعديد من المعطيات.
كما يعتبر متولي أن هناك تقصيراً ملحوظاً في تناول الأدب الشعبي والتعاطي معه من قبل الكُتَّاب، وهناك حاجة إلى البحث واكتشاف خفايا التراث الشعبي وحمايته من الاندثار الحتمي إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
كذلك يلفت إلى أن التراث الشعبي متجدد، حيث إنه مرتبط بالشارع والحكي والتناول الشفهي المتداول، مبينا أن الشعب المصري -لاسيما في القرى والأقاليم-، لا يزال متمسكا بتراثه الشعبي وجذوره، خاصة في محافظات الصعيد والنوبة، وأيضا في بعض المدن: ضمن محافظات الوجه البحري وشمال مصر.
غياب الدعم
يوضح مسعود شومان- الرئيس السابق للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، أن الأدب الشعبي يصنف إلى شقين: الأول التراث النابع من البيئة الأصلية لهذا الموروث، ومن أنواعه الغناء الشعبي والحكي والسير مثل السيرة الهلالية.
وأما الشق الثاني فيعتمد على البعد الدراسي والأكاديمي للتراث الشعبي وتحويله إلى أدب. ويتابع: يُتعامل مع الشق الثاني بطريقة دراسية فقط، من دون النظر إلى جماليات التراث الشعبي ومناطق تحويله إلى أدب يعتمد على فنون محددة، أو التحقق من الواقع الحياتي من خلال الأبحاث الميدانية والنزول إلى الشارع للوصول إلى جوهره والمتغيرات التي طرأت عليه في العهود الأخيرة.
وحول دور الدولة والفرق الاستعراضية لحماية هذا التراث من الاندثار، يقول شومان: الفرق الاستعراضية ليست مسؤوليتها أن تلعب دور حامي التراث الشعبي، بل أن تبحث في التراث لتحويله إلى فنون استعراض، والأسوأ أن هناك فرقًا تشوّه التراث الشعبي وجمالياته؛ وذلك لعدم توافر باحثين يوضحون آلية التحويل إلى عمل فني، كذلك عدم توافر جهات ترعى وتحمي هذا التراث الشعبي..
وهو ما يفرغ بعض الأعمال من مضمونها في كثير من الأحيان. ويستطرد: إن التراث، وحتى يتحول إلى أدب شعبي، تجب دراسته وتصنيفه ليسهل على المبدع الاطلاع عليه والتعامل معه بما يتناسب مع العمل الأدبي. كما يؤكد الباحث شومان أنه رغم وجود عدد من الباحثيـــن المعنيين بالأدب الشعبي..
إلا أن الجهات المعنية لا تهتم بمساندتهـــم ولا توفر لهم الاحتياجات الأساسية لتحقيق الأبحاث والتحركات الميدانية لحماية التراث، لذا فإن غالبية المشروعات التي جرى تدشينها لحماية التراث، لم تحظ بأي حضور فيما بعد.
حكاوٍ وأغانٍ
يرى الكاتب عبدالوهاب الأسواني أن التراث الشعبي وجد طريقه إلى الحكي والشعر الغنائي، أكثر من الألوان الأدبية الأخرى، ويشدد على أنه هناك شعراء رسّخوا هذا النوع التراثي؛ مثل عبدالرحمن الأبنودي الذي اعتمد على السيرة الهلالية كمنبع لبعض أعماله، كذلك سيد حجاب الذي استقى من التراث الشعبي وفن الربابة رافداً أساسياً لأشعاره الغنائية التي قدمها للأعمال الدرامية.
ويردف: إن التراث الشعبي يجد طريقه إلى الشعر والأدب في العالم العربي أكثر من مصر.
كما أن تسرب هذا اللون من التراث إلى الأعمال الأدبية يعد سلاحاً ذا حدين، حيث إن هناك دولاً مثل المغرب، فيها لغة عامية صعبة الفهم وغير متداولة في العالم العربي، ومن ثم حينما يعتمد الأدب المغربي على اللغة العامية، يتسبب في عزله عن المحيط العربي، على خلاف اللهجة المصرية التي تتمتع بحضور في جميع أنحاء القطر العربي.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه الأسواني تقديره للتراث الشعبي، إلا أنه يفضّل الكتابة بالعربية الفصيحة؛ تجنباً للعزلة الأدبية وتحقيقاً للوحدة الأدبية العربية عن طريق »الفصحى«.
سير ورواد
تعد »السيرة الهلالية« -أو »سيرة بني هلال« كما تعرف في منبعها بأعماق الصعيد المصري-، من أشهر السير الشعبية المتداولة والمستقى منها أشعار وأعمال فنية قُدمت في أوجه عديدة ومعالجات مسرحية ودرامية، حيث انتقلت من الحكواتي إلى الشاعر ومنه إلى المشاهد.
وهناك سير أخرى لكنها لا تمتاز بالشهرة ذاتها، منها: سيرة عنترة بن شداد وسيرة الملك سيف بن ذي يزن وسيرة الظاهر بيبرس وسيرة الأمير حمزة البهلوان، وتعتمد هذه السير على القيم والأخلاق الحميدة التي تشهد انتصار الخير على الشر في النهاية، حتى وإن ربح الشر في معركة يحسم الخير المعركة لصالحه.
نجاح كبير لخيال الظل وفن الأراغوز
تهتم بعض المنافذ الثقافية بالتراث والأدب الشعبي من خلال تقديم العديد من الفنون الحياتية، مثل خيال الظل وفن الأراغوز أو المسرح، ومن أبرز هذه المنافذ: بيت السناري وبيت السحيمي، اللذان يقدمان عروضاً لخيال الظل وفن الأراغوز للأطفال والكبار، وتحظى عروضهما بحضور كبير ومتابعة واسعة.
كما ينظم صندوق التنمية الثقافية االمهرجان الدولي للطبول والفنون التراثية بمشاركة فرق من أنحاء العالم.
"مسرح الضمة".. تجربة أفلحت في تطوير القوالب وحفظ الجوهر
توجد تجارب عربية كثيرة، نجحت في الترويج للأدب الشعبي، ومن بينها: مسرح مركز الضمة في مصر، إذ يشرح المخرج المسرحي محمد مبروك، أن المركز يعتمد على إحياء التراث والفنون الشعبية عن طريق تقديم عروض تراثية لفرق تستمد أعمالها من التراث القديم بأنواعه، ذلك منذ افتتاحه في عام 2010.
ويقول: المسرح يعمل مع 11 فرقة شعبية، جميعها فرق عالمية تقدم أعمالاً في الخارج والداخل، ويجري تقديم خمسة عروض شهرياً لهذه الفرق، وتتنوع بين الموسيقى والعروض الحركية والحكي والغناء الشعبي، وكذلك فنون الزار التي تلقى إقبالاً كبيراً من الحضور سواء كانوا مصريين أو أجانب. كما أن المسرح يحظى بشهرة كبيرة ومكانة لدى المتلقين، وحضور بارز وسط المراكز الثقافية التي تُعنى بالفنون الشعبية والتراثية.
ويختتم بالإشارة إلى مشاركة المسرح في إحياء التراث أيضاً عن طريق تنظيم مهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الشعوب »ونس« في دورته الثانية، بمشاركة فرق من أنحاء العالم كافة، للدول التي تتمتع بتراث شعبي، مثل مصر وفلسطين والهند وعمان وإريتريا والسودان.

