متغيرات عديدة وعاصفة مرت على مصر خلال الـ 70 عاماً الماضية، سياسية ومجتمعية، شهدت خلالها البلاد الكثير من الأحداث.. والحكام والمسؤولين والمبدعين.
ولكن البارز أنه كانت مقاهي القاهرة الثقافية قاسماً مشتركاً في هذه المتغيرات. إذ ظلت صامدة، وأثبتت أن مرور الزمن لا يزيدها إلا شهرة وأصالة، ومتفردة على غيرها من مقاهي وسط البلد، مرسخة بذا ملامح حميميتها وأصالتها وقيمة تاريخها، لتبقى معهما متحدية أي تطورات عصرية تحاول النيل منها ومن قيمتها.
وفي الخصوص، يعتبر مقهى «زهرة البستان»، من أهم المقاصد الثقافية غير الرسمية. فعلى امتداد نحو ثمانين عاماً، صار قبلة للمثقفين الذين وجدوا فيه ملتقى مفتوحاً للمثقفين من جميع الأطياف، بخلاف المقاهي الكبرى، مثل «الجريون»، الذي كان يقتصر على فئات محدودة منهم.
شعر وأنس
يمتاز مقهى «زهرة البستان» بمساحة كبيرة لا يحدها سقف، ليجتمع المثقفون ليلاً أو صباحاً، ينشدون قليلاً من الشعر أو يناقشون رواية جديدة، وهذا ما جعل عديداً من المثقفين يعتبرون المقهى كجامعة موازية، يتخرج فيها شباب المبدعين، ليصبحوا في ما بعد من مشاهير الكتاب في مصر والعالم العربي.
كما يشهد المقهى عديداً من اللقاءات الصحافية التي كانت ولا تزال تتم بداخله، نظراً لسهولة الوصول إلى المكان في وسط القاهرة، فضلاً عن سهولة التواصل مع المبدعين فيه بأريحية، وكذلك الالتقاء بعديد من المثقفين والمبدعين في وقت واحد ومكان واحد، ما يسهل على الصحافي إنجاز حواره أو تحقيقه، ليصبح المقهى أيضاً كعلامة جودة للصحافيين.
وجمع هذا المقهى كُتّاباً مهمين، مثل أحمد عبد المعطي حجازي وخيري شلبي وعلاء الأسواني، ولا تزال تتوافد عليه أجيال من المبدعين، منهم: وحيد الطويلة ومكاوي سعيد وسعيد الكفراوي وعزت القمحاوي وحمور زيادة وصابر رشدي وفتحي سليمان.. وغيرهم.
1936
في شارع «مظلوم» بباب اللوق بوسط القاهرة، يقع «مقهى الحرية»، الذي افتتح عام 1936 باسمه الحالي. في البداية كان مقصداً للضباط والجنود الإنجليز، ثم توالت بعد ذلك مجموعة من الفئات الأخرى، مثل: الباشاوات والفنانين والمثقفين، منهم: الدرملي باشا والضباط الأحرار، وبصفة خاصة الرئيس الراحل أنور السادات..
كما ارتبط اسمه على مدار السنوات التالية بمجموعة من رموز الثقافة والفن، مثل: الشيخ زكريا أحمد، والفنانين أحمد رمزي ورشدي أباظة وشكري سرحان وزكريا الحجاوي، ولاعبو الكرة: عبد الكريم صقر ومختار التتش، والمخرجان: فطين عبد الوهاب وحسن الإمام.
أما في السنوات الحالية، فالمقهى، رغم كونه لم يعد جاذباً للفنانين والمثقفين الكبار، كما في السابق، إلا أن العديد من الجماعات الثقافية الشبابية، صارت تفضل أن ترتاده، وتعقد جلساتها وندواتها فيه، وساعدها في ذلك أنه من أكبر المقاهي مساحة.
1908.. عام «ريش»
بينما يعد مقهى «ريش» من أكثر الأماكن ارتباطاً بالمثقفين، كما ورد ذكره في عديد من القصائد الكبرى والروايات الشهيرة لمبدعين جلسوا على مقاعده، وظل في مكانه في شارع طلعت حرب، كأثر شاهد على عقود متعاقبة مضت، ولم تأخذه معها.
أسس المقهى، رجل الأعمال النمساوي بيرنارد ستينبرج عام 1908، على أنقاض أحد قصور محمد علي باشا، ثم ما لبث أن باعه لرجل الأعمال الفرنسي هنري ريسن، الذي سمى المقهى باسم «ريش»، ليتشابه بهذا الاسم مع أشهر مقاهي باريس الذي لا يزال قائماً إلى الوقت الحالي، ليجمع المقهى عدداً كبيراً من المثقفين، مثل: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله وصلاح جاهين وثروت أباظة ونجيب سرور وكمال الملاح. كما أسهم المقهى بدور فعال أثناء ثورة 1919.
الندوة الثقافية
وانطلاقاً إلى شارع باب اللوق، حيث يقع مقهى «الندوة الثقافية»، الذي أنشئ في الستينيات من القرن الـ 20، إذ احتفى على موائده بكبار المثقفين آنذاك، وكان يشهد أسبوعياً ندوة ثقافية، واظب عليها كبار المبدعين، بينهم: نجيب محفوظ وجمال الغيطاني ويوسف القعيد، والفنان أحمد زكي والفنان يحيى الفخراني، وفي العصر الحديث، نظم عديد من الكتاب الشباب ندواتهم بداخله، منهم: الكاتب علاء الأسواني، الذي أقام ندوة جمعت كثيراً من قرائه ومحبيه.
والغريب أن مقهى «الندوة الثقافية» لا ينتهج النهج الرسمي للمقاهي العادية، فلا تلفاز ولا طاولة أو دومينو، فقط راديو صغير يعمل صباحاً على إذاعة القرآن الكريم، ثم يترك بقية اليوم دفته للرواد أنفسهم، الذين يتنوعون حالياً ما بين شباب المثقفين أو الصحافيين الذين يبحثون عن الهدوء والصحبة المشابهة.
ملتقى الإعلاميين
أما في شارع شامبليون، فيتخذ مقهى التكعيبة، مكاناً له بين المقاهي المختلفة منذ أكثر من عشرين عاماً، متميزاً بالعمل على مدار اليوم، سواء في الصيف أو في الشتاء، كما يتميز بكونه جامعاً للصحافيين، نظراً لقربه من نقابة الصحافيين، التي يوجد بالقرب منها عدد من المؤسسات الصحافية أيضاً، لذا، يجمع هذا المقهى بين صحافيين عدة، فضلاً عن أسماء مهمة من الرسامين، أشهرهم:
جورج بهجوري، الذي كان يحرص على الحضور من أجل رسم لوحاته، فضلاً عن تميز المقهى بعدد من قاعات الفن التشكيلي، داخل أرجائه، كقاعة المشربية وتاون هاوس وكريم فرنسيس.
وحفل المقهى بعدد من الفعاليات التي نظمها المثقفون بداخله، إذ أقيم في ما سبق، معرض للكتب المستعملة، يجمع ضمن فعالياته: إبراهيم عبد المجيد ومكاوي سعيد ومحمد صلاح العزب.
وهذا إضافة إلى وجود الفرق الشبابية، حالياً، مثل: أعضاء «بلاك تيما»، الذين يغنون في بعض الأحيان مجموعة من أعمالهم، إلى جانب بعض من الحركات السياسية الشبابية التي لا تزال حاضرة في هذا المقهى، ليصبح جامعاً للفكر والثقافة والفن والسياسة، وكأنه مؤسسة ثقافية موازية.
كتاب مع كوب شاي ساخن
وفي قلب القاهرة، وبالتحديد في شارع محمد محمود، تقع مكتبة البلد، أو بالأحرى التجمع الثقافي «البلد»، الذي يضم مختلف أنماط محبي الثقافة، كما يوفر لهم مساحة خاصة من حمل الكتب والقراءة، ولقاء المثقفين مجتمعة مع ملامح المقهى العادي البسيط، حيث هناك مشروبات ساخنة، كالشاي والقهوة. وأشهر مشروب في المكتبة، هو الليمون بالنعناع، الذي ينعش الذهن، كما ينعش الفم، وهو ما يجعل القارئ مستمتعاً ببقائه في مكتبة البلد.
كما تعكس مكتبة البلد أو مقهى البلد، تطور المقاهي الثقافية التي لم تقف عند الكتب أو لقاءات المثقفين، بل منحت المقهى معنى جديداً، من خلال إجراء مناقشات نقدية للأدب والسينما.. إلى جانب عرض أفلام أسبوعياً، ويمكن اعتبار مكتبة البلد بمثابة مساحة خاصة لمحبي الثقافة ومحبي المشاركة أيضاً، حيث تتيح المكتبة من خلال تنوع مرتاديها فتح آفاق جديدة للغة والنقاش، لا سيما أن بدايتها امتازت بالبعد السياسي، إذ إنها استقبلت ثوار ومصابي ثورة يناير، وهو ما يجعلها تتشابه مع مقاهٍ أخرى، مثل ريش ومتاتيا والبورصة.. وغيرها، في البعد السياسي، وفي مكانتها لدى كتابها الذين يجلسون فيها.
عراقة
يعد مقهى «متاتيا» من أوائل المقاهي التي شهدت تجمعات ثقافية، إذ اجتمع فيه جمال الدين الأفغاني مع تلاميذه، كما اجتمع مع أصدقائه، مثل: محمد عبده وعبد الله النديم والمويلحي وسعد زغلول، الذين صاغوا كثيراً من أفكارهم وتحركاتهم داخله.
وكانت بداية المقهى، عندما رغب الخديوي إسماعيل أن يقيم حفلاً مهيباً لقناة السويس في عام 1869. فطلب من المهندس الإيطالي «متاتيا» إقامة حديقة الأزبكية.. ودار الأوبرا (الملكية)، ثم مع دخول تلك المنطقة عصر المدنية الحديثة، أنشئت عمارة متاتيا عام 1875، التي ألحقت بهذا المقهى الشهير. وهناك أيضاً مقهى فندق «الإنتركونتيننتال»، الذي كانت تحييه عدة فرق غربية.
مقر حيوي للمثقفين يخلو من صيغ التكلف
يوضح الروائي مكاوي سعيد لـ «البيان»، أن لقاءات المثقفين غالباً ما تكون داخل مثل هذه المقاهي، حيث تكون لقاءات حميمية بلا تكلف، بعكس اللقاءات الرسمية داخل المكتبات، والتي تكون في النهاية محددة بمكان وزمن وعدد معين من الحضور، على عكس المقهى الذي له رواده المعروفون، ويزدادون بمرور الوقت، لذا، فالمقاهي هي المكان المناسب دائماً، من وجهة نظر مكاوي.
ويشير إلى أنه يحرص على الوجود في المقهى يومياً، وأن كثيراً من أعماله كتبت داخل المقهى، وتحديداً مقهى «البستان»، حيث كتب إحدى أهم رواياته، التي وصلت إلى بوكر القائمة القصيرة، وهي «تغريدة البجعة»، عن وسط البلد، مؤكداً أن هذا العالم، هو الذي استطاع أن يجذبه ويستفزه ككاتب.
كما يوضح القاص سعيد الكفراوي، أن مقاهي العصر الحالي، اختلفت عن مقاهي العصر الماضي، حيث صارت موئلاً للشباب بشكل خاص، مشيراً إلى أن حالة الانفلات الأمني التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة، أثّرت كثيراً في وجود المثقفين في هذه المقاهي، حتى لا يتعرضوا إلى أذى البلطجية. وشدد على أهمية دور المقهى في حياة المبدعين، حيث امتد إلى الأعمال الأدبية.
1968
تهميش اضطر مقاهي أن تغلق أبوابها رغم الصمود الذي واجهت به بعض المقاهي المتغيرات الاجتماعية، إلا أن مجموعة من المقاهي طالها التهميش خلال الفترة الماضية، وهو الأمر الذي أدى إلى اختفائها تماماً، مثل مقهى «علي بابا»، الذي تأسس عام 1968، وكان واحداً من أهم رواده الأديب الراحل نجيب محفوظ، غير أن الهدم طال المقهى، حيث جرى تدمير القاعة التي تحمل اسمه.
كما أغلق مقهى «البورصة» الذي شهد اجتماعات عدة بين ثوار وسياسيين ومثقفين، وكان له دور إيجابي أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير، إذ اعتبر ملاذ الثوار آنذاك، ليثير هذا الإغلاق، سخط عديد من رواد «البورصة»، الذين اعتبروه مقهاهم الأول.



