على مدار سنوات عديدة، اشتكى مبدعون كثر من افتقادهم للدور المحوري للنقد الأدبي، لاسيما مع تقلص أعداد من يحملون مسؤوليته، وكذا تخاذل الصحافة الثقافية عن توفير الحاضنة النقدية لإبداعات الكتاب، خاصة من جيل الشباب؛ الأمر الذي فتح الطريق أمام ظهور عديد من المواقع الإلكترونية التي تقيم وتنقد الأعمال الجديدة، معتمدة في ذلك على رؤية القارئ، إذ تقدم الكتاب وتعرف به وتترك المجال رحباً أمام القارئ، في تقييمه.. وإبداء رأيه.

انفراجة

هناك تغييرات كثيرة ستُحْدِث انفراجة في المجال النقدي، طبقاً لوجهة نظر الناقد الأدبي د. صلاح فضل، ومن أهمها تأثيرات الوسائط الحديثة لمواقع التواصل الاجتماعي. إذ يعتقد فضل أنها أفرزت عدداً من الكُتّاب لا يمكن اعتبارهم مبدعين حتى يثبتوا ذلك بالفعل من خلال تقييم أعمالهم..

ومن ثم ربما أنها تكون نافذة لظهور جيل جديد من النقاد سيستكملون مسيرة جيل المخضرمين. ويلفت إلى ظهور بعض الدعوات على مستوى العالم، منها نظرية ودعوات إلى تجاوز النقد بعد أن »مات النقاد والنقد« ظهرت في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن مثل هذه الصيحات يمكن أن تتطابق مع الحالة الثقافية في مصر وفي كثير من البلدان العربية.

ويستطرد: انه لا يمكن إنكار أن للأدب مستويات متعددة وأن القادرين على التعامل مع هذه المستويات وإعطائها حقها من التحليل والدرس والبحث والشرح هم المتخصصون من النقاد، إلى جانب المتذوقين من القراء، ومن ثم لا يمكن أن يستوي العمل العظيم مع الرديء؛ لذا لا بد من وجود حكام لهذه الأنواع الأدبية، هؤلاء الحكام يخضعون إلى شروط قاسية حتى يمكنهم حمل راية النقد، التي لا يمكن أن تختطفها بعض الظواهر وليدة الميديا.

تنفيس

يرى الروائي مكاوي سعيد أن مواقع تقييم الكتب لا تمثل منبراً نقدياً يعتد به، إذ تخضع الآراء فيها إلى أهواء القارئ وما وصل إليه من مراحل في القراءة، فالقارئ في هذه المواقع تتباين قراءاته وميوله ومستوى لغته ما بين عامية وفصحى وفصيحة، وهو ما يؤثر على رأيه الذي يعبر عنه.

ويستطرد سعيد: أيضاً، ربما تكون غالبية مرتادي هذه المواقع من القراء الجدد من جيل الشباب الذين يفتقدون الخبرة، إذ إن النسبة الأكبر من القراء القدامى لا تتوافر لها القدرة على التواصل مع »الســـوشيال ميديا« الحديثة، وبالتالي ينعكس ذلك على مدى تقييمها للعمل الأدبي. لا يمكنني الاعتداد بآراء هذه المواقع ولا يمكنني اعتبارها مقياساً لنجاح الكتاب أو فشله، ففي هذه الحالة من يقدم »نقدًا« لا يملك أدواته الحقيقية، ومن ثم فإن رأيه يفــــتقر إلى كثير من الجدية والنضج.

ويؤكد صاحب رواية »أن تحبك جيهان« أن مواقع تقييم الكتب تأثيرها محدود في محيطها، ولا تؤثر على طبيعة تطور الكاتب أو مستوى مبيعات الكتب، ومن ثم لا يمكن أن تعتبر بديلا عن النقد، إذ إنها منفذ للتعبير عن الرأي وليست نقداً قائماً على أسس حقيقية. ويشدد على أن النقد حقل خاص لا يمكن اللهو فيه، ويعتبر المقياس الحقيقي لتقييم العمل ومستوى تطور كاتبه؛ طبقاً لآليات تحليلية واضحة بعيداً عن الأهواء والتفاسير الخاصة.

تنفيس

يثني د. محمد عفيفي، أثنى الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، على هذه المواقع، معتبراً أنها مجال جيد للتنفيس عن الروح النقدية بعيداً عن التأويل النقدي، حيث تتيح هذه المواقع المجال أمام القارئ ليعبر عن رؤيته ومعايشته وإحساسه للعمل.

ويلفت عفيفي إلى ضرورة دعم هذه الصفحات وزيادتها للتعبير عن وجهة نظر القراء، معتبراً أنه رغم الخلاف مع هذه الصفحات حول جودتها إلا أنها تسهم بشكل أو بآخر في توسيع رقعة القراءة والاهتمام بجديد الكتب، وتتيح للقارئ التعامل المباشر مع الكتاب والخروج من إطار المستقبل والمتلقي فقط إلى المشاركة في عملية تحليل وتقييم العمل.

وينبه عفيفي ضرورة وعي حقيقة أن ما تستخلصه هذه المواقع من آراء، لا يعني بالضرورة التحليل التام للعمل الفني، ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها بنسبة 100% لتكوين رؤية نقدية شاملة وصحيحة، مشددا على أن النقد لا يزال هو الأساس ولا يمكن إخراجه من المعادلة.

ويوضح عفيفي أن الناقد الأدبي يعتمد على آليات خاصة في القراءة والتحليل، لا تكون فقط من خلال الرؤية السطحية التي يستخلصها من القراءة الأولية، بل يطرح أبعاد العمل الأدبي ويحلل اللغة وجماليات العمل التي يتذوقها القارئ، من دون التطرق إلى تحليلها بصورة عميقة تعتمد على أدوات عملية صحيحة. ويختم داعياً إلى ضرورة لعب هذه المواقع دوراً داعماً للكتاب والنقد في آنٍ واحد، مشيراً إلى أن وجودها يمثل انتعاشة في عالم الكتاب والقراءة.

غير مؤثرة

يشير الناشر فتحي المزين، صاحب دار »ليان« للنشر والتوزيع، إلى أن مواقع تقييم الكتب أمر موجود لكنه غير مؤثر في تحديد مستوى العمل الأدبي المطروح، حيث إن أعضاء هذه المواقع ليسوا مؤهلين بأدوات النقد الصحيحة، مقارنة بعدد الذين يقرؤون، ويعتبر أن هذه المواقع مهمتها الأساسية تفريغ شحنة نقدية لدى القارئ ليس أكثر، فهي لا تقدم بُعداً تحليلياً..

ولا يمكن اعتبارها بديلاً للنقد، فرغم غياب الصحف الثقافية المتخصصة، فالقارئ يظل قارئاً. ويفسر: القارئ ما هو إلا ذواق، والذواق ليس بمقدوره التحليل والتفنيد، فمحب الطعام ليس بالضرورة قادراً على طهيه أو تحليله، وهذه الحال ذاتها في القراءة والكتابة، فوجود مثل هذه المواقع لا يعني موت الناقد أو تنازله عن حقه في وجهة نظره التي ينتظرها الكتاب.

ويتابع: الكتاب الكبار الواثقون من كتاباتهم يسعون إلى تطوير أنفسهم ولا يعتدون بهذه المواقع كمرجع تحليلي، بل يأخذون منها رؤية القراء ويسعون إلى دعمها من خلال آراء النقاد، وهي التي تبني لهم الغد في عالم الإبداع والكتابة. كما أن تأثير هذه المواقع محدود، سواء في تحليل الكتب أو في تحديد نسبة مبيعاتها..

فالكاتب الذي يتواصل مع قرائه من خلال هذه المواقع، من دون امتلاكه موهبة حقيقية سيعزف عنه الجميع مع كتابه التالي، بعد أن يتضح مستواه الأدبي الحقيقي ومدى محدودية موهبته وما يمتلكه من أدوات لا تزال بحاجة إلى دعم وصقل وتطوير.

مهمة ولكن

تظن الكاتبة سلوى بكر أن هذه المواقع »الشعبوية« لا تقر أهمية الكتاب أو جودته أو استحسانه جماهيرياً، موضحة أنها ترتبط بجمهور الوسائل الحديثة فحسب، ولا يمكن معرفة كيفية تفكير جمهورها، فهذه المواقع لها جمهور معين وتتعامل مع كتب محددة، ولا تمثل مقياساً حقيقياً لانتشار الكتاب..

وبذا يبقى النقد الجهة المتخصصة والمعنية بتحليل الكتب. وتوضح بكر أن النقد لا يمكن تجاوز دوره، وله متخصصوه والقائمون عليه، ولا بد من احترامهم واحترام آرائهم، فضلاً عن الأخذ في الاعتبار، آراء القراء وما يفهمون من الكتب التي يقرؤونها.

«موت الناقد» قاد إلى تدهور مستوى الأدب

تضاؤل حضور وتأثير الناقد الأدبي، وكذا مكانته، موضوع جوهري ناقشه الناقد البريطاني رونان ماكدونالد، في كتابه »موت الناقد«، مشدداً فيه على أنه لم تعد عملية النقد الأدبي جديرة بالاعتبار والتعويل عليها. وفي الخصوص، يقدم ماكدونالد سلطة القارئ على سلطة الناقد..

مؤكداً أن فن النقد في صورته التقليدية التي يمثلها الناقد المخضرم لم تعد هي السائدة في تقييم العمل الأدبي، بل أصبحت مهمة النقد الآن بيد »السلطة الرابعة«، التي تأتي بعد سلطة المؤلف وسلطة الناشر والناقد، وهي سلطة القارئ الذي لا يخضع لأي سلطة أو توجيه غير رؤيته وميوله في اختيار الكتب التي يحب أن يقرأها.

كما يوضح أن مجموعات القراء التي تبث على مواقع التواصل الاجتماعي تلقى رواجاً كبيراً من القراء وتقدم رؤية تحليلية ونقدية -إن جاز التعبير- لبعض الأعمال أو أكثرها قراءة في الفترة الأخيرة، وهو ما يعتبره البعض بمثابة خلق لأساطير أدبية افتراضية لا تتعلق بالبعد النقدي.

«غوود ريدرز»..القارئ حكماً ومرجعاً

تأسست شبكة »غوود ريدرز« الإلكترونية الاجتماعية، في عام 2006، على يد المبرمج الأميركي اوتيس تشاندلر. وباتت حاليا ذات شهرة فريدة. إذ إنها تهتم بالكتب وتوصيات القراء والمؤلفين، حيث تحولت إلى مسرح كبير لاستقبال الآراء من دون حجْر أو تنظير. ووصل عدد الأعضاء المسجلين في هذه الشبكة / الموقع، إلى أكثر من مليون عضو، شاركوا في ما يزيد على 10 ملايين كتاب.

ويصنف هذا الموقع راهناً كونه الأكثر رواجاً في العالم ضمن مواقع تقييم الكتب، لأقدميته، كما أنه لا يهدف إلى الربح، ويشكل روابط مع مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، مثل:

الفيسبوك وتويتر. من أبرز مميزات الموقع التي تجعل القراء يتلهفون الى إنشاء حسابات فيه، أنه ينظم الكتب التي نريد أن نقرأها، ويجعل القارئ على تواصل مع أصدقائه واطلاع دائم على آرائهم والرؤى النقدية التي تحيط بالكتاب والمطبوعات. والموقع متعدد اللغات ويسمح بتصفح الكتب من لغات مختلفة.

انسحاب النقاد وتهرب الإعلام ..معضلة تشتد

يُرجع عديد من المبدعين، شعبية وانتشار مواقع تقييم الكتب إلى تدهور مستوى النقد وعزوف الجهات المعنية بالاهتمام به وتقديم سبل الدعم للانتشار والوجود بصورة صحيحة في الصحف ووسائل الإعلام، مشيرين إلى أن الإعلام عليه عبء كبير في إبراز النقاد والتعامل معهم بصورة صحيحة، كما يقدمهم الغرب، وهو ما يزيد من قوة الأدب والكتابة بصورة عامة ويزيد من اتساع الإبداع ونجاحه.

ويشير هؤلاء إلى أنه تعاني الصحف الثقافية من تراجع كبير في وقتنا الحالي؛ نظراً لقلة التمويل أو انعدامه، كذلك بفعل ضعف الإقبال على هذه الأنواع من المجلات والصحف المتخصصة.