هل أضرت التكنولوجيا بالثقافة أم أفادتها، وهل سحبت مواقع التواصل والمنتديات وغيرها من مفردات الشبكة العنكبوتية البساط من الكتاب ومختلف الأنماط الثقافية، أم أنها أتاحت لها فضاءات جديدة، وهل يمكن أن تكون العلاقة بين التكنولوجيا والثقافة علاقة تحالف وتكامل بدلاً من التناحر والتصارع؟

»بيان الكتب« يناقش القضية مع مثقفين ومتخصصين، عاكساً تباين رؤاهم في الصدد. فبينما مال البعض إلى تأكيد أضرار التكنولوجيا بالثقافة، شدد آخرون على أنها أسهمت -ولو نسبياً- في ضخ جمهور جديد إلى عوالم القراءة.

رغم وجود دراسات عديدة تؤكد تراجع معدل قراءة العرب للكتب. إلا أنه -وفي المقابل- أسهمت الثورة المعرفية، بفعل التأثيرات التكنولوجية، في إحداث نقلة نوعية في القراءة لدى قطاع عريض من المتلقين للشبكة العنكبوتية على مختلف شرائحهم، بفعل التعاطي مع »الكمبيوتر« وفهم لغته، حتى أضحت لغته سهلة وسريعة للمعرفة، إضافة إلى أن غالبية شرائح المتلقين يتعاملون مع »الإنترنت« على أنه وسيلة معرفية.

وحسب الجميلي أحمد، مؤسس دار وعد للنشر، فإن التسويق الإلكتروني للكتب، غدا حالياً، من أهم وسائل زيادة معدلات البيع، بل أصبح العائد من التسويق الإلكتروني في بعض الأحيان، أفضل بكثير من وسائل التسويق التقليدية، لافتاً إلى أن هذا النمط يعتمد على عديد من المنافذ، مثل:

الإيميل، المواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، تهيئة المواقع لمحركات البحث، التسويق عبر الهواتف الذكية. ويشرح أحمد أنه لجأت المكتبات ودور النشر إلى إنشاء مواقع إلكترونية خاصة، غاية استخدام الإنترنت في الدعاية لمطبوعاتها الخاصة. كما يوضح أن »وعد للنشر« ستنشئ موقعاً جديداً يضم جميع الإصدارات التي نشرتها، وسيتنوع في مضامينه ليشتمل: الفعاليات التي تقيمها الدار، الأخبار الثقافية. ليصبح بذلك مرآة للحركة الثقافية بشكل عام.

وهو يشير أيضاً، إلى أن الدار تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لجذب القراء، وعلى رأسها: »فيس بوك« و»واتس آب«.

تطبيقات

»انتشار الوسائل التكنولوجية الحديثة، بات بمثابة طوق النجاة لعملية تسويق الكتب المنشورة بشكل أكبر فاعلية«. هذا ما ذهب إليه الناشر محمد عبدالفتاح في خصوص المسألة المطروقة، مؤكداً في الوقت نفسه، أن بعض دور النشر العربية استفادت بالفعل في ترويج كتبها من خلال تلك التطبيقات.

ومن بين أبرز المكتبات والدور التي دشنت تطبيقات التسويق: دار الكتب في أبوظبي، مكتبة نون، دار الثقافة العلمية، مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع، »مدارك للنشر والتوزيع«، و»المسيرة«.

الكتاب الإلكتروني

ويرى أحمد رشاد، عضو اتحاد كُتاب مصر، أن البيع الإلكتروني لا يزال محدوداً داخل وطننا العربي، كون قوانين تنظيم عملية البيع الإلكتروني تحتاج إعادة نظر، خاصة أن كثيرين لا يثقون حتى الآن في استخدام بطاقات الائتمان، إلى جانب عدم وجود نسخة عربية لغالبية مواقع البيع العالمية، وهو ما يتسبب في عزوف الجمهور العربي عن تلك المواقع.

ويضيف: إن وجود الكتاب الإلكتروني من شأنه أن يحل أزمتين تخصان القراءة، أولاهما أن غالبية أمكنة وجود دور النشر تتركز في العواصم أو المدن الكبيرة، ما سيجعل توافر الكتاب الإلكتروني على الإنترنت متنفساً لباقي المدن التي ليس فيها مكتبات بكثرة، وثانيتهما أن الكتب الإلكترونية أرخص من الورقية، وهو ما يسهل على المشتري اقتناء كتب أكثر لا تتاح له عادة بالنسبة للنسخة الورقية.

كما يشير عضو اتحاد كتاب مصر، إلى أن الكتب الصوتية أصبحت هي الأخرى ثمرة مهمة من ثمار التكنولوجيا الداعمة للثقافة، بفضل الإلقاء الصوتي.. أو عن طريق تقنية جديدة تحول النص المكتوب إلى مسموع، ما يسهل ويوفر كثيراً من الجهد، لا سيما بالنسبة لمن يعانون إعاقة بصرية أو حركية..

كما إنها عملية تختصر الوقت وتتيح القراءة لأي شخص في أي مكان، إذ إن الأمر يستلزم سماعة وجهاز محمول فقط. ويلفت رشاد إلى استخدم ذوي الاحتياجات الخاصة، من برامج مشابهة تحول الكتب العادية إلى لغة الإشارة »مفيدة لفاقدي السمع والرؤية«.

تنمية العادات القرائية

تتمحور فكرة التسويق التقني حول نقل الخبرة التسويقية المعمول بها في القطاع الربحي، إلى نظيره غير الربحي، فالمكتبات، برأي د. حسين البنهاوي، أستاذ الوثائق والمكتبات، يمكنها الاستفادة من علم التسويق في تحقيق الأهداف والوصول إلى النتائج المطلوبة.

ويتابع: لا يمكن تصور أن نجعل من القراءة وسيلة للتنوير من دون أن يكون لدينا خطة واضحة في إنتاج مواد القراءة وتوزيعها، سعياً إلى تنمية قدرات الأفراد على القراءة وجعلها مصدراً أساسياً من مصادر المعرفة وإشباع الحاجات وزيادة الإحساس بالسيطرة على ما يقع حولهم من موضوعات وأشياء وأحداث.

ولا ننسى أن طبيعة التطور في المجتمع تتطلب إثارة ميول جديدة تساير التغيرات التي شملت جوانب حياته، وإخماد ميول قائمة لا تتلاءم مع هذا التطور.

مضر أحياناً

يشدد الروائي مكاوي سعيد على أن التطور التكنولوجي الهائل ساند بشكل كبير الحركة الثقافية، وأفادها في كثير من الجوانب، غير أنه يذكر بعض السلبيات التي أفرزتها التكنولوجيا وأثرت سلباً على الحياة الثقافية..

مشيرا، على سبيل المثال، إلى موقع »الجود ريدز« إذ إن الانطباعات القرائية فيه تحوِّل بعض الكتب التافهة إلى كتب ذات قيمة كبيرة، وبسبب كتابة تعليقات إيجابية تروج لهذه الكتب لمؤلفين يجيدون استخدام التكنولوجيا وتوظيفها لحسابهم، ذلك على حساب أخرى أكثر قيمة كتابها لا يهتمون كثيراً بالترويج التقني لأعمالهم.

وينبه مكاوي إلى سلبية أخرى للتكنولوجيا: ظاهرة الكتب الإلكترونية المسروقة، شارحاً أنه يشتري قراصنة الكتب الأعمال الأدبية ثم يصورونها ويحولونها إلى كتب بصيغة الـ»بي دي إف«، وهو الأمر الذي يضر بشكل كبير، بالكاتب ودار النشر، وربما يعرضهما للإفلاس فيما بعد.

أزمات تسويق

يجزم سعيد عبده، رئيس اتحاد الموزعين العرب، بأن النشر يواجه مصاعب وأزمات جمة متشابكة، وفي مقدمها تزايد فكرة أو ظاهرة الناشر المؤلف، الذي يطبع الكتاب على نفقته ويمارس دور الناشر والموزع. كذلك يحكي عن تزايد أعداد الكتب الصادرة في السوق المصرية والواردة إليها من الخارج، بجانب عدم وجود خبرة ولا مقومات للنشر لدى العديد من القائمين على تلك المهنة.

ومن بين الأزمات الأخرى التي يستعرضها: عدم وجود خطة واضحة للنشر، وغياب أي دور واضح لاتحاد الناشرين في إعداد وتأهيل الناشر لممارسة دوره. وهكذا يخلص إلى أن التسويق والتوزيع الإلكتروني ساهما بقدر كبير في إحداث رواج قرائي بمستوى جيد لا بد من العمل على زيادته في قادم الأيام.

الشرق والغرب.. خلل في توازن الكم المعلوماتي

استطاعت الثقافة الغربية أن تبسط هيمنتها بشكل كبير على العالم مستخدمة في ذلك التكنولوجيا، على عكس البلاد العربية التي تعجز عن نشر ثقافتها حتى في إطار الدول العربية ذاتها، الأمر الذي يؤكد أن هناك خللاً ما في النقل الثقافي بين هذه البلدان.

ومن أهم المواقع الثقافية التي أطلقها الغرب وساعدت في إثراء المحتوى الإلكتروني الثقافي موسوعة ويكيبيديا، إضافة إلى مواقع المكتبات العامة، وبعض تطبيقات محرك البحث جوجل، وغيرها من المنصات الإلكترونية، والتي يستطيع الباحثون والقراء من خلالها الاستفادة بشكل كبير دون الحاجة إلى الابتعاد عن البيت أو جهاز الكمبيوتر.

أما فيما يخص حقوق الملكية فإن مصممي المواقع يقترحون إضافة خاصية عدم نقل الموضوعات، والتي لا تمكن القارئ من نسخ أي من المقالات المكتوبة على الموقع الخاص بالكاتب، ما يجعل أمر النقل عسيرا ويستلزم كتابة أخرى من جديد.

وفيما يتعلق بحفظ بيانات الكاتب فهي الأخرى يمكن تطبيقها بسهولة، إذ يقترح المبرمجون عدم كتابة أي بيانات قد تحرج الكاتب مستقبلاً، وكتابة ما يحتاجه فقط للتعامل في الإنترنت. أما لمنع شركات الإنترنيت من رصد تحركاته فيمكن استخدام كل موقع في متصفح ويب منفصل من المتصفحات المتنوعة، ويمكن تشفير الرسائل المرسلة على البريد الإلكتروني بواسطة تقنيات معينة.

الحوار بين الثقافة والتكنولوجيا بوجهه الجدلي مستمر

ترى شريحة واسعة من المثقفين والمتخصصين في مجال التكنولوجيا الرقمية، أن الحوار بين الثقافة والتكنولوجيا بوجهه الجدلي، سيدوم، وربما يتحول في أحايين كثيرة إلى حالة صراع، خاصة عندما تفتقد الثقافة دورها الذي كانت تمارسه سابقا، بتأثير سيطرة وهيمنة التكنولوجيا ووسائلها الإعلامية، وكذا تأديتها أدواراً ثقافية استهلاكية ثانوية، بالنيابة عن الثقافة ووسائلها التقليدية المعروفة: صحف، مجلات، كتب، محاضرات.

وتشير مراكز دراسات كثيرة في هذا الخصوص، إلى أنه تمتلك تكنولوجيا الاتصال اليوم مفاتيح الثقافة، وتقوم بعملية الاختراق الثقافي مهيئة سيطرة الثقافات القوية تكنولوجيا على الضعيفة..

وبحسب د. نبيل علي في كتابه »الثقافة العربية وعصر المعلومات«، باتت الثقافة متأثرة بالتكنولوجيا إلى حد بعيد، وبواسطة التكنولوجيا المتطورة نجحت الدول الغربية في نشر ثقافتها عبر المحيطات والقارات.. والسؤال الأساسي الذي يطرحه علي في إطار العلاقة المحورية بين الثقافة والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على هذه التكنولوجيا:

من يكون له حق القيادة، أو بتعبير آخر: هل الثقافة تابعة للتكنولوجيا أم التكنولوجيا تابعة للثقافة؟ وهنا يظن د. نبيل علي في إجابته عن التساؤل، أن الباحث تسلم القيادة المجتمعية لقاطرة الثقافة، فالثقافة بحكم طبيعتها ترفض التهميش والاختزال.