»التعليم في الصغر كالنقش على الحجر«، مقولة تنتمي إلى الحسن البصري تؤكد أهمية العلم والتوجيه منذ السنوات الأولى في عمر الإنسان؛ ولهذا تأتي أهمية الكتابة للطفل، باعتبارها اللبنة الأولى لبناء شخص ناضج قادر على العمل والتفكير الإيجابي..
وفي هذا الصدد، يؤكد عديد من الكتاب والمثقفين، الذين التقاهم »بيان الكتب«، أن الكتابة للطفل تحتاج ملكات ومواصفات خاصة، فليس كل كاتب يمكنه الكتابة للصغار، كما إنه من المهم جداً، امتلاك الموهبة الأدبية والذكاء اللغوي والقدرة على التعبير بالمحسوسات كمقومات أساسية. وأيضاً يحذر هؤلاء من النظر إلى عقلية الطفل باستخفاف.
البداية مع رائد أدب الطفل، الكاتب يعقوب الشاروني، الذي رُشحت قصته »معجزة في الصحراء« إلى مسابقة جائزة الشيخ زايد للكتاب - فرع أدب الطفل لعام 2013. إذ يلخص مقومات وملكات الأديب المتخصص في عوالم الطفل: لا بد أن نقرر منذ البداية، أن الأديب الذي يكتب للأطفال لا بد وأن يتمتع بالموهبة الأدبية وأن يكون من أصحاب الذكاء اللغوي.
سمات
ويتابع الشاروني: من يتمتعون بالقدرات اللغوية العالية نجدهم يُقبلون على القراءة والكتابة وقصّ القصص ويستمتعون بالاستماع إلى الحكايات وبالإصغاء إلى الآخرين وهم يتحدثون، كما نجد لديهم حصيلة لغوية غنية وذاكرة جيدة تحتفظ بالأسماء والأماكن والأحداث. كذلك هم يتمتعون بقدرة عالية على التحاور مع الآخرين بطلاقة، وبوجه عام، لديهم القُدرة والمهارة في استخدام اللغة.
أيضاً، وكما يقول الشاروني، فإن أديب الطفل يجب أن يمتاز بحساسيته الشديدة لمعرفة ما ينطوي عليه أي موقف أو مشكلة، فإذا حاول أن يبدع فإنه يفضل التجديد ويمتاز بغزارة الأفكار والصور الخيالية التي تنهال عليه وبدرجة عالية من المرونة تُمكنه من أن يرى الدنيا في كل لحظة من زاوية جديدة..
وهو إلى هذا كله، متفوق في قدرته على تقييم ما يُبدع. كما ينبغي، حسب الشاروني، أن يمتاز أديب الأطفال بقدرته على التعبير بالمحسوسات أكثر من التعبير بالمعاني الكلية المجردة، ويحتاج بجانب الموهبة، إلى بذل مجهود كبير لدراسة الأدب دراسة جادة، فيقرأ لكبار الكُتّاب الذين كتبوا للأطفال أو للكبار، وكذا أن يقرأ الدراسات النقدية حول ما كتبوا..
وأن يقرأ أيضاً في علم النفس وعلوم التربية، وأن يُعايش الحياة بعمق وبصيرة متفتحة. كذلك يحتاج كاتب الأطفال إلى أن يتعايش معهم ليكتسب خبرة مهمة تدور حول معرفة طريقتهم في التفكير والتخيل.. وكيفية نظرتهم إلى الشخصيات التي تحيط بهم من بالغين أو صغار.
ويختم: التعرف على عالم البراءة وكل ما يُنتسب إليه، مُقَوِّم أساسي من مقومات نجاح كاتب الأطفال، وعلى وجه خاص عندما يتعرف على خصائص كل مرحلة عمرية، لأن لكل مرحلة متطلباتها التي يجب مراعاتها عند الكتابة..
ومن أهمها استخدام الكلمات التي تدخل في المحصول اللغوي للعمر الذي يوجه إليه العمل، واختيار الموضوعات المناسبة لذلك العمر، ومراعاة طول القصة المناسب وطول الجملة المناسب، مع الاهتمام الشديد بالجاذبية والتشويق من أول جملة إلى آخر كلمة في القصة أو الرواية.
مسؤولية خطيرة
يوضح الكاتب أحمد الشيخ، الذي أصدر 27 كتاباً للطفل، أن هذا اللون من الكتابة يحتاج إلى مقومات خاصة، مؤكداً أن الكتابة للطفل صعبة وغير بسيطة، كما يتصور البعض، مشيراً إلى أنه من مقومات كاتب الطفل أن يتمتع برؤية ثاقبة لعالم الطفولة وخيال خصب يوازي الذي يمتاز به الأطفال، ومن ثم القدرة على التوصل إلى رؤية الطفل حول ما يحيط به من أشياء وأشخاص، فعالم الطفل له خصوصية وتفرض مرونة من الكاتب.
ويستطرد الشيخ: على كاتب الطفل البحث في داخله عن البعد الطفولي في شخصيته وأن يوظفه في كتاباته؛ ذلك لتحقيق التواصل مع الشخصيات، لاسيما أن كلا منا لديه بُعد طفولي عميق يظهر خاصة حين نتعامل مع الأطفال، لذا سيكون هذا البُعد مهماً في استحضار الأحداث وتخيّلها حسب رؤية طفولية. وأعتبر أن أديب الطفل من الممكن أن يكون أديباً للكبار ويستشعر بذاته رغبته للكتابة للأطفال.
ويستدل الشيخ بكاتب أدب الطفل الراحل عبد التواب يوسف، أحد رواده الذي قدم قرابة 720 عملاً للطفل، مبيناً أنه امتاز برؤية خاصة للطفل تعتمد على التوجيه غير المباشر ودعم خياله أيضاً. ويلفت في النهاية إلى ضرورة عدم الاستخفاف بالقدرات الذهنية للطفل.
فهم سيكولوجيته
يؤكد مؤلف كتابات الجيب د. نبيل فاروق، أن كاتب الطفل لا بد أن يمتاز بسمات خاصة وتركيبة عقلية تعتمد على استيعاب من يكتب لهم، فضلاً عن الخيال الخاص الذي يجاري عقل الأطفال على اختلاف مراحلهم العمرية، والذي يبدأ في التكوين من خلال تلك الأعمال التي تصب في عقله. ويشرح ما يستلزم في الخصوص:
لا بد أن تحمل النتاجات الأدبية الموجهة إلى الأطفال، القيم والأخلاق.. وأن تفتح مساحة للخيال المرحب به في هذه الفترة. وعلى الكاتب في هذا الحقل، أن يكون شغوفاً بمعرفة كل ما هو جديد حتى يستطيع نقله إلى الطفل بسلاسة. وكذا من المقومات الضرورية: امتلاك قاموس طفولي لمعرفة أبجديات هذه المرحلة وأساليب التعامل معها، معرفة سيكولوجية الطفل التي تنطلق منها أفعاله وأفكاره، الوعي بمدى خطورة التوجيه الخاطئ له..
حيث إن الطفل عبارة عن »إسفنجة« تمتص كل ما يقدم لها سواء أكانت أفكاراً إيجابية أم سلبية، تحتاج الكتابة لهذه المرحلة إلى حساسية خاصة تراعي فكر الطفل ورؤيته للعالم والمتغيرات المحيطة به.
حيلة واسعة
يشير الناقد د. مدحت الجيار، إلى أن الكتابة للطفل أصعب من الكتابة للكبار، إذ يجدر أن يتواصل كاتب الطفل مع مداركه وأن يدعم تكوينه في الوقت ذاته، علاوة على عدم الاستهانة به وبقدراته التخيلية العالية، التي لا تتوافر أحياناً عند الكبار والناضجين.
وهو يعتبر أن هذا اللون من الأدب يحمل بين طياته الخيال والمغامرات والغرابة، مع ضرورة الابتعاد عن مبدأ التوجيه المباشر. ولذا على أديب الطفل، برأيه التمتع بهذه السمات في تفكيره.. كذلك علينا دعم كتب الأطفال بالصور (بحسب الفئة العمرية). وهناك شرط جوهري مفاده: وجوب تمتع الكاتب بالحيلة الواسعة في الأفكار والألفاظ للوصول إلى الهدف.. مع مراعاة فارق الخيال بين الكبار والصغار.
تأثير سلبي
ترى دراسات كثيرة متخصصة، أنه يواجه الكُتَّاب صعوبة في مجال أدب الطفل المعاصر؛ نظراً لعزوف الطفل عن الكتب وانجذابه إلى وسائل والألعاب الإلكترونية، التي أثبتت الدراسات العلمية تأثيرها السلبي على عقلية الطفل، وهو ما يصعب عليه التعامل مع الخيال والانحصار في ما يراه ويتعامل معه من ألعاب فيديو يحمل أغلبها أفكاراً عدائية والآخر يجمد الفكر..
كما تتغير لدى الطفل مفاهيم البطولة، فبعد أن كانت تتجلى قيم الخير والحق لديه - نظراً لاطلاعه على الكتب التي تُنمي تلك القيم -، بات يستقي أفكاره من ألعاب تحث على بلادة الفكر وارتفاع معدلات العنف لديه.
لذا؛ يشدد الـــــنقاد في الحـــــقل، على أن كُتَّاب أدب الطــفل مطالبون بابتكار قصص تحمل مزيداً من الخيال وتعلي من قيمة الأخلاق والقيم الحميدة التي أصبحت محــــدودة في واقعنا الحالي، كما يرى هؤلاء أن الأسرة عليها دور مهم في توجيه الطفل إلى القراءة، من خلال تخصـــيص ساعات خاصة بالقراءة.
حقل إبداعي اجتذب أبرز الأدباء العرب
شهد العالم العربي شغفاً واسعاً من كُتَّاب كبار انطلقوا في عالم كتابة الطفل، بأدب الطفل، ومنهم الكاتب المصري كامل كيلاني الذي تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات، حتى استحق لقب رائد أدب الطفل، ولديه مكتبة شهيرة في حي وسط البلد في القاهرة، تحمل اسمه وتعد منبراً للاطلاع على أدب الطفل.
وهناك أحمد محمود نجيب المصري، الحاصل على عدد من الجوائز العربية في مجال أدب الطفل، منها: جائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي لعام 1991، إذ اختيرت قصته »مغامرات في أعماق البحار« لتكون ضمن المنهج الدراسي المصري للصف الخامس الابتدائي.
وهذا إضافة إلى: الأديب عبد التواب يوسف الذي حصل على جائزة الدولة في أدب الطفل عام 1975.. وجائزة الملك فيصل، فضلاً عن عديد من الجوائز الخاصة بمجال أدب الطفل.
وهناك رواد أدب الطفل العربي، مثل: اللبناني طارق البكري الذي ترجمت أعماله إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية، الأديب السعودي يعقوب محمد إسحاق الذي تجاوزت كتبه للطفل 300 كتاب، الأديبة الفلسطينية روضة فهيم الفرخ التي لها عديد من المؤلفات في أدب الطفل وحازت جائزة الدولة التقديرية لأدب الأطفال في الأردن لعام 1999، المغربي العربي بنجلون الذي قدم عديداً من المؤلفات ونال جوائز عليها.
أحمد شوقي.. أشعار وأناشيد تحاكي عوالم الطفولة
أسهم أمير الشعراء أحمد شوقي، في إيجاد أدب خاص بالأطفال، لاسيما بعد عودته من فرنسا في أواخر القرن الماضي، من خلال أشعار وأناشيد متنوعة يقترب بها من عوالم الأطفال بمختلف مراحلهم العمرية.
وامتازت أشعار شوقي الموجهة إلى الأطفال ببساطة الألفاظ والصور الواضحة والمعاني المباشرة لتسهيل الشعر للطفل، فضلاً عن تقديم الحكايات الشعبية التي ترسخ للالتزام بالأخلاق الحميدة والمعاني السامية والعلم والمعرفة، ليقدم شوقي نافذة لربط الطفل بالشعر مستغلاً المخزون اللغوي الذي يملكه.
وتأثر شوقي بأشعار الفرنسي لافوتين - وهو ما نتبينه في قوله: وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب لافونتين، ورغم قصر حضور شوقي في أدب الطفل إلا أنه ساهم في فتح أفق جديد لما يسمى أدب الطفل، الذي وجد له حضوراً فيما بعد، من خلال كُتّاب قدموا أدباً ثرياً معاصراً يعتمد على سبل وآليات كتابة أدب الطفل ولغة عميقة تحمل بين طياتها جماليات بلاغية يحتاجها الطفل العربي للتعرف على لغته وتراثه القديم.

