أن يعزف الكاتب مقطوعته الإبداعية على الورق، ويضع فيها كل ما يعتمل في نفسه وفكره من مشاعر وأفكار ورؤى، على مدى أشهر وليالٍ، فيجد أمامه من يحمل مشرطاً بيمناه واضعاً نصه على طاولة التشريح.. فهذا ما قد يخلق علاقة يشوبها نوع من الفتور بينه وبين هذا الشخص: الناقد.

هي علاقة من نوع خاص، ربما يلتقيان من خلالها في منتصف الطريق أو آخره، أو يختلفان منذ أول خطوة فيه، ليكونا كقطبي مغناطيس يتنافران أو يتجاذبان، إلا أن ما يجمعهما هو الإبداع أولاً وأخيراً. فما هي طبيعة العلاقة بين الكُتاب والنقاد، وكيف ينظر الكاتب إلى عملية النقد، ولماذا ارتبطت بالسلبية في أذهان الكاتب والمتلقي العربي..

وما الذي يجب على الناقد القيام به ليتقبله الجمهور؟ »بيان الكتب«، يحاول الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال آراء عدد مع الكتاب والنقاد، إذ أكدوا أن العلاقة بين الجانبين تكاملية..رغم اتجاهيها المتنافرين، لافتين إلى ضرورة أن يتولى النقد بدوره الصحيح- كتشريح بلا تجريح- وواضعين الثقل ومعيار الاعتبار الأكبر على أسلوب الناقد، وكذا مطالبين بضرورة الفصل بين النص وكاتبه، ليكون النقد بناءً وفاعلاً.

تشدد باسمة يونس على أهمية النقد بالنسبة للكاتب. وتقول: لحظة الإبداع هي انبثاق دفقات من روح الكاتب، وللقارئ أن يستمتع بهذه الدفقات أو يرفضها، وللناقد أدواته التي يقرأ من خلالها نص الكاتب، وهناك أعمال كثيرة نُقدت..

ولكن إبداعها الفني تملَّك القارئ بعيداً عن أي نقد، لأن القارئ يبحث عن المتعة الفنية في المقام الأول. وتبين يونس أن النقد يستخرج العمل من الصمت، لافتة إلى أن الناقد يفتح المجال للكاتب لمراجعة نفسه من خلال نقده، ولأسلوبه دور مهم ورئيس في مدى تقبل الكاتب لكلماته، فالكلمة القاسية عادةً ما تؤثر سلباً على المبدع..

مشيرةً إلى أن العلاقة بين الكاتب والناقد ليست علاقة معلم بتلميذ، بل تكاملية يضع من خلالها الناقد يده على مواضع الخلل في النص، ليلفت انتباه كاتبه لأشياء يقوم بها دون أن ينتبه لوجود خلل، ما يؤدي في النهاية إلى تقديم أفضل نتاج أدبي.

وتشير باسمة إلى أن مسألة النقد يوجد حولها خلاف يتمثل في أننا حتى الآن لم نواجه نقداً يركز على الكتاب بعيداً عن شخص كاتبه. وتحكي بشأن النقد الذي تعرضت له روايتها »حتى آخر الشهر« أخيراً، في أمسية أقيمت في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات: أعجبني في نقد روايتي أن لا علاقة سابقة كانت تربط بيني وبين الناقد الدكتور ثائر عودة، وأسعدني أنه قرأ كتابي ولم يقرأني أنا، وهو ما أثرى القراءة النقدية للرواية.

عدسة مكبرة

تشدد صالحة عبيد، على أن أهمية النقد تكمن في التقاء الناقد والكاتب عند نقطة ربما يرى فيها الأول ما لا يراه الثاني، لينير له الطريق فيما وراء النص. وتضيف: يأتي دور الناقد بعد الكاتب، ليكون كعدسة مكبرة ترى ما وراء النص، أما الكاتب فيرى تفاصيل يُقدمها للمتلقي، من خلال فكرة يُركّز عليها، ولا ينتبه إلى أنه يركز على كثير من الأفكار في طريقه نحو فكرته الرئيسة.

وتلفت إلى أن مفهوم النقد ملتبس على الكثيرين، مبينة أن غالبية ما يقدم في الصحافة عبارة عن قراءات في النصوص أكثر من كونها قراءات نقدية. وتردف: العمل النقدي لا يتطرق إلى المشاعر بل يتجرد من كل ما هو شخصي ليركز على تقنيات العمل في البنية السردية، وللأسف، في يومنا هذا من النادر أن نجد كتابة نقدية تفتح عيني الكاتب على تقنيات عمله. و

تذكر صالحة عبيد أن الصحافة لا تنظر للكتابات النقدية الجادة كما ينبغي، مؤكدة ضرورة تبني الصحف المحلية للدراسات النقدية الجادة، ما يزيد الوعي بها. كما تتحدث عن أسلوب النقد، مشيرة إلى وجود فرق بين الحدة والتجريح، فالحدة تجدي نفعاً في بعض الأحيان، إلا أن التجريح يهدم ولا يبني. وترى أيضاً، أنه على الناقد أن يتجرد من الشخصنة في نقده.

تعالٍ

»يجب أن تكون العلاقة بين الكاتب والناقد، تكاملية«. هذا يا يراه محسن سليمان. لكنه يؤكد إلا أن بعض النقاد، كما يؤكد، يتعامل بتعالٍ مع الكُتاب، في حين أن دور الناقد يتمثل في الابتعاد عن الشخصنة. ويتابع سليمان: يفترض أن يتناول الناقد النص بموضوعية، بوضع يده على السلبيات والإشارة إلى الإيجابيات والتركيز عليها، لما يمنحه ذلك من دفعات تحفيز للكاتب.

وعن مفهوم النقد بالنسبة له، يقول: النقد تقويم، والناقد يجب أن يكون أكثر أدبيةً في نقده، فالناقد أكاديمي يتمثل عمله في تناول النص من جميع النواحي بلا تجريح، وبالتركيز على النص بعيداً عن الكاتب وعلاقته به ورأيه فيه..

وألا يكون نقده شخصياً بقدر ما يكون تشريحاً أدبياً يعتمد على أسس علمية. ويلفت محسن إلى أن أحد النقاد وضع إحدى قصصه تحت مجهر النقد، لكن ما كتبه الناقد كان عبارة عن قراءة في القصة وليس نقداً، وهو ما يتطلب من الناقد أن يكون ملماً أكثر بمهمته وأدواته.

منهج ورسالة

ها هو الناقد، يقف متسلحاً بأدواتٍ تضيء على النص ولا تنهش فيه، فالنقد منهج ورسالة، وهدف الناقد أن يبرز محاسن وإيجابيات النص قبل مساوئه، هذا ما اتفق عليه النقاد، مؤكدين أن كل نص يتناولونه أمانة بين أيديهم.

وفي هذا الصدد، يوضح الناقد الدكتور ثائر عودة، أستاذ الأدب الحديث ومهارات الاتصال في جامعة الشارقة والجامعة الأميركية في الإمارات، على أن المعنى اللغوي المأخوذة منه كلمة نقد هو تمييز العملة الأصلية من المغشوشة، رافضاً الاستعارة البلاغية التي تجعل من الناقد جراحاً يحمل مشرطاً..

ولافتاً إلى أن الجزء الأهم في النقد هو التقييم. ويستطرد بالحديث عن أيقونات النقد الثلاث القديمة التي طرأ عليها التعديل، نجد أنفسنا أمام التفسير، والتحليل بمعنى الغوص وراء ما قيل.. والتقييم.

ويلفت عودة إلى أن مهمة النقد تتمثل في التمييز بين النص الإبداعي والمغشوش، فالبنيوية كمنهج نقدي شكلاني كانت تشرح النص، ولكنها لا تمنحه القيمة التي يستحقها، ليأتي النقد مُحكِّماً يعيد الحق إلى صاحبه، بمنح النص قيمته الحقيقية من خلال التركيز على أدوات وليس انطباعات. ويشرح ذلك: الانطباعات تعتمد على الذائقة الخالية من التعليل..

أما الأدوات النقدية العلمية فهي التي تقوم بمهمة التحليل اعتماداً على منهج علمي يعزل النص عن صاحبه، ليبرز محاسن ومساوئ العمل الأدبي بعيداً عن الشخصنة، ما يعطي النص حقه كاملاً. وعن أزمة النقد، يقول: تتمثل أزمة النقد في العلاقة غير السوية وغير المتكاملة بين الناقد والمبدع، وكلما كان الناقد متسلحاً بمنهج علمي تكون العلاقة بينه وبين الكاتب، سليمة، وتنعكس علاقة التكامل فيما بينهما.

علاقة تبادلية

يصف الناقد عزت عمر العلاقة بين الناقد والكاتب، بالتبادلية، مؤكداً أن النص هو الأساس في وجود النقد، وموضحاً أن الناقد يضيف الكثير للأدب بما يطرحه من أفكار ودراسات ومقترحات. ويشرح رأيه في هذا الصدد: النقد دراسة تطال الفكرة والتقنيات والإبداع الجمالي وتضيف مقترحات ترتقي بالنص، وليس الهدف منه تبيان العيوب، بل الإشارة في المقام الأول لإيجابيات النص الأدبي.

وعن النظرة السلبية للنقد، يقول: حين يكتب الكاتب نصه، يعتبر أنه قدم أقوى ما لديه، ليأتي النقد مزعزعاً ثقته بما كتب، ما يؤثر على العلاقة بين الكاتب والناقد ليشوبها بعض الفتور أو النفور، وبرأيي، فإن الكاتب يخادع نفسه حين يعتقد بأنه كتب أقوى ما لديه..

لأنه بعد فترة سيكتشف أن لديه ما هو أقوى وأكثر جودة. ويشير عزت عمر إلى أن الكاتب لا يقرأ إلا النقد المكتوب لنصه، ولذا لا يمتلك القدرة على فهم ما يكتبه النقاد، ما يجعله يتخذ موقفاً ربما يكون عدائياً بعض الشيء تجاه الناقد.

النظرة السوداوية إلى النقد يشوبها القصور

اتفق الكُتّاب المشاركون في تحقيق »بيان الكتب« حول القضية، على أن النظرة للنقد سوداوية يشوبها القصور، لافتين إلى أنه يجري التعامل معه على أنه ذم وتوبيخ، ومؤكدين على ضرورة إعادة صياغة مفهوم النقد، وتغيير النظرة إليه.

وتمرين الجمهور والكُتاب على التعامل معه والنظر إليه من منظور آخر، وتدريبهم على تقبله. وفي المقابل، اتفق النقاد على أن الكاتب حين يكتب أفضل ما لديه فيجد من يمكن أن يعيد ويلفت نظره إلى بعض النقاط، أمر يجعله ينظر إلى النقد سلباً، ما يؤثر بالتالي على علاقته بالناقد، ليغلب عليها النفور.

غياب النقد الأدبي أزمة محلية

يعد النقد الأدبي مطلباً ضرورياً من أجل تطوير الأدب والإبداع، وأضاءت ملتقيات أدبية كثيرة ومهرجانات ثقافية عدة أقيمت في دولة الإمارات، على غياب حركة النقد سواء في مجال الشعر أو المسرح أو غيرهما، إذ بينت إحدى الندوات التي استضافت من خلالها ندوة الثقافة والعلوم في دبي، الناقدة د. أمينة ذيبان، في محاضرة بعنوان »واقع النقد الأدبي المحلي:

تراجع النقد الأدبي الإماراتي«، أن النقد متراجع، إماراتياً، وأن نسبة هذا التراجع تعود إلى علاقة اللغة الأصيلة مقابل اللغات المسيطرة مثل اللغة الهندية والأوردو والإنجليزية.

كما ذكر عدد من الأدباء، أن الانحياز للكتابة باللغة الإنجليزية أثر بشكل كبير على غياب حركة النقد الأدبي، إضافة إلى أن النقاد يطلون على استحياء في كتاباتهم النقدية، تخوفاً من التسبب في ضيق الكتّاب الذين يتعاملون بحساسية مع النقد، ما يجعل الكتابات النقدية لا تتسم بالجرأة والموضوعية، لتكون كتاباتهم النقدية مجرد قراءات في النصوص.