يعكس الإقبال الكثيف الذي تحظي به معارض الكتب في العالم العربي.. ودول العالم أجمع، مدى الحميمية، المستمرة، التي تربط القارئ بالكتاب المطبوع. فرغم اقتناء كل المجتمعين أمام بوابات هذه المعارض، لأحدث أدوات التقنية الحديثة في حقول المعرفة والقراءة، يبدو أنه تظل للكتاب التقليدي مكانته.

كما نتبين، في الصدد، أن العديد ممن لم ينسجموا مع الكتب الرقمية وجدوا ضالتهم في »الكتب المسموعة«، التي بدأت تغزو أسماع وعقول وقلوب الكثير من عشاق الكلمة في مختلف الأعمار.. فهل يُعَد ذلك بمثابة ضربة قاسية للكتاب المطبوع؟

يُعرف الكتاب المسموع على أنه معادل للكتاب المطبوع، يُقدَّم في صورة صوتية سواء للمؤلف أو لقارئ آخر، ويتوفر الكتاب المسموع مجاناً أو بمقابل مادي محدد، كما إنه شهد تطوراً كبيراً، انتقل معه من مستوى شريط الكاسيت إلى الأقراص المدمجة، ومن ثم إلى محتوى صوتي على أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة من خلال التطبيقات المتوافرة حالياً.

وسيط مؤقت

يرجع الشاعر سعد عبد الرحمن، الرئيس السابق لهيئة قصور الثقافة في مصر، الإقبال على الكتاب المسموع إلى عدد من الأسباب؛ من أهمها: ضيق الوقت والانشغال في الروتين اليومي، ارتفاع أسعار الكتب المطبوعة التي لا تسمح باقتنائها بصورة مستمرة، توفر نهم القارئ للمعرفة والقراءة. ذلك فضلاً عن الاحتياج الوظيفي لتلك الكتب بما يتلاءم مع حالات معينة، كفاقدي البصر أو ذوي الاحتياجات الخاصة.

ويضيف عبد الرحمن: وفي المقابل، الكتاب المسموع ما هو إلا تطور طبيعي وخروج من فلك كلاسيكية الكتاب المطبوع الذي اعتاد القراء عليه منذ بدء عصر الطباعة، على اعتبار أن تسجيل الكتب لم يكن وسيلة متاحة في العصور السابقة كما في الوقت الراهن، وعليه لا يجب أن يكون هناك عداء تجاه الكتاب المسموع؛ لأنه جزء من الحضارة والثقافة الحداثية المعتمدة على التغيير.

ويتابع: الكتاب المطبوع سيظل متربعاً على عرش وسائل القراءة المتاحة للمتلقي، وربما يكون هذا انحيازاً للكتاب المطبوع، نظراً إلى أهميته في الحياة الثقافية ودوره في زيادة المعرفة والتواصل بين القارئ والحياة الثقافية والمعرفية.

ويشير أيضاً، إلى أن تسيد الكتاب المطبوع لا يعني عدم ظهور وسائط أخرى للقراءة، معتبراً الكتاب المسموع وسيطاً مؤقتاً أو محاولة لتغطية استهواء جديد لبعض القراء الذين يفضلون التعامل مع وسائط جديدة ومختلفة ويرغبون في تجريب وسائط جديدة للقراءة لا تعتمد على الكتاب المطبوع، لا سيما إن لم يكونوا من هواة امتلاك الكتب أو الاستمرار في القراءة.

كذلك فالكتب المسموعة مناسبة أكثر للأطفال الذين لم يعتادوا على القراءة أو هم في طور التعلم، إذ تفي بغرض المعرفة وتزيد من إدراك الطفل ووعيه بما حوله، كما أنه أنسب إلى غير المبصرين الذين لم يتوافر لهم الحظ للاستمتاع بقراءة الكتب؛ لذا تعتبر الكتب المسموعة الأنسب إليهم، وبهذا يكون للكتاب المسموع جمهوره الخاص، ولا وجه للمقارنة بين الكتاب المطبوع ونظيره المسموع؛ حيث تعتمد المقارنة على تكافؤ العناصر، وهو ما تفتقر إليه عملية المقارنة بين الكتابين.

سبيل للتحايل

يؤكد الروائي صبحي موسى، أنه من الصعب توقع طبيعة المتغيرات التي تطرأ على سبل القراءة أو الوسائط التي تُقدم الكتاب؛ حيث هناك الآن الكتاب المسموع وكذلك الكتاب الإلكتروني..

ومن المتوقع أن تشهد سبل القراءة تبدلاً ملحوظاً خلال العقود المقبلة، في الغرب، مع زيادة التكنولوجيا التي تُلقي بظلالها على القراءة والمعرفة. ويستطرد: ربما أن فرص نجاح الكتاب المسموع في الغرب أكثر، نظراً لأن العالم العربي لا يزال بدائياً مقارنة بالغرب.

ولا تعتبر الشعوب العربية ثقافية بالمعنى الصحيح حتى الوقت الراهن؛ لذا أعتقد أن الكتاب المطبوع سيظل له حضور لفترة طويلة، رغم اقتحام أنواع أخرى للساحة، كالكتاب الإلكتروني، للساحة الثقافية. وذلك بفعل غلاء أسعار كتب، ما يحول دون قدرة القارئ على امتلاك الكتاب الورقي فيضطر القارئ للجوء إلى الكتاب الإلكتروني أو المسموع.

مع هذا، يرى موسى أن الكتاب المسموع وسيط يفي بغرض القراءة أو المعرفة، ولا يجب التعامل معه على أنه عدو الكتاب الورقي، فالمعرفة في النهاية تعتمد على النتيجة.

دعم الحواس

يبين رائد أدب الطفل، الكاتب يعقوب الشاروني، أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، لا تعتمد الكتب فيها، بالنسبة إلى الصغار، على الكلمات، بل على الصور؛ لتواكب الطفل في محاولة لاستغلال الحواس التي يستخدمها أكثر من غيرها، وهناك معارض أوروبية، مثل: فرانكفورت الدولي للكتاب بألمانيا..

وكذلك بولونيا لكتب الأطفال في إيطاليا، تعتمد على الكتب القائمة على الصوت والصورة؛ في محاولة لتحبيب الأطفال بها وعقد علاقة وثيقة بين الطفل والكتاب، وكذا زيادة وسائل إيصال المعرفة لديه منذ نعومة أظافره.

ويجزم الشاروني بأن الكتب المسموعة تدعم الحواس لدى الطفل، وهو ما لاحظه من خلال تجربته ككاتب للأطفال. ويلفت إلى أنه بحسب الدراسات، وصلت نسبة الإقبال على الكتب المعتمدة على الصوت إلى 50% في بعض الدول الأوروبية، وذلك لملاءمة الكتب للأطفال الذين لم يتعلموا القراءة، فيما لا تعتبر الوسيط الأول للقراءة لدى الكبار.

ويردف: يعتمد الكبار على الكلمة كوسيط مباشر للتواصل مع الكتب، لما تبعثه من حالة الاسترخاء والمعرفة المثقلة من خلال الورق، الذي لن يفقد رونقه وحضوره في المشهد الثقافي العربي والعالمي.

وسيط مرحلي

»وسيط جيد للقراءة.. لكنه وسيط مرحلي«. هكذا هو تصنيف وتوصيف الروائي أحمد الشيخ للكتاب المسموع، مبرهناً رأيه بأنه لا تلجأ غالبية الناضجين إلى القراءة المسموعة؛ بفعل ضرورة التواصل مع الكتاب الذي ينقل القارئ إلى شعور مغاير عن الاستماع ويفتح مدارك الخيال والإبداع.

ويتابع: من أسباب لجوء البعض إلى استخدام الكتب المسموعة، زيادة المهام التي يقوم بها الفرد على مدار اليوم، لهذا يمكن اللجوء إلى الاستماع للكتب عوضاً عن قراءتها أثناء أداء مهام أخرى، مع هذا، من الصعب الجزم بحلول الكتاب المسموع محل الكتاب المقروء.

فالمقروء يبقى يتمتع ببريق خاص، لا سيما لدى القراء القدامى المعتمدين على ملمس الورق والذين يشعرون بالحب المتبادل معه، كما أن فعل القراءة لا يمكن القيام به مع مهمة أخرى، إذ إن القراءة تحتاج إلى التمعن، وربما تصل إلى حد التوحد مع الكتاب المقروء، خاصة إن كان الكتاب الأدبي يعتمد على المخيلة وإطلاق العنان.

جماليات

الناقد الأدبي د. صلاح فضل يعتقد أن الكتاب المسموع يتلاءم أكثر مع الشعر، لما فيه من نغمات وإيقاعات موسيقية، واستشهد في إثبات صحة تصوره في الشأن، بما كان يفعله الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، متعمداً إصدار شريط صوتي فيه أشعار الديوان إلى جانب إصدار الديوان المطبوع..

وذلك لتذوق جماليات الشعر المعتمد على الإلقاء. ولكن صلاح فضل، يشدد في الوقت عينه، على أن المطبوع سيواصل صموده رغم العديد من الصعاب التي يواجهها والتي تتزايد يوماً بعد آخر.

سير ذاتية

سجلت الرواية والقصة القصيرة وقصص الأطفال، الأعلى متابعة ومبيعاً في سوق الكتب المسموعة عالمياً، كما كان للسير الذاتية مساحة ومنزلة بارزتان أيضاً، في المبيعات؛ إذ يعتبر المستمعون إلى السير الذاتية، وطبقاً لبيانات دراسات عدة، أنها أفضل وأقرب لهم، خاصة وأنها مستقاة من أفواه مؤلفيها، ذلك غاية نقل تجربة المؤلف إلى القارئ بصورة مباشرة وخلق علاقة خاصة فيما بينهما.

سوق متطلبات العصر

أشارت صحيفة نيويورك تايمز، في تقرير متخصص، أخيراً، إلى أن سوق الكتاب المسموع في تزايد كبيرٍ ومستمر؛ وذلك لمواكبة متغيرات العصر، وأن هناك اهتماماً من شركات الهواتف الجوالة لتوفير برامج للاستماع إلى الكتب المسموعة. وهو ما يجسد اعترافاً صريحاً وعملياً ملموساً، بمدى رواج هذا النوع وحداثته في الغرب، مقارنة مع الكتاب المطبوع.

إقبال كبير في بلجيكا

تجربة الكتاب المسموع، وهذا النمط من الكتب حظي بإقبال كبير، خاصة من قبل فاقدي البصر؛ حيث يستطيع الشخص أن يستمع إلى الأشرطة أو الأقراص المدمجة، وأن يتعرف على محتوى الكتاب ويتفاعل معه. كما جرى تحويل عدد كبير من الكتب إلى صيغ مسموعة، ذلك في جميع المجالات العملية والأدبية والتعليمية، ما سهل مهمة القراءة على فاقدي البصر وذوي الاحتياجات الخاصة.

علاقة تقارب مفقودة

رغم رواج الكتاب المسموع في العديد من الدول أو بين العديد من الفئات العمرية، إلا أن البعض يرى أن هذا النوع من الكتب يهمش القراءة ولا يجعلها هدفاً في ذاتها، بل تكون مجرد مكمل للحظة. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن القراءة تعتمد على تكوين علاقة ما بين الكتاب والمتلقي، وهذا التواصل لا يتحقق إلا بتخصيص وقت ومساحة للقراءة يسهمان في تكوين التقارب بين القارئ والكتاب.

 

مواكبة متغيرات الواقع

يؤكد العديد من الشباب الذين يستخدمون الكتب المسموعة أنها وسيلة فاعلة لمواكبة التطور الحاصل في العصر الحديث؛ كما أنه، بحسب إحصاءات أُجريت في أميركا، فإن الأشخاص الذين يقرؤون عن طريق الكتب المسموعة يقرؤون قرابة ال 15 كتاباً سنوياً، فيما لا يتجاوز قراء الكتب المطبوعة عدد الستة كتب في العام الواحد، وهو ما يشير إلى مواكبة الكتب المسموعة إلى متغيرات الواقع للشخص وملاءمتها إلى نمط الحياة العصرية.