رفوف بعضها من الخشب وأخرى من الحديد أحمر اللون.. الكثير منها اصطبغ بهذا اللون بسبب الصدأ. وهي موزعة الواحدة تلوى الأخرى، تحت جسر باريسي. فيها كتب مستعملة وأخرى قديمة صفحاتها صفراء اللون رغم غلافها الجلدي الذي عبر وتخطى سنوات طويلة.

تلك هي سوق الكتب القديمة والمستعملة بالعاصمة الفرنسية باريس أو ما كانت تسمى حتى وقت ليس بالبعيد، سوق «جورج براسان» نسبة إلى اسم الحديقة التي احتضنتها منذ عشرات السنين. فرائحة الأشياء القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب تنبعث من المكان، الكل منهمك في البحث عن «الكتاب النادر» الذي يمكن التفاوض على ثمنه ببعض اليوروهات.

عشاق الكلمة الجميلة يتباهون بأجمل ما عثروا عليه من روائع الأدب الفرنسي والعالمي.. الذي تركه كتاب غالبيتهم رحل عن الحياة الدنيا. بائعون يعددون بصوت عال بعض العناوين التي غابت عن رفوف المكتبات الباريسية ويمكن إيجادها عندهم بين مئات الكتب القديمة التي توارثوها أباً عن جد.

سوق الكتب القديمة والمستعملة في باريس هي أشهر وأكبر سوق للكتب القديمة في العاصمة الفرنسية باريس، وتضم نحو ثمانين بائعاً متخصصاً في هذا المجال، كما أنها تأسست في شهر أكتوبر من العام 1987 في حديقة «جورج براسان»، تحت جسر باريسي ضمن الدائرة الـ15، ولذلك بقيت تسمى إلى وقت ليس بالبعيد: سوق «جورج براسان» للكتب القديمة.

تفتح السوق أبوابها في نهاية كل أسبوع، خلال يومي السبت والأحد، على مدار أشهر السنة، من التاسعة صباحاً وإلى غاية السادسة مساء، وبفضل موقعها الاستراتيجي المتميز في الدائرة الـ15، صارت السوق موعداً مهماً للمهنيين في عالم المكتبات وهواة جمع الكتب القديمة من الفرنسيين والأجانب..

حيث صار من زبائنها الأوفياء كثير من الأوروبيين والأميركيين القادمين من الضفة الأخرى من المحيط، إذ يأتون للبحث عن كتب غابت صفحات الكثير منها، وربما أنها اختفت هي كاملة، من على رفوف المكتبات. وبعضها يعود إلى القرن الثامن عشر، وهناك أخرى تحمل توقيعات أصحابها الذين صنعوا صيت الأدب الفرنسي في الخارج.

نشأة

أنشئت سوق الكتب القديمة والمستعملة عام 1987 من قبل جمعية (جيبي): «GIPPE»، وهي جمعية فرنسية مستقلة نشاطها الأساسي يتمحور حول الكتاب والكتابة. وقررت الجمعية في نهاية الثمانينيات من القرن الفائت..

وبمساعدة إدارة حدائق باريس التابعة لبلدية باريس التي كان يرأسها في تلك الفترة الرئيس اليميني السابق جاك شيراك، المعروف باهتمامه الكبير بالثقافات العالمية، تجميع نحو ثمانين مكتبياً.. ومن هواة تجميع الكتب القديمة، في مكان واحد، أثناء نهاية كل أسبوع وعلى مدار السنة، بعدما كانوا مبعثرين على أماكن كثيرة، حتى يصير الموعد والمكان مرجعياً في الكتب القديمة في كامل باريس.

واختار القائمون على المشروع حديقة «جورج براسان» في الدائرة الـ15 التي أنشئت على أنقاض مسالخ «فوجيرار» الشهيرة التي بنيت في القرن الثامن عشر بأمر من نابليون الأول، لتنظم فيها عمليات الذبح لغاية عام 1978، حيث قررت بلدية باريس وقتها، إغلاق أبوابها نهائياً وهدم بعض بناياتها القديمة.

الشاعر والمغني

لم تستمر المسألة على هذا النحو. إذ حولت بلدية باريس بعدها هذه المسالخ إلى حديقة كبيرة أطلق عليها اسم حديقة «جورج براسان»، نسبة إلى الشاعر والكاتب ومؤلف الأغاني الفرنسي الشهير الذي عاش فترة طويلة من حياته على بعد أمتار منها: جورج براسان. وهو واحد من أشهر الفنانين الفرنسيين الذين أدوا الأغاني الشعبية الملتزمة..

ويحتوي سجله الفني على أكثر من مئة قصيدة ألفها ولحنها وغناها هو نفسه. كما غنى قصائد أشهر الأدباء والشعراء الفرنسيين، مثل: فيكتور هيغو وبول فيرلين ولويس أراغون. وتوج بالجائزة الكبرى للشعر من الأكاديمية الفرنسية عام 1967.

في عام 1987، وبعد منح السلطات الفرنسية الضوء الأخضر لجمعية جيبي، بنيت سوق مفتوحة على جزء من حديقة «جورج براسان»، لتمنح الكتاب القديم حيزاً وسط المساحة الخضراء في مكان استراتيجي وسط العاصمة باريس، ليصير الموعد أسبوعياً يعرض فيه المكتبيون آلاف الكتب القديمة والمستعملة، في مختلف التخصصات. وتتربع السوق اليوم على مساحة 2500 متر مربع، الأمر الذي يجعلها أكبر سوق للكتاب القديم في فرنسا كلها.

لقيت الفكرة منذ البداية الترحيب والإقبال من قبل سكان باريس، وشيئاً فشيئاً، ذاع صيت السوق في كامل فرنسا..

حيث صار يأتيها الزوار من كل مكان، خصوصاً في السنوات الأخيرة. بينما أصبح العالم يسير بسرعة التكنولوجيات الحديثة والكتاب الرقمي، وكبر الحنين إلى الكتاب القديم الذي عبر السنين وأحياناً القرون، لتبقى كلماته الجميلة تصنع متعة عشاقها. وفي فترة لاحقة، استوحت مدن فرنسية عدة الفكرة، لتتبناها على الأقل مرة كل عام، كما هي الحال في مدينتي مرسيليا وتولوز جنوب فرنسا.

عشق

جوزيف كارسمكرز، واحد من بائعي الكتب بسوق «جورج براسان»، ورث مهنة بيع الكتب القديمة عن والده الذي كان مكتبياً في هولندا. إذ ترك بلده الأصلي وسافر إلى باريس حين كان في الـ20 من العمر. فانضم إلى فريق بائعي الكتب ضمن سوق الكتب القديمة والمستعملة، منذ فتحت أبوابها في سنوات الثمانينيات من القرن الفائت، وهو في الفترة الحالية، متخصص في كتب التاريخ والحرب الكبرى، وكذلك في حقل علوم الطيران والبحرية.

وعن السوق وسنواته فيها، يقول: «هذه السوق هي مكان مهم لهواة وعشاق الكتب القديمة، فهي معرض مفتوح متاح للجمهور على مدار السنة، الزبائن يأتوننا من كل مكان، وعلى مدار السنين. صار لدينا زبائن أوفياء يزوروننا مرتين أو ثلاث في العام، يأتون من بعيد باحثين عن الكتب النادرة التي يثرون بها مكتباتهم الخاصة...».

ليس بعيداً عن رفوف جوزيف، يمكث «عاشق» آخر للكتب القديمة ضمن هذه السوق، إذ إنه يسكن المكان منذ سنوات. فحبه للأسفار واكتشاف ثقافات الشعوب الأخرى، أوصله إلى حيث سوق «جورج براسان»، ويدعى باتريك شارتون، هذا الستيني، شرب أولى لبنات حب المطالعة وعمره لم يتعد الأربع سنوات، كما يوضح، بفضل جده الذي كان يقضي ساعات طويلة من اليوم برفقته.

صورة فريدة لافتة يبدو عليها باتريك شارتون، بينما يمارس عمله في السوق. إذ تتبينه يجد متعة دائمة وهو يتقاسم الحديث مع زبائنه، حول كتب الفن في آسيا وإفريقيا، وعن أخرى حول الأديان وتاريخ المستعمرات الفرنسية في فرنسا وآسيا، أو الخرائط الجغرافية القديمة التي تزخر بها رفوفه الخشبية المتواضعة.

واحة ثقافة وفكر تحتضن فعاليات شتى الجهات

تتكفل جمعية «جيبي» في فرنسا، بتنظيم العديد من المواعيد الدورية الأخرى التي تخص الكتاب بالقرب من سوق الكتب القديمة والمستعملة، كمعرض كتاب الطفل الذي جاء يومي 10 و11 أكتوبر الماضي في دورته الـ25، حيث قدم نحو 20 متخصصاً في بيع الكتب، عشرات الآلاف من كتب الأطفال القديمة التي أعطت لمحة عن المراحل التي مر بها كتاب الطفل..

إضافة إلى تنظيمها المعرض السنوي للأدوات والعجائب العلمية الذي جاء للمرة الأولى في العام 2012، وذلك تزامناً مع عيد العلوم، حيث قدم نحو (30 مكتبياً) جاء بعضهم من فرنسا، والبعض الآخر من بلدان أوروبية أخرى، آلاف الكتب والقطع العلمية القديمة منها والنادرة.

وفي العموم، باتت شهرة هذه السوق كبيرة في فرنسا. كما أنها أضحت تصنف من بين أبرز المعالم الثقافية المهمة، علاوة على كونها أصبحت الخيار الأمثل والأول لجميع الجهات، لتكون مقراً لأي من الأنشطة والبرامج التي تطلقها.

علاقة حميمية قوامها المعرفة

أصبح للسوق مجموعة من الزبائن المعروفين. إذ تجد الباعة فيها نسجوا علاقات عميقة مع الكثير من الزوار، وكأن بين البائع والزبون، وأنت ترقبهما، صلة قربى أو علاقة نوعية. فالنقاشات بينهما حامية. ولا ينفكان يقلبان موضوعات التاريخ والأدب وحكايات عمالقة الفكر والأدب والفن. وذلك في نسق حوارات يبقى ناظمها ومحورها قيمة الكتب التي تحويها السوق. إذ تضم كل هذه الأنواع المعرفية.