تأسس عام 1798 على يد مجموعة من العلماء الفرنسيين المصاحبين لحملة نابليون بونابرت على مصر، وعلى مدى أكثر من 220 عاماً، شهد تحولات بين الازدهار والانكسار، أصعبها حادث الحريق المروع الذي أتى على كثير من مقتنياته إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير، لكن ما لبث أن استعاد كثيراً من بريقه..
هذا هو المجمع العلمي بالقاهرة، الذي يثبت للعالم دوماً أن نور العلم لن ينطفئ ما بقيت الحياة، إذ يواصل العلماء البارزون الذين تشملهم عضوية المجمع، العمل على رفعته وتواصل رسالته. «بيان الكتب» راصداً محتوياته وطبيعة القيمة التاريخية والفكرية التي ينطوي عليها.
«فقدنا الكثير من المؤلفات والوثائق النادرة، وجارٍ تعويض بعضها بالتعاون مع المؤسسات العلمية المعنية في مصر وفرنسا، وبمنحة من الكتب النادرة قدمها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات حاكم الشارقة (وأيضاً سموه عضو في المجمع)».
هذا ما بدأ به حديثه إلى «بيان الكتب» د. محمد عبدالرحمن الشرنوبي أمين عام المجمع العلمي، شارحاً تأثير الحريق الذي أتى على كثير من كنوزه وكيفية تعويضها، وتابع: «من الصعب تعويض كل ما احترق، لكننا نواصل العمل على استعادة دور المجمع التنويري، وسيصدر له قانون خاص يسهم في دفعه إلى الأمام في القريب العاجل..
كما نواصل العمل على استكمال فهرسة مكتبته النادرة. وأضاف: يقدم المجمع موسمه الثقافي مساء الاثنين الأخير من كل شهر، ويصدر حوليته السنوية المتضمنة أبحاث أبرز العلماء بانتظام، كما أصدر المجمع أخيراً موسوعة مراسلات نابليون بونابرت العسكرية في مصر مترجمة عن الفرنسية.
إحياء التراث العربي
لم تمكث الحملة الفرنسية في القطر المصري سوى ثلاث سنوات، ومع ذلك استطاع الفرنسيون خلالها أن ينقلوا العلوم المعرفية الحديثة إلى أرض الكنانة وإحياء التراث العربي الذي غطته الأتربة.
ومن ذلك، إنشاء المجمع العلمي الذي دشن في 20 أغسطس 1798 بناء على قرار من رئيس الحملة نابليون بونابرت، الذي كان مولعاً بالتاريخ والحضارة المصرية إلى حد كبير، لهذا قرر إنشاء المجمع ليكون صرحاً يضم العلوم وكتب ومخطوطات الحضارة المصرية، بداية من الفراعنة وحجر الرشيد.. ومروراً بالحضارة الإسلامية وفتح مصر فوصولاً إلى عصر العثمانيين الذي اصطدمت به الحملة.
ثروات مصر
ما بين القاهرة والإسكندرية كانت النشأة، حيث دشن المجمع العلمي في البلدية في دار أحد بكوات المماليك في القاهرة، ثم انتقل إلى الإسكندرية عام 1859 بعد 58 عاماً من رحيل الحملة الفرنسية عن مصر، وكان يُعرف وقتها باسم المجمع العلمي المصري، ومن ثم عاد ليستقر في القاهرة عام 1880. وتغيرت ملامح الشعب المعرفية التي توجد فيه..
حيث بدأ بأربع شُعب فقط هي: الرياضيات، الفيزياء، الاقتصاد السياسي،الأدب والفنون الجميلة. وفي عام 1918 أجريت بعض التعديلات لتصل إلى 10 شعب، حيث شمل: الآداب والفنون الجميلة وعلم الآثار والعلوم الفلسفية والسياسة والرياضيات والفيزياء والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي.
هدف أساس
وكان بناء المجمع العلمي يهدف إلى دراسة ثروات الدولة المصرية وكيفية استغلالها من قبل الحملة الفرنسية، مع هذا قدم المجمع دراسات واستشارات حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ودراسة للعوامل الطبيعية، ونتج عنها كتاب «وصف مصر»، الذي يعتبر أكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية، عمل فيها كتيبة من الدارسين والأكاديميين الذين رافقوا الحملة، لينتجوا في النهاية أكبر مخطوطة يدوية. وللمجمع طموح كبير، حسب مسؤوليه، حيث يهدف إلى التقدم العلمي في مصر ونشر العلم والمعرفة بصورة عامة، فضلاً عن بحث ونشر وتوثيق الأحداث التاريخية.
1752
وعلى مدار القرنين الماضيين، شهد المجمع تغيرات عديدة، وكان أول من ترأسه نابليون بونابرت نفسه، ذلك خلال فترة وجوده في مصر، ليصبح المجمع أبرز حماة الثقافة والتراث المعرفي المصري والعربي، بل والعالمي، حيث يضم بين جدرانه قرابة 200 ألف كتاب، أغلبها مخطوطات نادرة، ومن أبرزها أطلس عن فنون الهند القديمة، وأطلس مصر الدنيا والعليا المكتوب في 1752..
كذلك أطلس ألماني عن مصر وإثيوبيا، يعود إلى العام 1842 وأطلس ليسوس الفريد من نوعه على مستوى العالم، وكان ملكاً لولي عهد مصر الأسبق الأمير محمد علي. إضافة إلى كتب في جميع العلوم، مثل: الفيزياء والكيمياء والأدب والاقتصاد السياسي وعلوم الآثار والعلوم الفلسفية والرياضيات والزراعة والتاريخ الطبيعي، وهي فروع احتاجت لها مصر على مر التاريخ، ولا تزال تعمل في سياقها.
مراحل
كانت نهاية الحملة الفرنسية على مصر نقطة خفوت بالنسبة إلى المجمع، فبعد مغادرة الفرنسيين مصر في 1801 توقف نشاطه لانتهاء دوره المباشر الذي أنشأه الفرنسيون، ولم يبق منه سوى جانب من مقر المعهد القديم، وكان في منزل إبراهيم كتخدا -الملقب بـ«السناري»- نسبة إلى مدينة سنار التي تعود أصوله إليها.
كما واجه المنزل المتبقي أزمة بقاء، وذلك لانخفاض مستواه عن منسوب المياه الجوفية الذي هدد بقاء المجمع وظل مهملاً بصورة كبيرة، لا سيما بعد أن جرى تدشين جمعيتين لتقوما بالهدف نفسه، الأولى من قبل قنصل بريطانيا في مصر الدكتور والن، الذي أنشأ بدوره الجمعية المصرية العلمية لتمارس دور المجمع العلمي، فيما أنشأ الإنجليزي الدكتور هنري إليوم والعالم الفرنسي بريس دافين الجمعية الأدبية المصرية في عام 1842 لتؤدي دور المجمع هي الأخرى.
واستمرت الأوضاع على هذه الأحوال حتى 1856، عندما أولى والي مصر آنذاك محمد سعيد باشا اهتماماً خاصاً بالمجمع، أسفر عن قرار بإعادة تأسيسه مرة أخرى بالإسكندرية، ودمج كل من الجمعية الأدبية المصرية والجمعية المصرية العلمية.
ولم يستمر المجمع في الإسكندرية طويلاً حتى أعيد إلى العاصمة المصرية القاهرة في عام 1880، ومن ثم بدأت أنشطته تشهد استقراراً كبيراً، وتحول المجمع إلى منارة لعديد من العلماء المصريين والأجانب، فكانت تعقد فيه جلسات شهرية من شهر نوفمبر إلى شهر مايو، وأسهم هؤلاء العلماء في تطوير أقسام المجمع، وكان يضم في أقسامه 150 عضواً، منهم 50 عضواً عاملاً و50 مراسلاً، بعضهم من مصر و50 منتسباً من الخارج.
كارثة
تبقى كارثة الحريق أصعب ما مر بالمجمع على امتداد تاريخه، فمع ثورة 25 يناير شبت فيه النيران في 17 ديسمبر 2011، خلال ما عرف بأحداث «مجلس الوزراء»، والتهمت النيران كثيراً من التراث الثقافي والمعرفي المصري، ولم ينج سوى 25 ألفاً من الكتب والوثائق من نحو 200 ألف وثيقة ومخطوطة أصلية مثلت ذاكرة الأمة منذ عام 1798..
فضلاً عن دمار واحتراق النسخة الأصلية لكتاب «وصف مصر» والدراسات العلمية النادرة الأجنبية والمصرية، وكذا احتراق الخرائط الأصلية التي استندت إليها مصر في التحكيم الدولي، بشأن حسم الخلافات الحدودية لحلايب وشلاتين في الجنوب وطابا في الشرق.
هدية ثمينة
وعلى الرغم من الدمار الذي خلفته النيران على المجمع، إلا أن محتوى المجمع العـــلمي النادر جرى إدخاله على قاعدة البيانات للمركز، في محاولة لإنقاذ بعض من الحق المصري في المعرفة العالمية. وأعيد افتتاح المجمع مرة أخرى بعد الترميم في 22 أكتوبر 2012، في محاولة لاستعادة دور المجمع، الذي يحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل لإثراء المشهد الأدبي والعلمي والمعرفي بصورة عامة.
وكان لإهداء صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، المجمع 7778 كتاباً هي من أندر الكتب، وكذا ونسخة من كتاب «وصف مصر»، قيمة وأهمية نوعيين.
خصوصاً وأنه ضمت الإهداءات باقة ثرية من الأعمال، بينها: العدد الأول من صحيفة الأهرام المصرية، لوحات فنية تاريخية لمعبد فيله من الداخل، لوحة لروبرتس في ضيافة محمد علي باشا، نسخة من كتاب «وصف مصر». إضافة إلى عدد كبير من اللوحات التي توثق التاريخ المصري على مر العصور.
قبلة الباحثين
يصف الشاعر حسن طلب، الأستاذ بكلية الآداب جامعة حلوان، المجمع بأنه ذاكـــرة الأمة وعقلها، لما يحتويه من تراث معرفي فريد من نوعه ولدوره في حماية التراث المصري. ويضيف: إن المجمع يحوي وثائق وكتباً ومخطوطات مختلفة من أزمنة متنوعة تسرد التاريخ المصري ولا تقدر بثــــمن، حيث إن أغلبها نادرة وغير متوافرة إلا بين جدرانه.
وأعرب عن أسفه لتعامل المؤسسات الثقافية مع المجمع كمتحف تراثي ينظر إليه من جانب سياحي بحث، مشيراً إلى أن المجمع ينبغي أن يكون قبلة للباحثين والدارسين ومرجعاً لإجراء الدراسات المستفيضة، ولا بد أن يجري تسليط الضوء على أهميته، وجعله موضعاً للاهتمام وتنفيذ مشروعات كبرى من خلاله.
كما يلفت طلب إلى أن هناك غض بصر عن المجمع، سواء من وزارة الثقافة أو المثقفين أنفسهم، كما أن غالبية المبادرات التي تخرج من المثقفين بشأنه، فردية لا تحظى بالالتفات أو الدعم والمساندة. وختم: المجمع ليس مجرد مبنى يضم وثائق ومخطوطات نادرة، بل هو تراث حقيقي في حاجة إلى الاستثمار، لا سيما أن إمكاناته تسمح بهذا.
Ⅶسلطان القاسمي أمده بكتب نادرة إثر الحريق أبرزها «وصف مصر»
200Ⅶألف كتاب ومخطوطة نادرة تتنوع بين 10أقسام
Ⅶمشروعات تحديث متواصلة في مقدمتها العمل على استكمال فهرسة مكتبته
Ⅶينظم موسماً ثقافياً ويصدر حولية سنوية تتضمن أبحاث أهم العلماء
Ⅶأصدر أخيراً موسوعة مراسلات بونابرت العسكرية بمصر مترجمة عن الفرنسية
Ⅶدشن في 1798 وكان الهدف منه إحياء الحضارتين المصرية والعربية
Ⅶانتقل إلى الإسكندرية بعد 58 عاماً من رحيل الحملة الفرنسية ثم استقر في القاهرة

