داخل بناية قديمة من بنايات شارع محمد صدقي بمنطقة وسط البلد، قلب القاهرة النابض، تقع «دار شرقيات» في أجواء عبقة بالأصالة تعكسها واجهة الدار التي يصعد روادها وهم على موعد لاقتناء أو قراءة أعمال لا تقل أصالة عن المشهد الذي شاهدوه على واجهة الدار.
«بيان الكتب» زار الدار وتفقد أركانها، واستمع من القائمين عليها إلى تفاصيل عدة واكبت مسيرتها على امتداد 25 عاماً شكلت كامل تجربتها في عالم النشر والترجمة والتوزيع.
البداية كانت في عام 1991، حين قرر حسني سليمان، إنشاء دار نشر تحمل اسم «شرقيات» في وقت كانت دور النشر الخاصة مجازفة غير محمودة العواقب، في ظل سيطرة دور النشر الكبرى والحكومية على الأوضاع وتحتكر التعاون مع الكتّاب لإصدار كتبهم، إلا أن سليمان قرر المبادرة لتحقيق حلمه، وبالفعل شرع في تنفيذه وحقق طوال تلك السنوات نجاحاً كبيراً لم يخلُ من عقبات وصعوبات عدة.
معايير النشر
يوضح سليمان أن من أهم العقبات التي صادفته أن هناك حدوداً للنشر، فالحرية ليست دائماً مطلقة، كما أنها تتغير بتغير الأوضاع الاجتماعية والسياسية من وقت إلى آخر، من خلال قراءة الوضع في مصر والعالم العربي.
وبالنسبة إلى معايير الدار في النشر، يقول، إن قبول الكتب في الدار يجري بعد قراءة العمل وعرضه داخل ورشة لهذا الكتاب، حيث تشارك في القراءة مجموعة من أصدقاء المؤلف الذين يثق في رأيهم، بينما الكتب العلمية المتخصصة لا تدخل ضمن قائمة الكتب المرفوضة بسبب حرية أو شيء آخر، إنما الكتب الأخرى..
لاسيما ذات الطرح السياسي، هي التي تخضع لمثل هذه المعايير، موضحاً أن الكتب الأدبية تخضع أيضاً لذائقة هذه اللجنة. ويحكي عن ذلك: يمكن أن أفوت على نفسي فرصة جيدة لنشر عمل جيد، لأنها عملية نسبية، فمن الممكن أن أرفض نشر عمل في مرحلة معينة وأقبله في مرحلة أخرى، حسب اختلاف الظروف في كل مرحلة.
صورة واضحة
ويشير حسني إلى أن الدار كانت من أوائل من عني بتقديم مقتطفات للرواية مع صورة المؤلف، من أجل أن يحصل جمهور القراءة على صورة واضحة عما هو منشور، فيسهل عليهم اختيار العمل في سلة مختاراتهم أو تركه.
ويتابع: حرصت الدار في الوقت ذاته في أغلفة الكتب التي تعد هي الأخرى ركيزة مهمة في صناعة الكتب وتسهم بدور كبير في ترويجها وانتشارها بين الجمهور والقراء، حيث جرى الاتفاق فيما سبق مع الفنان الراحل محيي اللباد، والتعاون معه في إصدار مجموعة من الأغلفة المميزة، استطاعت جذب القراء إلى الأعمال التي تنشرها الدار.
وعلى الرغم من هذا، يؤكد سليمان أن القارئ في نهاية الأمر يهتم بما يُنشر في الإعلام والتلفاز عن هذه الكتب، فليس الغلاف هو العامل الرئيس فقط في شراء كتاب..
لكن هذا الأمر يصعب لجوء الناشر إليه، نظراً للأسباب الاقتصادية التي تؤثر في سوق الكتاب ككل وتحدّ من الإعلان عنه في التلفاز، ليصبح البديل الأفضل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية عامة. ويشدد صاحب دار «شرقيات» على ضرورة ضبط معايير جودة النشر التي تتجاهلها كثير من الجهات ذات الصلة.
مصادرة
وفي ما يتعلق بمصادرة بعض الكتب التي تنشرها الدار، يبين صاحب الدار أنه غير مهتم بهذا الأمر، لأنه أمر اعتيادي في كل دول العالم وليس الدول العربية وحدها، مشيراً إلى أن كل دار نشر لها كتب تعبر عن قناعاتها ويصعب الخروج عليها، كما أن كل معرض له الكتب التي يقدمها لجمهوره.
ويضيف: كثيراً ما تُردد على أسماعنا، قصة أو حدث مصادرة كتاب ما، وفي الخارج تمنع الكتب بأمر قضائي، على عكس البلاد العربية التي يمنع فيها الكتب بقرارات فردية تتغير من وقت إلى آخر، وهذا لا يعني تأييدي لعملية المصادرة، فهذا يتنافى مع أحقية القارئ في أن يعرف ويطلع على ما يريده..
حيث يدخل هذا ضمن بند حرية الفكر والعقيدة، لذا فمن حق كل كاتب أن يعبر عما يريده ما دام أنه لا يجور على حرية الآخرين أو دينهم، وفي النهاية القارئ هو الذي يجب أن يكون له الدور المحوري في رفض الكتب التي لا تناسب ذائقته وفكره.
ويردف الناشر: إن مصادرة كتاب ما لن تؤثر في نهاية الأمر بشكل سلبي في سوق النشر، إذ يملأ سيل العناوين السوق الآن، ولا تجد العديد من المنشورات من يقرؤها.
ويفرق حسني بين أنواع المصادرة، شارحاً أن بعض الأعمال تمنع فقط بسبب مجرد الشك في عنوانها وليس بسبب محتواها ككل، إذ ترسل الدار أسماء الكتب التي تريد المشاركة بها مثلاً في معرض الكتاب، ويحدث أن ترفض الجهات المعنية بعض الكتب فقط استناداً إلى العنوان أو مما تنشره الصحف حول عدد من الكتب، دون اطلاع حقيقي على محتوى العمل، وهذه مشكلة يجب، برأيه، أن تتداركها الجهات المعنية.
ويوضح سليمان أن الأمور بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير صارت أفضل، وذلك من خلال إتاحة مساحة أكبر من حرية الكتابة والتعبير، معرباً عن أمنياته في أن تطال هذه الحرية الكتب السياسية وكل المجالات الأخرى، ومشيراً إلى أن خطة الدار لا تتأثر بمنسوب الحرية هذا، لأن الدار لا تنشر الكتب ذات التوجه الثوري الكبير في كل المجالات.
كما يؤكد أن اهتمام الدار منصبٌّ على الأعمال الإنسانية في المقام الأول، مع اهتمامها أيضاً بالأعمال العلمية والسياسية، إلا أن الأعمال الإنسانية هي الأكثر قرباً إلى القراء والجمهور.
ورغم أن دار «شرقيات» لا تقيم حفلات توقيع داخل مقرها، إلا أن سليمان يلفت إلى أنه ليس ضد هذه الفكرة إطلاقاً، حيث إن حفلات التوقيع تعني وجود دار النشر والناشر والمؤلف..
ومن الممكن أن تقام في أماكن أخرى، ويوضح أن الدار تقيم حفلات توقيع الكتب في عدة منافذ أخرى، إذ وقع ديوان «مدهامتان» للشاعر محمد أبوزيد بمكتبة «ألف»، ورواية «حسن الختام» للكاتبة صفاء النجار بمكتبة ديوان بالزمالك، كما أقامت دار «التنوير» للنشر والتوزيع حفل توقيع ومناقشة كتاب «رائحة الغياب» للكاتب أسامة كمال.
تجربة جديدة
غامرت الدار بإصدار روايات جديدة في أسلوبها وموضوعها، فكانت من أوائل دور النشر التي أخذت هذه المغامرة عن طريق نشر مجموعة قصصية ذات طابع ذكوري حملت اسم «خطوط ودوائر»، كتبها وائل رجب وأحمد فاروق وهيثم الورداني وآخرون..
وذلك بأسلوب أدبي يخلو من المؤثرات، بينما تميزت لغتها بالعامية، على عكس اهتمام الأعمال الأدبية التي تركز دائماً على اللغة الفصحى، إلى جانب التركيز على التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية من خلال الحكي، وعلى كل الأشياء غير المنطقية بداخلها.
منشورات متنوعة تشمل النقد والشعر والقص والدراسات
نشرت الدار كثيراً من الكتب المميزة والمهمة التي حازت إعجاباً جماهيرياً ونقدياً واسعاً في المشهد الأدبي، منها: رواية «غرفة العناية المركزة» لعز الدين شكري فشير، وديوان الشاعرة إيمان المرسال «حتى أتخلى عن فكرة البيوت» ورواية «عطية» للروائي الراحل خيري شلبي.
إضافة إلى: «نار الزغاريد» للروائي السوداني أمير تاج السر، ديوان «ذهب الذين أحبهم» للكاتبة السورية سلوى النعيمي، مجموعة قصصية «الرجل الذي عرف تهمته» للراحلة لطيفة الزيات، ديوان «لا نيل إلا النيل» للشاعر حسن طلب. فضلاً عن عديد من الدراسات المهمة، بينها:
كتاب «قضية الحداثة ومسائل أخرى في النقد الأدبي» للكاتب محمد مصطفى بدوي، «أفق الخطاب النقدي.. دراسات نظرية وقراءات تطبيقية» للدكتور صبري حافظ، كتاب «الملك فاروق في الأدب المصري» لمصطفى بيومي.
تعاون وثيق مع معاهد ومؤسسات دولية مرموقة مثل «غوته» الألماني
تُعنى الدار بشكل خاص بالترجمات، وركزت بشكل كبير على الأدب الإيطالي، حيث ترجمت الجزء الثاني من «أبواب الهوى» الذي يجمع قصص كبار الكتّاب الإيطاليين، كذلك «حكايات إيتالو كالفينو» بترجمة نجلاء والي.
كما تعاقدت الدار مع معهد غوته الألماني في القاهرة لترجمة مجموعة من الأعمال الألمانية الرفيعة؛ احتراماً لحقوق النشر للكتاب الأصليين، إضافة إلى التعاقد مع المركز الثقافي الفرنسي، في محاولة للتعاون مع الجهات الخاصة أو الممثلة لتلك الثقافات، باعتبار تلك المراكز المنافذ الثقافية الرسمية لهذه الدول على أرض مصر.
ويؤكد مسؤولوها أن التعاقد يظل معنوياً في الأساس، إذ إن المقابل الذي تمنحه دور النشر للكتاب يظل زهيداً، نظراً لضعف المبيعات في مصر، ما يجعل تجارتها ضعيفة، مثل بقية دور النشر في مصر.
أما فيما يخص ترجمة كتب الدار للعبرية، مثل ما حدث مع ديوان الشاعرة إيمان مرسال «جغرافيا بديلة» الصادر عن الدار إلى العبرية.. وكذا ترجمت الدار مؤلفات بالعبرية إلى اللغة العربية عبر الفرنسية والإنجليزية، فهي طبقاً لما يقوله القائمون عليها، مجرد خطوات إجرائية، وحجتهم في ذلك أن الإلمام بما يدور في المجتمع العبري يعد ضرورة من أجل فهمه والتعامل معه.



