يقع متحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية على مساحة 334 متراً مربعاً، وهو أحد أجزاء المراكز الأكاديمية الملحقة بالمكتبة، وفقاً للمادة الثانية من القانون رقم 1 لسنة 2001 بشأن مكتبة الإسكندرية. وأُنشئ هذا المتحف بموجب القرار الجمهوري رقم 269 لعام 2002. إذ يضم مجموعة أقسام متخصصة تعمل متناغمة مع أقسام ووحدات مركز المخطوطات.

ويستطيع زائره أن يطَّلعَ على بعض الإصدارات الإلكترونيَّة لمركز المخطوطات، التي تعتمد على أحدث التقنيات الرقميَّة، مثل تقنية التصفُّح التخيلي على أجهزة كمبيوتر بشاشاتٍ لمسيَّة، مما يُتيح الاطلاعَ التفصيلي على المخطوطة، مع تقليب الصفحات وتكبير الجزء المراد النظر إلى تفاصيله، وكذلك الاستماع إلى التعليق والشرح المصاحِب.

هذا ويوجد مع المتصفَّح التخيلي، المجموعة الأولى من المكتبة الرقميَّة للمخطوطات النادرة ـ وهو أحد مشروعات مركز المخطوطات بالمكتبة ـ يراها الزائر معروضةً على أحد أجهزة الكمبيوتر المزود أيضاً بشاشة لمسيَّة.

875م

أقدم مخطوطة في المتحف هي واحدة من أقدم المخطوطات في العالم، وتضم -بحسب ما جاء في صفحة-:الجزء الثالث من كتاب »الجامع الصحيح« للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى 261هـ - 875م، الذي هو أصح كتب الحديث النبوي بعد: صحيح البخاري، ومع أن هذه النسخة الخطية العتيقة معروفة عالميا.

وطالما أشار الباحثون والمفهرسون الى أنها جزء من صحيح مسلم، إلا أن باحثا في علوم الحديث قرأ الفقرة الأولى من المخطوطة، فلاحظ محقا، أن النص لا يستقيم مع الجزء الخاص بتفسير القرآن الكريم في صحيح مسلم، فهو جزء موجز من الصحيح، بينما المخطوطة بكاملها في تفسير القرآن الكريم.

. ورجح أن تكون المخطوطة جزءا من كتاب تفسير القرآن الكريم لأبي محمد البستي »اسحق بن إبراهيم بن إسماعيل الدمشقي، المتوفى 307هـ-919م«، والمخطوطة كتبها خلف بن حكيم في شهر سفر سنة 368هـ-978م، وحالتها جيدة تظهر بها آثار الترميم البدائي. وبالإضافة إلى أهمية النص، تعد المخطوطة من أهم الوثائق التي تؤرخ لتطور الكتابة العربية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).

كما يعد مخطوط ديوان سلامة بن جندل من أهم مقتنيات مكتبة الإسكندرية، فهو يمثل مخطوطة نادرة من ديوان الشاعر الجاهلي الشهير: سلامة بن جندل ـ بحسب رواية الأصمعي ـ كتبها علي بن محمد، بقلم الثلث سنة 494هـ - 1101م، وبأولها تملك باسم إبراهيم سر عسكر الذي هو إبراهيم باشا ربيب محمد علي وقائد جيوشه »تعني كلمة سر عسكر: قائد الجيوش«.

والتملك مؤرخ بسنة 1137هـ-1725م، وبصفحتها الأولى أيضا إشارة إلى أن رواية الأصعمى للديوان هي ذاتها رواية أبي عمرو الشيباني وأبي العباس بن دينار الأحول، وأن النسخة قرئت على عمار بن محمد بن الحسن. كذلك من أقدم كتب المتحف، قصائد للشاعر اللاتيني ماريتاليس.. ومعها تعليقات وشروح كتبها دومينوس كالدرينوس. إذ صدر في فينيسيا 1482م / 887 هـ.

يضم المتحف 24 وحدة عرض تستوعب ما يقرب من 100 مخطوطة، مقرونة بشرح باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية.. وهناك ضمنه 12 وحدة للعرض مهداة مِن إيطاليا ضمن اتفاقياتِ التعاون المتبادل بين البلدين، بالإضافة إلى 20 وحدةَ عرض مصريَّة الصنع.

وتستوعبُ هذه الوحدات ما يقرب من مئة وعشرين مخطوطةٍ وكتاباً نادراً، وتزين حوائط القاعة مجموعة من أغلفة مخطوطات القرآن الكريم وعلومه، بجانب قطعتين من كسوة الكعبة الشريفة. وتنقسم قاعة العرض المتحفي إلى قسمين: قاعة نوادر النوادر، القاعة الرئيسية التي تضم مجموعة متنوعة من المخطوطات والكتب النادرة.. وغيرها من مقتنيات المكتبة النادرة.

" تاج العروس"

خصص هذا الجزء من المتحف، لعرض أندر المخطوطات والبرديات الموجودة، ويضم ثماني خزائن مجهزة لهذا الغرض، تحوي في داخلها ذخائر المخطوطات النادرة. ذلك على النحو التالي:

أولاً، بردية المكتبة القديمة: نسخة طبق الأصل من البردية المحفوظة في متحف فيينا، وهي تعتبر الأثر الوحيد الباقي من مكتبة الإسكندرية القديمة. بالإضافة إلى هذا، تعرض هذه البردية على متصفح خاص أعده مركز المخطوطات خصيصاً لها.

ثانياً، مجموعة من المزوقات، منها: »الكواكب الدرية في مدح خير البرية« للبوصيري، وهي نسخة خزائنية بديعة من قصيدة شرف الدين أبي عبدالله محمد بن سعيد الدلاصي، وتعرف هذه القصيدة باسم البردة ولا تدانيها في الشهرة من قصائد المديح النبوي (المخطوطة كتبت وزخرفت لخزانة السيدة عائشة بنت إسماعيل الخازن)، وهي ملونة الأسطر: مذهبة ومكتوبة بخط الثلث، في القرن العاشر الهجري تقديرا، وبأولها تملكات أقدمها مؤرخ بسنة 1051هـ/1641م. وتقع في 29 ورقة مقاس 32 23سم.

وأيضاً هناك: »نزهة الحادي« للمراكشي، وهي نسخة نادرة من كتاب نزهة الحادي في أخبار ملوك القرن الحادي عشر للأقراني (محمد الصغير بن عبد الله المراكشي، المتوفى في حدود سنة 1150هـ/ 1737م). وفيها يؤرخ المؤلف لملوك القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، ويتحدث عن أخبارهم، والمخطوطة بديعة النقش والزخرفة والتجليد، كتبت بقلم مغربي، سنة 1263هـ/ 1847م، فواصلها ملونة ومؤطرة بإطار ملون، أوراقها 119ورقة، مقاس 2317سم.

كما يضم هذا الجزء العديد من المخطوطات، منها: »تاج العروس من جواهر القاموس« للزبيدي، »استحصال حكمتي النظر والعملية« للحاج السيد حسن حازم بن أحمد حلمي، »سلوان المطاع في عدوان الطباع« لابن ظفر، »شرح العوامل المائه للجرحاني«.. لمجهول.

ثالثا، المخطوطات الخزائنية، وهي نوع من المخطوطات التي كتبت للسلاطين والملوك، أو للأمراء وكبار العلماء، حيث كانت تكتب نسخة من مخطوط لوضعها في خزائن كتبهم الخاصة، وفي هذه الحالة لا يشار إلى ذلك في قيد الفراغ من كتابة النسخة..

وإنما على صفحة »الظهرية«. وتكون هذه النسخ عادة مكتوبة بخط منسوب، ويطلق عليها »المخطوطات الخزائنية«. ويثبت عليها ذلك بصيغ مختلفة، منها: »لخزانة...«، »لأجل...«، »برسم خزانة...«، »تحفة لـ...«. وغيرها من الصيغ المختلفة التي تشير لذلك، ومنها: شرح الألفية (لابن مالك) لبدر الدين أبي عبد الله محمد، »المرج النضر والأرج العطر« للأسيوطي، الكاشف الذهبي.

38 كتاباً

رابعاً، مخطوطات ألفية، ومنها: المدونة في فقه المالكية وهذه المخطوطة واحدة من أنفس مقتنيات مكتبة الإسكندرية. وهي عبارة عن أربعة مجلدات مكتوبة على الرق (الجلد). كل مجلد منها محفوظ في علبة من الجلد الأحمر الفاخر، وتضم المخطوطة، بأجزائها الأربعة، أحد متون (كتب) الفقه المالكي وأشهرها..

وهي المدونة برواية سحنون بن سعيد التوخي المتوفى 240 هـ، عن عبد الرحمن بن القاسم العتقي المتوفى 191 هـ/807 م، عن الإمام مالك بن أنس المتوفى 179 هـ/ 795م.

وتشمل هذه المجموعة الخطية علي 38 كتابا من المدونة كتبت بقلم مغربي في تواريخ مختلفة، بداية من سنة 499 إلى سنة 530 هـ (1106- 1136م). والمجلد الثاني منها بخط يوسف بن عبد الجبار بن عمر العبدري، كتبه سنة 509 هـ/ 1115م، وعلى بعض أوراقها تقييدات بخط الصوفي الشهير، الشيخ عبد الوهاب الشعراني، تقع الأجزاء في 114، 153، 154، 172 ورقة (رق) مقاس 2720 سم.

خامساً، الطبعات النادرة، ومنها: خطب ورسائل إيزوقراط، صادر عام 1621م/ 1030هـ. ويقدم هذا الكتاب حياة ومختارات من خطب ومقالات الخطيب اليوناني الشهير إيزوقراط، الذي عاش في أثينا (436- 338 ق.م)، وارتبطت خطبه بمناسبات مهمة وأحداث جسام مرت ببلاد اليونان في زمنه..

والكتاب في غلاف من الجلد الطبيعي، وتضم صفحاته النص اليوناني (الأصلي) مع ترجمة لاتينية بين السطور. وأهدى هذا الكتاب إلى مكتبة الإسكندرية، ضياء الدين حسن القاضي، سنة 1416هـ/1996 م. وهناك أيضاً الكثير غير ذلك.

مجموعات متنوعة

تضم القاعة الرئيسية للمتحف مجموعة من خزائن العرض، تبدأ بمجموعة من المخطوطات الخاصة بعلوم القرآن الكريم والحديث والسنة النبوية، ومجموعة من المصاحف الشريفة، وغيرها من العلوم الفقهية، يليها مجموعة من المخطوطات الخاصة بالعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ.. بالإضافة إلى مجموعة من المخطوطات المهداة، والكتب المقدسة، ومجموعة من الألبومات..

والوثائق النادرة. ومن مخطوطات علوم القرآن الكريم: »المكتفي في الوقت والابتلاء« للداني- كتب 1330م / 730هـ، »مفاتيح الغيب« لفخر الدين الرازي- كتبت في القرن 18م / 12هـ. ومن مخطوطات الحديث النبوي: »الفائق في غريب الحديث« للزمخشري- 1267م / 665 هـ، »الجامع«، للخطيب البغدادي- كتب في القرن 12م / 6هـ. كما تشتمل المجموعات على:

ترجمات معاني القرآن الكريم بلغات كثيرة، مخطوطات الفقه، مخطوطات الشروح والحواشي، مجموعة من الكتب المقدسة أيضا (العهد الجديد باللغة العربية، إنجيل جوتنبرج، طبعة قديمة من التوراة باللغة العربية كتبت على لفافة طويلة).

ومن مخطوطات الأدب: »المرموزات العشرون« للمظفر العمري 1314 م /688 هـ (صدر الدين أبي المعالي المظفر بن محمد بن روزبهان، المتوفى 688هـ/ 1289م).

رحلات بين كنوز المعرفة

تتميز جدران قاعات العرض في المتحف، بأنها مغطاة بجداريات عبارة عن مقتطفات من المخطوطات المعروضة؛ بالإضافة إلى قطعتين من كسوة الكعبة، الأولى ـ المربعة ـ قديمة نسبيا، مصنوعة من القطيفة الزرقاء الداكنة المحلاة بنقوش هندسية بسيطة وزخارف من حركات الضبط.. والثانية ـ المستطيلة ـ حديثة، مذهبة، أرضيتها من القطيفة الزرقاء؛ كان الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز قد أهدها في زيارة إلى مكتبة الإسكندرية.

لوحات

يضم المتحف مجموعة من اللوحات عبارة عن صفحات من مخطوطات وأغلفة لمخطوطات كانت معروضة من قبل، ففي كل عامين يجري تجديد قاعة العرض لإتاحة الفرصة لاستخدام أساليب عرض جديدة ولاستعراض أكبر عدد ممكن من المخطوطات والكتب النادرة.

وعلى الرغم من تطور القاعة سنوياً، إلا أنها تحتفظ بشكلها ومحتوياتها عن طريق عمل زيارة تخيلية تتاح على اسطوانة مدمجة. ومن ثم، فإن القاعة تصطحب الزائر في رحلة من كنوز المخطوطات والكتب النادرة في مختلف الموضوعات.

13 خريطة نادرة لمصر تعود إلى القرن 16

تعرض في قاعة عرض المخطوطات والكتب النادرة مجموعة نادرة من الخرائط لمدينة الإسكندرية خاصة ومصر عامة، يبلغ عددها ثلاث عشرة خريطة. وترجع أقدم الخرائط إلى القرن السادس عشر الميلادي، وهي مأخوذة من كتب قديمة ترجع إلى نفس الحقبة الزمنية. وتمثل هذه الخرائط مصر العليا والوسطى ووادي النيل وغيرها من المظاهر الطبوغرافية عليها شروح باللاتينية.

ويشير بعض من هذه الخرائط إلى دول مجاورة، مثل فلسطين وليبيا. أما الخرائط الأخرى فهي تصور مدينة الإسكندرية وأحياءها: الميناء، والشوارع، والأزقة، والمساجد، بالإضافة إلى العمليات العسكرية للجيشين البريطاني والفرنسي عام1801. ونفذ ورسم غالبية الخرائط السكندرية، ضباط ومهندسون مصريون بناءً على أوامر الخديوي في ذلك الوقت.