ظلت أقاليم ومحافظات مصر في طي النسيان ويحاصرها التهميش، لسنوات طويلة، خصوصاً في ما يتعلق بالثقافة، فكانت القاهرة دوماً بمكتباتها العامرة، هي الملاذ والوجهة التي يقصدها كل راغب في إثراء مداركه وتنمية ثقافته، إلا أن سنوات ما بعد 25 يناير كانت حُبلى بتجارب إنشاء العديد من المكتبات التي تمردت على أضواء القاهرة، وفضّل القائمون عليها أن تحتضنها المحافظات التي ينتمون إليها، في مبادرة تكسر احتكار العاصمة لصناعة الثقافة والنشر.

(بيان الكتب)، يرصد أهمية هذه التجربة في كسر المنحى المركزي للثقافة في المجتمع المصري: تركزها في القاهرة العاصمة، عارضاً لأبرز النماذج في الخصوص.. ولآراء مثقفين ومعنيين.

2014

نبدأ رحلتنا مع مكتبات الأقاليم من محافظة المنوفية، شمال مصر، وتحديداً مدينة شبين الكوم التي تبعد عن القاهرة نحو 82 كيلومتراً، إذ يحدثنا أحمد داوود عن تجربته في إنشاء مكتبة »أنتيكا«، موضحاً أن مكتبته بدأت فعلياً في العام الماضي 2014 في استقطاب عشاق القراءة، بينما كانت في العام السابق 2013 تمارس نشاطها من كشك صغير، لتصبح في ما بعد أول مكتبة من نوعها في المنوفية بدلتا مصر.

ويوضح مؤسس أنتيكا، أن مشكلة أخرى تواجه المكتبات من أجل إقامة فعاليات كبرى، وهي غياب المسارح بالمحافظة، الأمر الذي يدفع القائمين على المكتبة إلى استضافة عدد معين من الجمهور، ذلك بينما يطمحون ويسعون إلى إقامة بيت ثقافي حر فيه مساحة كبيرة تكفي لإقامة فعاليات كبيرة.

2013

يبين تامر المغازي، مؤسس مكتبة »كلامنا مانو« في كفر الشيخ التي تبعد عن القاهرة 143 كيلومتراً، أن المكتبة انطلقت في الخامس من أغسطس عام 2013 وهي جزء من مؤسسة »كرييتيف هوم« الثقافية. ويؤكد أن تهدّم قصر ثقافة المحافظة وعدم وجود روافد ثقافية بديلة، أبرز الدوافع لإنشاء هذه المكتبة لتتحمل مسؤولية نشر الثقافة في المحافظة. ويشير المغازي إلى أن المكتبة، إضافة إلى بيع الكتب، تقيم عديداً من الندوات والصالونات، منها صالون السيدات، إذ يتبادلن فيه الحديث عن أزماتهن الإبداعية واقتراح الحلول لها، وكذلك الصالونات الشعرية، وحفلات التوقيع للكتب، خصوصاً لكتاب كفر الشيخ والدلتا بصفة خاصة.

2012

ونتجه جنوباً، إلى صعيد مصر، وتحديداً محافظة أسيوط التي تبعد عن القاهرة نحو 380 كيلومتراً، وفيها انطلقت مكتبة (ومضة) في السادس والعشرين من يناير لعام 2012. إذ يشرح مؤسسها، مصطفى كامل أنه بعد خبرة مهمة في العمل الثقافي، لفت نظره أن أسيوط لا يوجد بها إلا الكتب الدينية والكتب التراثية فقط، وهو الأمر الذي شجعه على المبادرة وأداء هذا الدور (تأسيس مكتبة شاملة ومتنوعة). ويوضح كامل أن فكرة مكتبته بدأت متنقلة ولم تكن تحمل اسم »ومضة«، بل »معرض الكتاب الدائم بأسيوط«، إلى أن صار لها مكان وجمهور، فاختار لها اسم »ومضة« لتكون بمثابة نقطة إشعاع ثقافي في صعيد مصر.

كرييتيف

أما مكتبة »كرييتيف« التي اتخذت من الفيوم مركزاً لها، وتبعد نحو 85 كيلومتراً غرب القاهرة، فيشدد مؤسسها أحمد إبراهيم، بداية، على أن العديد من الصعوبات واجهت مكتبته، مثل: فكرتها وعدم وجود مصادر للتمويل. لكنه تمسك بحلمه الذي ظل يراوده سنوات عدة قبل أن يتحقق في الواقع متخطياً كل الأزمات.

محاولات جيدة

وحول هذه التجربة، يرى الروائي والقاص مكاوي سعيد، أن هذه المشروعات الثقافية من الصعب أن توصف بأنها مشروعات ثقافية متكاملة، لكنها محاولات جيدة للخروج بالثقافة إلى آفاق أرحب، ويؤكد أن هذه المكتبات لن تستطيع وحدها أن تقوم برفع الوعي الثقافي إلا إذا تحولت إلى مشروع له أسسه الواضحة، وكذلك فريق العمل الخاص به، إلى جانب الدعم الإعلامي والمؤسسي.

حاجة

ويؤكد الشاعر زين العابدين فؤاد، أن ما ينقص هذه التجربة هو بعض الخبرة إلى جانب التنظيم من أجل استمرارها، كما يشدد الشاعر المصري على ضرورة أن يوجد دور للدولة، فلا ينبغي أن تكون هذه المكتبات بديلاً عن دورها، بل هو دور موازٍ للمؤسسات الثقافية الرسمية، إلى جانب عدم التضييق عليها من جانب الدولة.

»قصور الثقافة«.. دور أساسي غائب

تعد الهيئة العامة لقصور الثقافة، الداعم الأساسي لحركة الثقافة في أقاليم مصر. إلا أنها في واقع الحال، متهمة من قبل العديدين بالتقصير البين، وذلك رغم بعض الفعاليات الثقافية والفنية التي تقام في مقرات القصور، واجتماعات الوزراء مع ممثلي (قصور الثقافة) وتشديدهم على ضرورة تطويرها والنهوض بها.. بعد تخصيص ميزانية من الصناديق الخاصة لتنمية المشروعات الثقافية بالمحافظات، إلى جانب إحياء مشروع مكتبة الأسرة وتنمية قدرات الموارد البشرية. وفي العموم، فهي ومع تلك المشروعات والخطط، لم تستطع حل جميع مشكلاتها، فضلاً عن الفساد الذي طال بعض رؤسائها، إلى جانب التخبط في الإدارة الذي أفرز في النهاية ضمور واختفاء قصور الثقافة في مقابل ظهور متميز للمكتبات الخاصة في الأقاليم.

»البوك كافيه«.. كتب وفعاليات ومشروبات !

»البوك كافيه« مفهوم ونمط جديد ظهر حديثاً، ويعتبر مكاناً يجمع بين الكتب والمشروبات والفعاليات. وانتشرت عدة مكتبات استلهمت النموذج الأوروبي من المكتبات الذي أثبت نجاحها الكبير بالخارج، لتحظى مثل هذه المكتبات بتوافد من القراء وتصير أسماء لامعة، ذلك مثل »ديوان، ألف، صوفي، البلد، الكتب خان«.

وفي المحافظات، كانت الثورة شرارة البدء في التغيير الذي لفت أنظار الشباب إلى أهمية الكتابة، وتشجع العديد منهم على خوض المجال نتيجة: الحاجة إليه والمطالبة به، ووجود بعض الجمهور المتعطش إلى متابعته. ومن ثم لتظهر بعض من المكتبات المتفرقة على مراحل زمنية متفاوتة، خلال الأعوام الماضية.