لكل كاتب أدواته ومفرداته ولغته، والأصل أن يكتب الجميع بلغة عربية فصيحة؛ إلا أن كثيرين يرون في الكتابة بمفردات الشارع العامية، السبيل الأنجع والأقرب غاية استقطاب القراء، والذين ربما لا يكون بمقدور بعضهم التعامل مع النصوص الرصينة والبليغة. فهل بات المبدع بين »سندان« الاضطرار للتخلي عن لغته الفصيحة والتواصل مع القراء باللغة التي يفهمومنها.. وفي المقابل »مطرقة« العزوف الجماهيري، ذاك في حال فضّل الاستمساك بالفصحى رافدا لكتاباته؟

»بيان الكتب« يستجلي آراء وتصورات مجموعة كتاب في خصوص هذه المسألة، راصدا تفسيرهم لحيثياتها وأشكال تخطي العقبات في شأنها، لحفظ سلامة الإبداع وتحقيق المبدع هدفه في استقطاب الناس.

الروائي إبراهيم عبدالمجيد، يؤكد أن اللغة أحد المحركات الرئيسة للعمل الأدبي، ويجب أن تتسم بالجمال والبلاغة حينما يتلقاها القارئ. ويوضح، رغم رأيه ذاك، أن العمل الأدبي يختار لغته وليس العكس، حيث يحتّم مناخ الشخصيات وثقافتهم وحياتهم على الكاتب، التحدث بلغتهم.

ويستدل عبدالمجيد في رأيه هذا، باللغة التي ابتكرها رائد المسرح الذهني توفيق الحكيم، والتي عُرفت بـ»اللغة الثالثة«. ويتابع: إنها لغة جمعت بين الفصحى البسيطة والعامية الراقية. واتسمت بجماليات خاصة، وفيها إمكانات أدبية كبيرة وبلاغة خاصة لم تكن متوافرة في »العامية«، لهذا أُفضِل الكتابة بها، إذ تفتح مجالا واسعا لاستخدام الكثير من المصطلحات والبلاغيات.

ويشير الروائي المصري إلى أن المبدع يكتب ما يؤمن به ويرى أنه يخدم فكرته ويبلورها، ولا ينبغي أن يكون همه الأول الرضا الجماهيري؛ لأن رضا الناس جميعا غاية لا تُدرك.

حدان

يجد الكاتب الصحفي صلاح عيسى أن أزمة اللغة قديمة قِدَمَ الأدب، وظهرت أكثر مع ظهور عاميات مختلفة مستخدمة في الأشكال الأدبية، ويلفت إلى أن اختلاف العاميات سلاح ذو حدين، حيث إنه يمكن أن يحجب الأدب داخل جماعة أو دولة أو قومية، ويستشهد الروائي بأدب المغاربة الذي يبتعد عن فهم غالبية البلدان العربية، رغم جودته ومستواه الرفيع.

ويقول عيسى، حول ضياع جماليات اللغة باستخدام العامية: »لا يمكن الجزم بأن العامية تخلو من الجماليات، فأدباء القرن العشرين أثبتوا عكس ذلك..

وهو ما وضح في لغة يحيى حقي وعبدالفتاح الجمل ونجيب محفوظ أيضا، كما أن استخدام اللغة في الأدب يكون من منطلق ما يراه ويلمسه الأديب في الحياة، والعامية لغة حياة، وإذا لم يراعِ الكاتب الجمهور الذي يخاطبه فلم يكتب إذن؟«.

أخطاء

اللغة العامية لا تضع اللغة العربية أو الأدب في مأزق على الإطلاق. هكذا تنظر فريدة النقاش إلى نتائج ومخرجات هذه المسألة الإبداعية الإشكالية، مؤكدة أن العامية لها تراث لا يستهان به.

وربما أنه لا يصل إلى عمق تراث اللغة الفصحى، مشددة على أن هذا يشدد على الحضور القوي للعامية في الأدب المصري على وجه خاص، كما أن للشعر العامي، سواء في مصر أو في الدول العربية، حضورا كبيرا وجمهورا عريضا يستمتع بهذه الأعمال، ويجدها تعبر عن لحظات خاصة.

غير أن الكاتبة تبدي أسفها على عديد من الأخطاء اللغوية الشائعة والتكوينات الخالية من الجماليات، والتي باتت تسيطر على غالبية الأعمال المكتوبة بالعامية، معتبرة ذلك بمثابة خطورة بالغة على الأعمال الأدبية واللغة بصورة عامة، سواء كانت فصحى أو عامية.

وتعتبر فريدة أن لكل لغة كتابية جمهورها، وأنه، ورغم وجود كثيرين لديهم القدرة على فهم النصوص المكتوبة بالفصحى، إلا أنهم يفضلون قراءة الأعمال المكتوبة بالعامية لما يجدونه من قرب فيها إلى حياتهم اليومية، بينما هناك من لديهم قدرات قرائية محدودة. كذلك، وبالتوازي، هم يجتهدون في قراءة الأدب الفصيح ويعتبرونه أكثر ثراء وإبداعا.

تسطيح

الكاتبة سلوى بكر ترى أن للغة وظيفة موضوعية داخل النص، وهي التعبير عن عوالم الشخصيات المطروحة ومرجعيتها ومستواها الفكـــــري والاجتماعي؛ لذا ينبغي أن يكون لكل عمل لغته الخاصة.

وتضيف: العامية جزء لا يتجزأ من اللغة الأم، لكنها يمكن ألا تتلاءم بالضرورة مع الأعمال الأدبية، إذ توجد تجاوزات في العامية المستخدمة في الأدب حاليا، بخلاف العامية التي استخدمها كبار الكتاب، مثل: إحسان عبدالقدوس وتـــوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.

وترجع سلوى تردي مستوى اللغة - سواء لدى شباب المبدعين أو لدى بعض كبار الكُتَّاب - إلى عدم بذل الجهد المطلوب للارتقاء بالعمل الأدبي إلى مستوى الإبداع والتعبير عن إشكالية النص وجمالياته؛ وعليه فهي تشدد على وجوب أن يعــنى الأدباء الشباب والكبار بالبحث في بحور اللغة واستغلال جماليات اللغة العربية، سواء كانت عامية أو فصحى.

كما تلفت إلى أن غالبية الكتاب الشباب ليسوا على إطلاع كبير بجماليات الفصحى الحقيقية، الأمر الذي يؤدي إلى تسطيح اللغة المستخدمة، وهذا يؤكد ضرورة إطلاع الشباب على اللغة العميقة ومعرفة مستوياتها واختيار ما يلائمهم في النهاية، مع ضرورة إدراك جميع مستويات اللغة حتـــى تتحقق وتترسخ ثمار المعرفة الكاملة.

فخ

لا يفرز أدب العامية أية نتائج سلبية أو أزمات، وفق تــــصور الأديب مكـــاوي سعيد، ولكن ما يحتاجه واقــــعنا الإبداعي والثقافي العام، كما يــــظن، المزاوجة بين سياقي اللغة الفصحى والعامية على أساس خطة ومنهج لا تكون العامية فيه ومعه، مبتذلة ومنسوجة بلغة الغوغاء! ويستطرد سعيد: نريد عامية كتلك التي استخدمها الكبار، أمثال فؤاد حداد وبيرم التونسي وصلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي وأحمــــد فؤاد نجــم وسيد حجاب..

وغيرهم من شعراء العامية المبرزين. ولا بد أن نعي أن للعامية مستويات؛ منها الراقي ومنها الوضيع، وعلى الأديب أن ينتقي اللــــة التي تتلاءم مع عمـــــله، من دون إيقــــاع العــــمل الأدبي في فــخ اللغة الركيكة الوضيعة، رغم استخدامه للغة العامية.

عزلة

يبدي الكاتب عبدالوهاب الأسواني، تخوفه من تغول الأدب العامي على مستوى الإبداع العربي، مشيرا إلى أنه يزيد من خطر عزلة الدول العربية، مدللا على حقيقة ودواعي خوفه ذاك باختلاف اللهجات والعاميات العربية..

فرغم أنها تعزز محلية العمل وانتشاره في سياق حدوده، لكنها أيضا، تصعِّب من توسيع دائرته على مستوى العالم العربي، وبهذا فهي تكسر أواصر التواصل بين الشعوب والثقافات العربية، ومن ثم تفتقد اللـــغة عنصر الربط بين الدول العربية. وبناء على هذه الحقيقة وأبعادها، يظن الأسواني أنه لا مفر من التمسك باللغة الفصحى وتفضيلها على العامية..

مبينا في الصددد، أن في الفصحى جماليات كبيرة تدعم التعبير عن انفعالات الشخصيات ومتغيرات العمل الأدبي، هي فعليا، أكثر من نظيرتها الموجودة في العامية، والتي تســــطّح العمل، بحسب رأيه.

جماليات

كان للناقد الأدبي د. صلاح فضل رأي يغاير تلك الاتجاهات والرؤى التي تشرح واقع العامية والفصحى وعلاقتهما وأفضيلة وتميز أي منهما:

العامية لا تعادي الفصحى ولا تعد ضرتها كما يزعم البعض، بل إنها وليدة الفصحى، وجزء لا يتجزأ منها، فضلا عن أن لها جمالياتها الخاصة الرشيقة التي تستطيع من خلالها الوصول إلى لغة المواطن في الشارع. ويوضح فضل أيضا، أن العامية ساندت اللغة الفصحى في كثير من الأحيان، وحلت مكانها أثناء وجود عراقيل أمام استخدام اللغة الفصحى، هذا علاوة على كونها محببة بالنسبة للقارئ.

لكن صلاح فضل، ومع هذا الرأي، يشدد على أن اللغة العامية لا تتلاءم مع الكتابة السردية، رغم ملاءمتها لكتابة الحوار بين الشخصيات، حيث إنها تتواكب مع لغة الحوار الدائر في العمل الأدبي، إذ إنها مستقاة من الواقع. ويعتقد فضل أن اللغة الفصحى تتمــــيز بالجمود والرسوخ، مقارنة باللغة العامية المرنة التي تحقق المعادلة الصعبة، مشيرا إلى أن استخدام اللغتين يعتمد على العمل الفني نفسه واللحظة التي تُكتب، فالوصف يختلف عن الحوار.

ويختم الـــناقد الأدبي مشددا على ضرورة الارتقاء باللغة العـــامية المستخدمة، لافتا إلى أن العامية لا تعني انحطاط النص وركاكة اللغة والبلاغة، إذ لها مفردات بلاغتــــها التي لا ينبـــغي تجاهلها.

اغتراب

ترى دراسات متخصصة أن الأدب المغربي، رغم تطوره وتمتعه بسمات أدبية تعتمد على الحداثة، يواجه صعوبة في الانتشار في العالم العربي، لاعتماده على اللغة المزدوجة: ما بين الفرنسية والعامية المغربية، وهو ما ساهم في اغتراب الأدب المغربي عن القارئ العربي في الأقطار العربية كافة.

وفي أمثلة بعض النماذج، نتبين أنه يعتمد الكاتب الجزائري واسيني الأعرج على الكتابة المختلطة: ما بين العربية والفرنسية. وكذا يعتني الأديب التونسي الحبيب السالمي بالفصحى والعامية في كتاباته.

حين خشي طه حسين على الفصحى من عامية بيرم

تحفل سجلات تاريخنا الادبي والابداعي، بمواقف وتشابكات بلاغية ونقدية، شائقة، بين كتاب مبرزين هم في صلب موضوع المقارنة والمفاضلة، بين العامية والفصحى، ففي القرن الفائت، ومع غزو الكتابات العامية للأدب والشعر العربي، تباينت ردود الأفعال حول الكتابة بالعامية أو الفصحى، وظهر قطبا الحداثة والأصالة.

وعن ذلك كتب حينذاك، عميد الأدب العربي، الراحل د. طه حسين: »أخشى على الفصحى من عامية بيرم«. ذلك في إشارة إلى شاعر الزجل بيرم التونسي، الذي وصفه أمير الشعراء أحمد شوقي بأنه يقدم زجلا فوق مستوى العبقرية.

وكان لطه حسين موقف آخر مشابه، في شأن نتاج ونهج الأديب الدكتور يوسف إدريس، لتداخل الفصحى بالعامية في حوارات القصص التي يكتبها.

كما وظّف الأديب إحسان عبدالقدوس اللغة العامية مع الفصحى في كتابة الحوار بين شخصياته، وفق حاجته إليها في القصص القصيرة.

ضرورات إبداعية تحكمها بيئة العمل.. وشخصيات الحكاية تفرض اختيار اللغة يعزو كثير من الأدباء والباحثين، تراجع الأدب إلى تردي اللغة المستخدمة في بعض الكتابات الحديثة، معتبرين أنها لا تنتمي إلى مستوى اللغة الثالثة التي أسس لها توفيق الحكيم واعتمد عليها في أعماله..

ومشيرين إلى أن انتشار اللغة العامية في الوسائط المرئية، مثل: السينما والتليفزيون. ذلك بموازاة ترسخ ابتعاد الأفراد عن قراءة اللغة العربية، أسهم في تردي اللغة الأدبية.

ويرى بعض الدارسين أن اللغة لا تمثل مشكلة في الأدب، وأن الأزمة باتت قديمة مقارنة بالقرن الماضي؛ نظرا لانتشار اللهجات العديدة. كذلك يرى آخرون أن لغة البيئة التي تدور فيها الأحداث هي الدافع الأساسي لاختيار اللغة الخاصة بالنص، وأنه يجب أن تتحدث الشخصيات بلسان حالها، وهو ما يدفع مجموعة أدباء للجوء إلى العامية.. مبررين توجههم ذاك بانه من غير المنطقي أن يتحدث السائق بلغة الأديب، ولا الطبيب بلغة العامل البسيط.