»الشعر لون من الإبداع يمثل هبة إلهية«. هكذا رأى الأديب المصري الراحل عباس محمود العقاد، سمة وجوهر هذا الصنف الفني، فالشاعر طالما مثل، ويبقى، روح الوجود وضميره، وإليه تفضي ألسنة الدنيا بأسرارها..

وإذا كانت هذه هي حال الشعر والشعراء كما وصفهما العقاد، يبدو لافتاً أننا نتبينهما، في راهننا، ضلا الطريق إلى ما قاله العقاد، ذلك طبقاً لما يؤكده شعراء ونقاد كثيرون، حاورهم واستقصى آراءهم »بيان الكتب«، إذ أشاروا إلى أن الشعر، حالياً، ليس في أفضل حالاته، خاصة مع اندثار المواهب الحقيقية؛ إلا أنهم أكدوا في الوقت ذاته، أن الشعر إبداع متجدد لا يموت.

»ساحة الشعر تعاني من اندثار الموهوبين الحقيقيين واستحواذ أنصاف الموهوبين وأشباه الشعراء على المشهد الإبداعي، خاصة أن المناخ يوفر لهم البيئة الخصبة للظهور«، هكذا يستهل الحديث، وبكلمات مثقلة بالأسى، الشاعر عزت الطيري، معتبراً أن الشعر بات مجالاً مفتوحاً لأي شخص ما دام هناك إعلام مضلل يروج له.

شللية وبريق لا ينطفئ

ويتابع الطــــيري: إن خصوصية الشعر انتهكت من قبل أدعياء يكتبون قصائد لا علاقة لها بأساسيات الشعر وآليات الكــــتابة، والحمد لله أن جيل كبار الشعراء، مثل: شوقي والعقاد، رحل قبل أن يسمع ويقرأ هــــــذه الكوارث التي تحاصرنا اليوم.

ويستطرد: للأسف، دور النشر تساهم في تراجع الشعر؛ من خلال بلورة أدعياء الموهبة الشعرية، كما أنها تتجاهل المواهب الحقيقية التي لا تجد من يلقي الضوء عليها، أضف إلى ذلك، أن الشعر اليوم لم يعد مرحباً به من قبل دور النشر التي تعطي مساحة أكبر للأجناس الأدبية الأخرى، خاصة الرواية والقصة القصيرة..

وتغفل جماليات الشعر وأهميته لدى القارئ العربي، الذي يمثل الشعر بالنسبة إليه أصل الإبداع وبدايته. ويبين الطيري أن المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة في مصر، حسب رأيه، لا تمارس دورها الحقيقي، حيث تحصر الندوات والأمسيات الشعرية في إطار الصداقات و»الشللية«، من دون وعي بمدى الضرر الذي يلحق بحركة الشعر، رغم فاعلية تلك المراكز وأهميتها للمهتمين.

ويقيم وضع الشعر في الخريطة الأدبية، بأنه يأتي في المرتبة الثانية بعد فن الرواية، الذي يكتسح الساحة الثقافية المصرية حالياً، مؤكداً أن بريق الشعر لا يمكن أن ينطفئ ما دامت المواهب الحقيقية صامدة في وجه الرياح العاتية.

الثورة أحيته

ترى الشاعرة دعاء عبد الهادي، أن المشهد الشعري ليس بهذه الدرجة من السوء، مؤكدة أنه في حالة وسطية؛ فلم يسقط عن عرش الأدب.. كما أنه لم يعد يحتل المكانة الأولى، مشددة على أن الشعر شهد خلال السنوات الأخيرة - لا سيما مع ثورة 25 يناير - تقدماً ملحوظاً مع تفاعل كثير من الموهوبين من الأحداث الثورية.

وتردف: يمكن القول إنه كنوع أدبي، تصدر كل الأجناس الأخرى في التعبير عن اللحظة الثورية التي انتابت المصريين آنذاك، فلم يعد الاطلاع على الشعر مقتــــصراً على النوع الغنائي فحسب؛ بل بات هناك اهــــتمام بالشعر عامة، لا سيما من فئة الشباب.

وتشير دعاء إلى أن الشعر شهد تطوراً ملحوظاً، في وقتنا الحالي، حيث بات هناك حضور من الجمهور للأمسيات الشعرية أو الحفلات التي يأتي الشعر فيها كركيزة أساسية. وتقول في الشأن: بقراءة للمرحلة الحالية، نجد أن هناك اتساعاً لرقعة المتذوقين للشعر، وهو أمر يبشر باستعادته مكانته السابقة واتساع رقعته الجماهيرية، خاصة بين فئة الشباب.

وتحكي عن مستوى الشعراء الحاليين: لا يمكن التصنيف بين شاعر جيد أو سيئ، ولكن يمكن التعامل مع الشعراء حسب المستوى والقيمة الفنية التي يقدمها، وأظن أنه لا يجب اضطهاد المبدعين الجدد، ذلك أنهم يساهمون في إطْلاع الشباب على الشعر كنوع أدبي، وفي النهاية سيختار المتلقي الأفضل.

فوضى شعرية

تعــــد صعوبة وصول الشعراء الحقيقيين إلى المتلقين والحــضور القوي لمن لا ينتمون إلى الشعر، من أبرز مشكلات المشهد الآني، حســـــب تصور د. أحمد عمّار، أستاذ العروض بكلية الآداب جامعـــــة القاهرة. إذ يقول في الخصوص:

أرجع ذلك إلى شهرة بعض الأدعياء عبر وسائل الإعلام ومواقع التــــواصل الاجتــــماعي، واستقطاب دور النشر لهم لتحقيق أكبر قدر من المبيعات بغض النظر عن وجود الموهبة الحقيقية.

واعتبر أن أغلب من يكتبون الشعر في الفترة الحالية، لا يتمتعون بالدراسة الكافية لأسس هذا الفن، تحت عنوان وحجة وادعاء أن هذا الجهل المعرفي نوع من التمرد على القوالب الشعرية الكلاسيكية.. إن الشعرية الحالية، وبحق: »فوضى واضحة«.

ويلفت عمّار إلى سمة الشعر بكونه فناً آنياً يعتمد على اللحظة التي تميزه عن غيره من الأنواع الأدبية، حيث يكتب تعبـــيراً عن لحــــظة ما، وبهذا فهو يتفرد بتلك الميزة مقارنة بفن الرواية الذي يحتاج إلى التخمر. ويعرب عن تفاؤله بظهور جيل جديد من الشعراء سيحاول أن يرسخ لنفسه مكانة في هذا العالم، مبيناً أن الشعر إبداع متجدد لا يموت.

تمرد متقن

يعتمد التمرد الأدبي أو الخروج عن قواعد الشعر، حسب مفهوم الناقد الأدبي د. صلاح فضل، على مقياس نقدي واضح وبسيط، فمن يستطع إتقان القواعد ويبرهن على إتقانها ثم يرى أنها تمنعه من التعبير ويبتكر عليها، يوظف اختلافه في خدمة الشعر والإبداع. ويجد فضل أن قصيدة النثر خير دليل على هذا الأمر. ويشرح وجهة نظره مفصلة:

لا أقبل من شاعر أن يقدم قصيدة نثر إلا بعد إثبات قدرته على إتقان شعر التفعيلة وامتلاك أذن موسيقية، فالخروج عن قواعد العروض لا يمكن أن يكون من باب الجهل. وننتقل إلى محور آخر في الموضوع: إن هذا الفن شهد طفرة في الفترة الأخيرة بعد أن واجه صعوبات خلال العقود الماضية.

كما أن المناهج الدراسية عليها العبء والمسؤولية الأكبر في حاله الراهنة؛ إذ توقّف الشعر في المناهج الدراسية عند كلاسيكيات أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، دون التطرق إلى الإبداعات المعاصرة..

لاسيما مع ما أسميه »العصر الذهبي للشعر المعاصر« خلال النصف الأخير من القرن العشرين، الذي ظهر فيه كل من: صلاح عبد الصبور وخليل حاوي وأدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي وشاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي.. وغيرهم.

ويختم: الشعر في الآونة الأخيرة، تنفّس الصعداء، فلم يعد اللون الغنائي الوحيد الموجود في الساحة، كما أن المسابقات الإبداعية دعمت اهتمام الشباب به، رغم انصرافهم عنه من قبل، وهذا لا يعني التقاعس عن استعادة مكانته السابقة، بعيداً عن المنافسة مع فن الرواية، فلكل مجال عشاقه.

الحل

يؤكد الناقد الأدبي عبد الحافظ متولي، أن الشعر يعاني تراجعاً كبيراً نتيجة عوامل عدة، هي: تراجع الدراسات النقدية لهذا الفن، الترويج لكتابات رديئة المستوى في سبيل تحقيق المبيعات، اختلاط المدارس الشعرية بين التفعيل والنثر والقصيدة العمودية التي باتت من الماضي. ويوضح أن غالبية الشعراء الشباب حالياً، تتسم أعمالهم بالافتعال والتصنع ولا تقدم جديداً.

كذلك، ما يقدم في المحافل الإعلامية والمنتديات الرسمية لا ينتمي إلى الشعر.

ويقدم متولي حلاً لإنـــــقاذ الشـــعر من السقوط: أقترح أن يجري اختيار عدد من الشعراء على مستـــوى أدبي رفيع من قبل دور النشر، ليختاروا الأعمال التي تطبع، بحيث يجري تقييم الأعمال مسبقاً؛ حماية لهذا الفــن من المتسلقين وأدعياء الموهبة.

كذلك لم يبعد الناقد في حديثه، المجلات المتخصصة، عن المسؤولية، مشيراً إلى أنها تقدِّم على صفحاتها أشعاراً لا ترتقي إلى المستوى، وبالتالي يروّج لها على أنها أعمال مميزة، وهو ما يهدد بتراجع الذوق العام للشعر.

ثيمات وموضوعات متنوعة محورها الوطن وقضاياه

اعتمدت القصائد الشعرية الحديثة والمعاصرة، على موضوعات متنوعة، بينها: الاهتمام بالذات، مثل: المدرسة الرومانسية التي تعكس دواخل الشاعر ورغباته ومشاعره تجاه الأشياء والأشخاص وذاته، كذلك شعر المهجر الذي أوضح ملامح الشعور بالغربة والاغتراب.

وهناك موضوعة مهمة أخرى، إذ احتل الوطن مكانة بارزة كثيمة موضوعية في الشعر الحديث والمعاصر، فظهر شعر محمود درويش وأمل دنقل وأحمد مطر ونزار قباني. كما برزت ثيمة الثورة في الشعر العربي، لا سيما مع تفجر الربيع العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة، التي فجرت معها روحاً شعرية ثورية متمردة على الواقع العربي.

تركيز على النتاجات القيمة

تدعم الإمارات الشعر والشعراء عبر التركيز على النتاجات القيمة في وقتنا المعاصر، وتترجم ذلك من خلال جملة فعاليات وبرامج ومسابقات متخصصة، بينها »أمير الشعراء« في أبوظبي، والتي باتت تمثل المسابقة الشعرية الابرز في عالمنا العربي. وهناك أيضاً، جائزة سنوية من مركز هانئ بن كرمة في مصر تحمل اسم »جائزة أحمد شوقي« للشعر.

لسان حال الناس ووثيقة للأحداث

احتل الشعر مكانة كبيرة في العصر الجاهلي، فكانت تعقد المناظرات الارتجالية للشعر، لا سيما في سوق عكاظ، ومن أبرز شعراء الجاهلية: الأعشى وامرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى.

واستمرت مسيرة الشعر وبرزت أكثر في فترة العصر الأموي بسبب حضور مديح الخلفاء والملوك، فيما اتخذ الشعر حضوراً واسعاً في العصرين العباسيين الأول والثاني، وتنوعت حقوله من مديح وهجاء ورثاء ووصف وطرديات وكانت تقصد بالشعر المعتمد على موضوع الصيد والغزل والخمريات الحكمة، كذلك الزهو.

ومن أهم الشعراء في العصر العباسي: أبو الطيب المتنبي وأبو نواس وابن الرومي وأبو العلاء المعري وابن الفارض وأبو تمام والبحتري. وأيضاً برز الشعر الأندلسي خلال فترة الحكم الإسلامي للأندلس، واشتهر به ابن زيدون ولسان الدين الخطيب وأمية الداني وابن الزقاق البلنسي وابن عبد ربه الأندلسي.

 

تنامي " الغنائي"  أفرز تراجع " المنظوم"

يعتقد العديد من الشعراء أن تراجع الشعر المنظوم، جاء نتيجة لتنامي الشعر الغنائي، الذي احتل مكانة بارزة في المشهد الإبداعي، لا سيما في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، حيث فجرت ثورة 23 يوليو 1952 إبداع الشعراء آنذاك، وكان من أبرز هؤلاء، شاعر العامية صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي ونزار قباني الذي كتب للحب والحرب، وجميعهم غنى لهم أشهر المغنين في ذلك الوقت.