تتنسم بين جدرانه عبق التاريخ والحضارة، وتلمح بين مقتنياته وجهاً أصيلاً للثقافة العربية والإسلامية، كيف لا وهو معهد المخطوطات العربية الذي ما انفك يرصد الغالي والنفيس في سبيل اقتناء أية مخطوطة ومادة تراثية من شتى مكتبات وبقاع العالم.

وهكذا فإن المعهد، والذي يتخذ من حي المهندسين بمحافظة الجيزة المصرية مقراً له، اختار أن يتحمل مسؤوليات حماية مكون مخزوننا الفكري التاريخي، محتفظاً بين جدرانه بآلاف الكنوز الثمينة التي تركها علماء الأمة عبر الأجيال. «بيان الكتب» تجول بين أرجاء المعهد والتقى القائمين عليه، مطلعاً على طبيعة محتوياتها وأدواره.

قبل 70 عاماً، وبالتحديد في 1946م، العام الذي أنشئ فيه المعهد، وضع القائمون على تأسيسه هدفاً رئيساً يتمثل في التنقيب عن كنوز الأمة الفكرية والثقافية المنتشرة في شتى أنحاء العالم.

والمحافظة عليها، وإتاحتها للباحثين؛ ليكون المعهد بذا، مقصداً لكل المهتمين بتراث الأمة وكنوزها الفكرية، إذ يضم حالياً، مقتنيات نادرة لا حصر لها في مختلف الحقول الفكرية والثقافية والدينية.

مراحل وبعثات

يعد المعهد من الهيئات التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «ألكسو»، التابعة بدورها لجامعة الدول العربية، وانطلق فعلياً سنة 1946؛ أي بعد عام واحد من افتتاح جامعة الدول العربية في عام 1945، ويُعنى في جمع وفهرسة وترميم وإتاحة المخطوطات العربية.

ومن ثم حماية التراث العربي المشترك. كما أنه مر بمراحل متنوعة؛ حيث تأسس أولاً تحت مسمى «معهد إحياء المخطوطات» وكان يتبع إلى الدائرة الثقافية في الأمانة العامة للجامعة العربية، ومن ثم حصل على الاستقلال عن الدائرة في عام 1955.

وفي مطلع سبعينيات القرن المنصرم، ألحق بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والتي تعد إحدى المنظمات الرئيسية لجامعة الدول العربية، واتخذ من القاهرة مقراً له، منذ إنشائه وحتى 1979، حين انتقل إلى تونس، وذلك حتى مطلع الثمانينيات، ومن ثم إلى الكويت إلى غاية 1990، ليعود مجدداً إلى القاهرة، ذاك منذ 1990 وحتى يومنا هذا.

لا تقتصر جهود المعهد على البحث والتنقيب عن المخطوطات داخل أرجاء الوطن العربي؛ بل يوفد بعثات إلى العديد من الأقطار حول العالم لجمع المخطوطات الأصلية في حال إمكانية الحصول عليها، أو تصويرها حين يتعذر الحصول عليها.

وانطلقت هذه البعثات إلى عديد من الدول، منها الولايات المتحدة الأميركية والهند وتركيا.. وغيرها، واستطاع الباحثون أن يضيفوا من خلالها نحو 35 ألف مخطوطة من المكتبات العامة والخاصة في العالم على نسخ ميكروفيلمية؛ لتكون في خدمة الباحثين في شتى أنحاء الأرض.

وصف

ينقسم المعهد إلى طابقين، أحدهما يحتوي على العديد من المكاتب، إضافة إلى وحدة أرشفة ميكروفيلمية، بينما تشغل مكتبة المعهد الطابق الثاني، وتضم آلاف الكتب والمراجع المصفوفة بعناية شديدة على أرفف ومقسمة حسب التخصصات؛ إذ إن المكتبة متخصصة للغاية..

وتُعنى بكتب التراث في المقام الأول، بالإضافة إلى جزء خاص بفهارس المخطوطات في مكتبات العالم وآخر للترجمات، علاوة على كتب قسم التاريخ، المكون من ترجمات أيضا وكتب مخطوطية، فضلاً عن الدوريات العربية والأجنبية.

ويقول مدير المعهد د. فيصل الحفيان، إن تراث الأمة من المخطوطات العربية موزع في أنحاء العالم أجمع، ولا يقتني العالم العربي منها إلا جزءاً يسيراً، بينما يوجد في الغرب آلاف المخطوطات التي هُرّبت خلال القرون: الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وتوجد حالياً ثروة كبيرة من مخطوطاتنا العربية في الغرب، تستقر في مكتبات بريطانيا والولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا والسويد والنرويج..

وغيرها. وأوضح الحفيان أن المعهد يعنى في المقام الأول، بالمجموعات الخطية النادرة، فالمعيار الوحيد لجعلها هدفاً للاقتناء من قبل المعهد هو «ندرة المجموعة وصعوبة حصول الباحثين عليها»: سواء كانوا باحثين عرباً أو أجانب.

ويتابع: لذا كان الهدف من المعهد المحافظة على تلك المخطوطات المنهوبة وتدّعي الدول الغربية أنها تخصها؛ إذ إنها ذات قيمة أثرية ومعرفية كبيرة، ولم يكن هناك من حل آخر غير التصوير للحفاظ على حقنا في تلك المخطوطات التي لا نجد سبيلاً لإعادتها.

ويشير مدير المعهد إلى أن مهامهم تطورت مع الزمن، خاصة مع مطلع القرن الحالي؛ ففي نهاية النصف الأول من القرن الماضي كانت المراكز المعنية بالمخطوطات قليلة للغاية، والآن أصبح لها حضور في كثير من البلدان العربية؛ لذا تطورت مهام المعهد ووظائفه ولم يعد التصوير آخر مهامه، إذ بات يعتني بالتنسيق مع مراكز المخطوطات الأخرى.

والمعهد يركز على أمرين مهمين، هما التنسيق والتأسيس العلمي. لذا يعد بمثابة العقل التراثي العملي الذي يفيد المراكز الأخرى من معطياته ومنجزاته في مجالات العمل التراثي المختلفة. وألفت هنا إلى أن ميزانية المعهد لا تضاهي ميزانيات بعض مراكز المخطوطات في الدول المختلفة.

استراتيجية

يصف الحفيان التراث المخطوطي العربي بأنه أكبر تراث حي موجود على مستوى العالم، لذلك يحتاج إلى عناية وجهد مكثف من مراكز المخطوطات قاطبة، لا سيما التي توجد في بعض البلدان العربية وتعمل بمجهود مكثف فيما يخص دولها؛ ليجري تجميع تلك المخطوطات لاحقاً في المعهد، وبذا فإنه يلعب دوراً شمولياً أكثر ويعتني بالفهرسة والترتيب، إلى جــــانب تأهيل الـــكوادر البشرية وبناء وعي العاملين بها.

ويضيف الحفيان: المعهد لا ينظر إلى التراث الذي تركه علماء الأمة عبر العصور على أنه قضية تاريخية فحسب، بل يعتبره أيضاً قضية مستقبلية؛ بمعنى أن النهضة التي ينبغي أن تخطو تجاهها الأمة العربية والإسلامية لا بد أن تكون مؤسسة على هذا التراث، فالغرب عندما أراد أن يؤسس النهضة الأوروبية بدأ بالعودة إلى التراث الإغريقي واللاتيني..

مشيراً إلى أن فكرة النهوض في جوهرها تقوم على أساس الخصوصية، لأن العرب لو أقاموا نهضة مستــــنسخة من حضارة أخرى لن تكون الحضارة العربية، لأنهــــــا لا بد أن تستند إلى رؤية خاصة مصدرها التراث والأسس الفلسفية والفكرية والمنهجية شديدة الصلة والارتباط بالعقل العربي نفسه.

ومن هنا، انفتح المعهد في العقدين الأخيرين، في التراث، على الناس؛ ذلك بتبسيطه وتسهيله وعقد الدورات التدريبية فيه وإثارة القضايا التي تربط بين التراث والوسائل والتقنيات الحديثة والتكنولوجيا، وكل هذه الأمور لا بد أن تكون في الحسبان؛ حتى يستطيع المعهد أن يؤثر ويعطي للتراث قيمته ودافعه وقدرته على الاستمرار، لأن التراث استمر نحو 15 قرناً ويجدر أن يستمر دائماً.

ويتابع: نعي تماماً أننا لا نعيش داخل التراث، إنما نريد أن يكون هذا التراث حياً فينا. نحن لا ننغلق، بل ننطلق من التراث ونستند إليه ونجعله مرتكزاً؛ حتى نستطيع أن نحقق الحضارة الخاصة وتكون تلك الملامح واضحة في عملنا وفي مستقبلنا.

حماية

يحتفظ المعهد، حرصاً منه على نسخ المخطوطات المصورة والأصلية، بنسخة ميكروفيلمية ونسْخ أخرى احتياطية لها، وفقاً لما يوضحه أمين مخازن المخطوطات في المعهد حسام هشام إذ يقول: نظراً لأن عمر الميكروفيلم أكبر بكثير من عمر القرص المدمج، نعمد إلى الاحتفاظ بنسخة ميكروفيلمية وأخرى احتياطية لحماية التراث، وذلك لزيادة القدرة الاستيعابية والحمائية.

ويؤكد هشام أن المعهد حريص على حماية المخزون من التراث العربي؛ لذا يستحدث سبلاً لحماية المخطوطات من التلف، منها مادة معينة لصنع المعدن الذي يحفظ المادة الميكروفيلمية أكثر من المادة الخشبية، إلى جانب توفير درجات حرارة باردة لحفظ الميكروفيلم، إذ تطيل درجة الحرارة الباردة من عمره.

قوانين البحث

يحظى المعهد برؤية تطويرية تقوم على توجه حاليّ لوضع دستور لتحقيق المخطوطات، يحمل اسم «دستور المحققين»؛ لوضع قواعد واضحة مصاغة في صورة قوانين لإرشاد الباحثين وتمكينهم من التعامل والاستفادة السريعة، حيث يعد التحقيق عملية رئيسية من عمليات خدمة التراث، وهو خبرة مركبة تحتاج إلى علم ومعرفة وقدرة على استيعاب المصادر والتعامل معها، وكذلك توافر التقنية والإجراءات والأدوات.

وفي السياق، سيصدر قريبًا أول كتيب في دستور المحققين تحت عنوان «اختيار النص»، ويعنى بكيفية تحديد الباحث أولًا للموضوع الذي سيعمل فيه، لأن النصوص كثيرة وكذلك الأولويات التي يعمل عليها، فاختيار النص المناسب هو الخطوة الأولى لعملية التحقيق، ومن أول الكتب التي نظرت للتحقيق كان كتاب «هارون»، إلى جانب عدد من الكتب التي صدرت بعده.

كما يضع المعهد أسسًا للفهرسة، لاسيما أن مناهجها تختلف بين المراكز والمؤسسات، وأصدر المعهد مؤخرًا دليلًا إرشاديًا لمفهرسي المخطوطات.

برامج أكاديمية وتدريبية وتركيز على الجوانب التطبيقية

سيستحدث برنامج أكاديمي يهتم بالتراث، وفقًا للرؤية الجديدة التي يعتمدها مسؤولو المعهد، يشرف عليه قسم البحوث والدراسات الذي يتبع معهد البحوث والدراسات العربية. ويسعى المعهد من خلال هذا البرنامج الأكاديمي إلى ضم التراث إلى الحقل التعليمي والأكاديمي، إذ إن غالبية الجامعات لا تعنى بدراسة التراث كما يجب.

ويتبنى المعهد برنامجاً يرتكز في مقامه الأول على الجانب التطبيقي، من خلال نصوص محققة وفهارس لمخطوطات يجري تطويرها، وكذا مكتبات المخطوطات المختلفة، كما أن المعهد نشر فهرس مكتبة رفاعة الطهطاوي ودار الكتب بمدينتي طنطا والإسكندرية.

وهذا علاوة على تنظيم دورات عملية تعنى بالتراث وعلم المخطوطات والفهرسة، وتوظِّف هذه الدورات الإمكانات المختلفة للتدريب من محاضرات نظرية، وعروض تقديمية، وورش عمل تدريبية، يتفاعل فيها المُدِّرب والمشارك.

أبواب الاستفادة مشرعة أمام الجميع بأيسر الطرق

اعتمد القائمون على المعهد، خطة عمل تتيح لجميع المهتمين ممن هم خارج قائمة باحثيه، تصفح ما يتضمنه من مخطوطات، حيث تقتصر مكتبة المعهد حالياً على الباحثين فقط؛ ولذا بدأ المعهد حالياً في توسيع دائرة الاستفادة من مخطوطاته ومطبوعاته النادرة عبر الشبكة العنكبوتية، لا سيما أنه يوفر مخطوطات تساعد الباحثين في التعرف إلى التراث العربي، لا توجد لها أصول إلا في متاحف ومكتبات الدول الأوروبية.

وبذلك يفتح المعهد نافذة من المطالعة تفيد الباحثين للارتواء من ينبوع التراث الذي يشرع أبواب دراسات جديدة تفيد الأمة العربية بأكملها.