لعبت الصحافة الثقافية، على امتداد تاريخها، دوراً محورياً في دعم المبدعين وإتاحة الفرصة لتقييم أعمالهم ونشرها ورفد المشهد الإبداعي بعديد من المبدعين الجدد، لا سيما البعيدين عن أضواء العاصمة.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً كبيراً في هذا الدور، وعلى الرغم من أن الصحافة الثقافية لم تختفِ من المشهد، لكن حضورها أضحى هُلامياً في المشهد الإبداعي، ويكاد يكون بلا جدوى. ذلك كما تقول جملة من الآراء المتخصصة.
(بيان الكتب) يرصد هذه القضية الثقافية- الإعلامية، الإشكالية، في واقعنا، مستطلعا وجهات نظر عدد من الكتاب والمعنيين في هذا الشأن، وراصداً تحليلاتهم وشروحهم حول المسألة.
»الصحافة الثقافية تعيش أزمة حقيقية وتعاني من تراجع ملحوظ واختلال في المستوى الذي ظهر في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم«. بهذه الكلمات بدأ الشاعر د. صلاح الراوي، السكرتير العام السابق لاتحاد الكتاب المصريين، حديثه وتعليقه بخصوص القضية، مبرراً ذلك بوقوع الصحافة الثقافية في إطار الأزمات الفرعية وتصفية الحسابات.
توجه فضائحي
يشير صلاح الراوي إلى أن الصحافة الثقافية في مصر تفتقر إلى التركيز على الحياة الثقافية ومجتمع المثقفين، وتصب تركيزها على العلاقات بين المؤسسات الثقافية وتبحث عن الفضائح داخل الأروقة الثقافية والأزمات التي تتصاعد داخل المجالس الثقافية، متناسية الإبداع الأدبي والثقافي الذي يجب أن يطيح بتلك الأزمات.
ويتوجه الراوي إلى عدة عناصر من شأنها استعادة مكانة الصحافة الثقافية: »لا بد لنا، وإلى أن يتحقق واقع قدرتنا على رفع مستوى هذا التخصص كما كان من قبل، من توسيع إطار المفهوم الثقافي والاهتمام بالقراءة والشعر والأدب، وتغطية المجتمع الإبداعي من مثقفين وكتاب وقراء وظواهر أدبية، والخروج من عباءة تغطية أزمات وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية..
ذاك فضلا عن تكوين كوادر إبداعية حقيقية داخل المؤسسات الصحافية. ويستنكر الراوي حال وجود محرر صحافي أو رئيس صفحة ثقافية، لا صلة له أصلًا بالثقافة، هذا في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الصحافة جزءا من الثقافة وتدعمها وتغذيها، إذ لا يمكن اعتبار الصحافة كياناً بعيداً عن الثقافة.
تهميش
يصف الكاتب والروائي أحمد الشيخ، الصحافة الثقافية بالمهمشة، سواء على صعيد الصحف والمجلات القائمة أو ضمن الصفحات الثقافية في صحيفة أو مجلة ما. والمؤسف فعلياً أن هذه الصفحات من السهل حاليا التخلي عنها وحذفها، فقط بسبب وجود إعلان أو مادة سياسية أو اقتصادية أو....، يراد أن يتوسع بها.
ويتابع: هذا يعكس النظرة المتدنية للثقافة بشكل عام والصحافة الثقافية بشكل خاص، وهو ما يهدد المشهد الثقافي لعدم وجود نقاد ومتابعين للمشهد الإبداعي ومتغيراته، كما أن هذا الأمر ينعكس على القارئ وطبيعة متابعته للحياة الثقافية.
ويشدد أحمد الشيخ على ضرورة ربط الصحافة الثقافية بنطاق التغطية الجيدة والتعامل معها على أنها جزء لا يتجزأ من التغطية الصحافية العامة، مع ضرورة تخصيص مساحة أكبر من التغطية والتعامل مع صحافيي الحقل الثقافي بقدر من الاهتمام والجدية، وكذا الحث على الارتباط بها أكثر، حيث إن الثقافة إحدى وسائل بناء الفكر والعقل.
أزمات
يؤكد الشاعر سعد عبدالرحمن - الرئيس الأسبق لهيئة قصور الثقافة، أن الصحافة الثقافية في مصر تعاني من أزمات متعددة، بدءاً من المحاباة والمجاملات ووصولاً إلى التغاضي عن تغطية الأنشطة الثقافية المتنوعة، ولا سيما الشعر الذي يعاني من تراجع سواء للمتابعة أو التغطية.. إضافة إلى تركيز الاهتمام على العاصمة، وتجاهل الأقاليم التي تزخر بمبدعين يعانون من التجاهل والنسيان.
ويستطرد عبدالرحمن: الصحافة وسيط بين المؤسسات والقطاعات والمتلقين، لذا لا بد أن تكون على قدر المتغيرات والتطورات في جميع الساحات، ومنها الساحة الثقافية التي تهمشها غالبية المؤسسات الصحافية، وهذا ما يفسر تراجع المتابعة للحياة الثقافية بصورة أو بأخرى. وفي رأيي، لا بد من زيادة الوعي بأهمية هذا النوع من الصحافة المتخصصة، لأن الثقافة تمثل الوجه الآخر للمجتمع.
ويردف: المشهد الثقافي مثل الدائرة، تترتب عناصرها واحدة على الأخرى، ومن ثم فإن نمو الثقافة يعتمد على وجود أعمال أدبية جيدة يكتب عنها وتبرز عن طريق الصحافة، ليعلم القارئ بوجودها، ومن هنا تستمر دائرة الثقافة في المجتمع، بينما التغاضي عن أي من هذه العناصر يفقد الحياة الثقافية جانباً حيوياً مهماً، إذ أصبح التردي جزءا من الحياة اليومية ولا تعتبر الثقافة بعيدة أو منفصلة عن هذا السياق.
عزوف وإحباط
لا يقتصر دور الصحافة الثقافية، برأي الروائي صبحي موسى، على الترويج أو التغطية للساحة الأدبية، بل من شأنها أن تعمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي بالأدب عن طريق النقد الأدبي، الذي يشهد بدوره تواريا كبيرا في العقود الأخيرة، لاسيما مع فقد العلاقة بين الكاتب والقارئ لعدم تركيز الأخير على الأدب، أو العزوف عن القراءة بصفة عامة، خاصة مع الزيادة الرهيبة في أسعار الكتب وفي الوقت نفسه تدني الحالة الاقتصادية للمواطنين.
ويبين موسى أن الصحافة الثقافية ينبغي أن تستعيد مكانتها بدعم وتغطية جميع أشكال الفنون الأدبية من القصة القصيرة والرواية والشعر ومناقشة الظواهر الأدبية وتحليل المتغيرات التي تطرأ على المشهد الإبداعي بموضوعية، معتبرا أن التجاهل الحادث حاليا يبعث على إحباط الكُتاب والمبدعين.. كذلك القراء.
تهميش
تتطرق الكاتبة سعاد سليمان، في حديثها حول القضية، إلى تجربتها الخاصة في مجال الإعلام الثقافي، موضحة أن المؤسسات الثقافية والدولة بصفة عامة، لا تهتم بالأنشطة الثقافية ولا تعطي لها مساحة وجود كافية أو حتى مخصصات مالية تحرك المياه الراكدة في مسيرة الإبداع.
وتوضح في الشأن أن الصحافة لا تأتي على وتيرة الإبداع الأدبي ذاتها، وهو ما يهدر الإبداع من دون الوصول إلى غالبية المتلقين، لا سيما الذين يصعب عليهم متابعة المشهد الثقافي عن قرب.. أو من خلال المجلات المتخصصة.
وتلفت سعاد إلى أن الصحافة الثقافية تحولت إلى نوع من الشللية، فكل مسؤول صفحة يقتصر اهتمامه على مجموعة من معارفه، متجاهلا آلاف المبدعين الذين يعانون من التهميش التام، سواء من قبل مؤسسات الدولة أو من الصحافة الثقافية التي يفترض أن تكون لسان حال كل مواطن.
وترى سعاد سليمان أن الصحافة المصرية لا تقدم الغطاء المناسب للنشاط الثقافي وتحتاج إلى دعم في خصوص كوادرها وعناصرها، فضلا عن الحاجة المجتمعية العامة بأهمية أن تعي الدولة قيمة دور المثقف وضرورة دعمه ودعم موقفه، بعيدا عن التهميش وتثبيط المواهب، من دون وعي أو وجه حق.
فكر تنافسي
توضح دراسات متخصصة أن المجلات الثقافية المتخصصة تعاني حالياً من صعوبات في استمرارية الصدور، رغم بروزها بقوة وحماسة كبيرة أثناء التدشين، إلا أن هذه الحماسة تتراجع بعد إصدار بعض الأعداد لقلة التمويل، كذلك عدم وجود معلنين، وهو ما يقلص فرص تلك المجلات في البقاء ويكتب لها الوفاة مبكرا في مهد الولادة.
واعتمدت الصحافة الثقافية في بداية القرن العشرين المنصرم، على قامات ثقافية كبيرة كتبت في الجرائد والصحف المتخصصة، فكان إحسان عبدالقدوس ينشر حلقات رواياته على صفحات مجلة »روز اليوسف«، كذلك كتب أحمد لطفي السيد وطه حسين يوسف إدريس ويوسف السباعي، على صفحات الجرائد، رؤيتهم وتحليلاتهم حول المشهد الثقافي والقضايا التي شغلت الرأي العام في المشهد الثقافي المصري.
ومع تراجع الاهتمام الثقافي وتغليب الملفات السياسية على التغطية الصحافية تقلصت مساحة الثقافة واعتمدت على التغطية الخبرية، من دون الاهتمام بالقضايا أو الإبداع الأدبي بأشكاله، فضلا عن الاهتمام بالأزمات والفضائح داخل الوسط الثقافي، بلا انتباه إلى ضرورة تسليط الضوء على النشاط الثقافي والإبداع الأدبي.
سبب تدهور
ويرجع البعض أسباب إخفاق المجلات الثقافية، إلى انخفاض أسهم الثقافة في المجتمع المصري والعربي، إذ لا تشكل الصحافة الثقافية مرجعاً مهماً في قائمة أولويات وضروريات القارئ المصري أو العربي، وتقتصر متابعة المتغيرات الثقافية على المتخصصين الذين يلجؤون في غالبية الأحيان إلى المدونات كسبيل جديد لإحياء الصحافة الثقافية، وهو ما حقق لها حضوراً كبيراً بالنسبة إلى المهتمين بالثقافة.
رافد
مثلت مجلة الهلال، منذ أسسها جورجي زيدان في مصر عام 1892، رافداً نوعياً للثقافة والأدب، مبرزة أهمية حضور الصحافة الثقافية. وذلك في الشرق العربي.. والوطن العربي، خاصة وأنها تجسدت كمجلة ثقافية متخصصة تتناول الحركة الفكرية والمعرفية والأدبية العامة. وكانت بذا أول مجلة من نوعها في الشرق الأوسط، حيث صدر عددها الأول في القاهرة في 1 سبتمبر باللغة العربية..
واهتمت بالشأن الثقافي وقسمت أبوابها إلى خمسة أبواب: أعظم الرجال، باب الروايات، باب تاريخ الشهر، باب المنتخبات من الأخبار وباب التقريظ والانتقاد. ولا تزال المجلة تصدر حتى اليوم.
بحث عن الخلاص عبر الشبكة العنكبوتية
لجأ صحافيون وباحثون، في محاولة لإنقاذ الصحافة الثقافية، إلى الشبكة العنكبوتية لإصدار أعمالهم ورؤيتهم عن مستجدات المشهد الإبداعي، ومن أشهر تلك المدونات »أراك لاحقا«..
كذلك مدونة »قرأتُ لك« الجزائرية الصادرة في 2010. ويرى البعض أن المدونات تسمح بسهولة التواصل، كما توفر ديناميكية أكثر إلى المهتمين بالمشهد الثقافي، وتتيح فرصة المشاركة أمام الجميع دون انتظار شراء الجريدة أو المجلة المخصصة.
1948
اهتمت دول عربية عديدة بالترويج لتراثها الثقافي من خلال الصحافة، فعلى سبيل المثال أصدرت دولة الكويت مجلة »كاظمة« كدورية شهرية معنية بالآداب والفنون والاجتماع والعلوم في عام 1948، ورغم استمرارها تسعة أشهر إلا أنها توقفت مع عدد مارس 1949.
وأيضاً من أوائل المجلات الثقافية في المملكة العربية السعودية »المجلة العربية«، وهي مجلة شهرية تهتم بالمجال الثقافي أسست في عهد الملك فيصل عام 1974، وكان أول إصدار لها في عام 1975..
وترأس تحريرها الدكتور منير العجلاني، وتتسع اهتمامات المجلة إلى الدراسات والآداب والآراء حول الساحة الثقافية، وتتيح مساحات للمشاركات الإبداعية من قبل القراء، فضلاً عن فتح صفحات للحوار، كما توفر المجلة كُتيباً مع العدد الشهري، وتعتبر المجلة من أهم المجلات الثقافية في المنطقة العربية.
ولا تغيب عنا في هذه المحطة، أهمية وقيمة مجلة »العربي« الكويتية، التي شكلت وتشكل حالة ثقافية نهضوية في العالم العربي أجمع.

