ثمة العديد من المتغيرات التي فرضتها سوق الإنتاج الفكري والأدبي على الكاتب، دفعت الكثيرين منهم، لا سيما الشباب، إلى التعجل في طرح أعمالهم بصورة متتالية، كعمل كل عام، وفي بعض الأحايين أكثر من عمل في العام الواحد، وهي ظاهرة فرضتها المنافسة وظروف السوق..
ومحاولة البعض ملاحقة قطار الجوائز الأدبية المختلفة كل عام، غير أن تلك الغزارة قد تطغى على جودة العمل المُقدم وجماليات اللغة فيه وبلاغته وأهميته، بما يهدد بقاءها في الأذهان حتى وإن صنعت جلبة حين طرحها.
(بيان الكتب) تتبع وجهات النظر والآراء في الخصوص، إذ دان أدباء ونقاد مصريون تلك الظاهرة، معتبرين أن التسرع في الإنتاج بتلك الغزارة يأتي على حساب النص، الذي غالباً ما يأتي هشاً غير عميق، فيما أكدوا أنه لا توجد وصفة ثابتة بمواعيد طرح الأعمال الأدبية وإصدارها، والفاصل الزمني بين كل عمل وآخر.
حيث ذكروا أن لكل عمل إبداعي ظروفاً خاصة، فهناك من ينجز عمله في عام أو اثنين أو ثلاثة وهناك من يستغرق عشرة أعوام أو أكثر، فكل عمل يرتبط بوضعه الخاص وقدرة الكاتب على ترتيب أفكاره وبناء عمله وشخوصه.
يعتبر الروائي إبراهيم عبد المجيد، المهلة الزمنية التي يستغرقها الكاتب لإنتاج عمل فكري، نسبية غير مرهونة بزمن مُحدد، حيث إن لكل كاتب طبيعته الخاصة، وطقوسه في الإنتاج الأدبي، فهناك من يكتبون يومياً وآخرون يكتبون وفقاً للمزاج الإبداعي لهم وليس بصورة يومية. كما أرجع تغير الفترة الزمنية إلى متطلبات العمل الإبداعي أو الفكري ذاته من بحث واستقصاء حول طبيعة الزمان والمكان، وكذلك الشخصيات.
ويستدل عبد المجيد بروايته »لا أحد ينام في الإسكندرية«، التي صدرت في عام 1996، والتي استغرق في كتابتها ست سنوات، أما روايته »طيور العنبر« الصادرة عام 2000، فاستغرقت، كما يذكر، ثلاث سنوات للانتهاء منها.
وحول ظاهرة الإبداع الغزير الذي يقدمه بعض الأدباء الشباب في الفترة الحالية، يقول: إنه من غير المنصف أن نتهم الأعمال المُنتَجة في فترة زمنية قصيرة بأنها لا تنتمي إلى الأدب، حيث إن الأدب وفن الرواية لهما مقاييس عديدة..
ومع هذا فإن غالبية الأعمال الصادرة في فترات زمنية قصيرة من دون دراسة أو تمعن في أبعاد الشخصيات أو المكان والزمان، تهتم فقط بالحكي ولا تعتني بجماليات الرواية واللغة التي تقدمها، كما أنها لا تعيش طويلًا في ذهن القارئ في ما بعد.
طقوس خاصة
وحول طقوس الكتابة والفترة الزمنية المستغرقة، قال الأديب يوسف القعيد، إنه لا يوجد »كتالوغ« لكتابة نص روائي جيد أو يحمل جماليات أدبية، إذ إن كل نص مرتبط بملابسات وظروف خاصة، واستشهد بروايته »مجهول«- عام 2013..
حيث استغرقت كتابتها عشر سنوات حتى خرجت إلى النور. ويؤكد أن العمل الأدبي يحتاج إلى التأمل والتروي والمراجعة والتعامل بحرفية مع الشخصيات ورسمها، بما يتلاءم مع الأحداث التي تدور في فلكها.
ويتوجس القعيد من الأعمال الفكرية أو الأدبية الكثيرة، التي تخرج كل عام للكاتب ذاته.
20 يوماً
وفي المقابل، يقول الروائي مكاوي سعيد: إنه من المتعارف عليه، وحسب قراءاتي لآراء كتاب عرب وأجانب وطبقاً لتجربتي الذاتية، لا يوجد مدى معين لكتابة عمل روائي جيد، فديستوفسكي، الروائي الروسي الشهير، أنجز روايته المقامر في 20 يوماً فقط، وهي من أعماله المتميزة، وكان كثيراً ما يكتب تحت ضغط الدائنين،.
فينجز أعماله الأدبية بسرعة قياسية، لكنها تحتفظ بمكانتها في تاريخ الأدب، وهناك كتاب كبار آخرون بعضهم كان يستغرق في كتابة أعماله عشر سنوات أو أكثر. ويوصف حالته أثناء الكتابة:
أستغرقُ وقتاً طويلاً في كتابة رواياتي، فروايتي »تغريدة البجعة« كتبتها في عامين ونصف العام، والأخيرة »أن تحبك جيهان« استغرقت مني قرابة ثلاث سنوات ونصف السنة، قبل أن أدفع بها إلى الناشر؛ لأنني أثناء كتابة العمل الإبداعي أتركه لبعض الفترات التي لا تقل عن أربعة شهور ثم أعيد قراءته..
وأبدأ في كتابة الجزء التالي؛ كوني أخشى أن تقودني الحماسة إلى ما أنا ضالع في كتابته، فأحس بجودته وأسهو عن نقائصه؛ لذا لا أستطيع تحديد زمن معين للانتهاء من روايتي إلا عندما يتوقف قلمي عند سطورها الأخيرة، وعلى تلك الحال..
كما أعتقد، غالبية الكتاب. ويعتبر سعيد محاولة بعض الكتاب الشباب إصدار أكثر من عمل في السنة بأنها ليست في صالحهم، لأنهم لا يعطون وقتاً للمراجعة وقراءة المخطوط أكثر من مرة لمعالجة عيوبه، وهذا للأسف، برأيه، سيخلق لدى القراء انطباعات سلبية عن مهارتهم وسينفضون عنهم في النهاية.
نجيب محفوظ
يتفق الكاتب والناقد صلاح عيسى، مع مبدأ اختلاف التجارب الأدبية في الكتابة، بين كاتب وآخر، موضحاً أن نجيب محفوظ كانت لديه طقوس صارمة في الكتابة، وكان يخصص ساعات من الصباح في الكتابة. وهو ما مكنه في النهاية من إنتاج عمله البارز »الثلاثية« في فترة زمنية منظمة، حيث كتب »بين القصرين« في العام 1956، وتبعها بـ»قصر الشوق« 1957، ثم »السكرية« في العام نفسه.
ويتابع: كذلك إحسان عبد القدوس، كان يكتب حلقات متسلسلة تنشر في مجلة (روز اليوسف)، لهذا كان يرسم الخطوط العريضة للشخصيات والأحداث، ثم يجهز كل حلقة للنشر في ما بعد.
وحول قواعد الكتابة، قال عيسى، إن الكتابة تعتمد على التأمل في الفكرة والشخوص التي تصوغ الأحداث بطريقتها، لا سيما أن الرواية تتسم بكبر الحجم وتغير الشخصيات والأحداث، كما أنه يلفت إلى أن الأعمال الأدبية التي يصدرها بعض الكتاب الشباب بصورة دورية على مدار العام، تتسم بالافتعال، حيث ترتبط الغزارة الأدبية هنا بالتسويق والإنتاج، فيما يقل المستوى الأدبي والاعتناء بالبلاغة واللغة المقدم به العمل.
رؤية المبدع
تصـــف الكاتبة فـــريدة النقاش، الأعمال الأدبية بأنها إبداع غير مرهون بزمن أو طقس لإتمامه، حيث إن العامل الأساسي لإتمام العمل هو رؤية المبدع وليس مهلة زمنية يدور في فلكها.
وتشير النقاش إلى أن هناك عوامل تتحكم في المهلة التي ينجز خلالها الأديب روايته، أولها الظروف المحيطة به والمناخ العام، وكذلك التفرغ للعمل الأدبي، إذ إن الأديب المصري والعربي بصورة عامة يواجه أزمة لا يواجهها الأديب الغربي..
وهي عدم التفرغ للكتابة، فالعالم العربي لا يتعامل مع مهنة الكاتب على أنها مهنة مستقلة يستطيع معها أن يعيش حياته بصورة كريمة، فارتباط الأديب أو الكاتب بعمل آخر ثابت يتسبب في تشتته: ما بين الحياة ومتطلباتها وبين الأدب وشغفه بالكتابة.
وتستشهد الكاتبة بما قاله الأديب المصري الراحل جمال الغيطاني، حول أمنيته في التفرغ للأدب والكتابة، منذ بداية حياته، لعدم تضييع وقته بصفته أديباً في تلبية متطلبات الحياة. وفي السياق، ترى أن إصدارات بعض الكتاب الشباب المستمرة على مدار العام، للكاتب الواحد، »كتابة التنتيش«، أي ما أسمته: »الخطف السريع للعمل الأدبي«..
حيث لا يخضع العمل الأدبي إلى الفحص والتأمل اللذين يحتاجان إليهما، كما أن غالبية هؤلاء الأدباء الشباب مكبلون بمواعيد النشر والمعارض، إذ إن العملية الإنتاجية تكون الهم الأكبر وليس جودة العمل الأدبي وتأثيره.
جودة الإنتاج
توضح الكاتبة والروائية سلوى بكر، أن الفترة الزمنية مرتبطة بإشكالية الفكرة المقدمة والجماليات، التي يطمح الأديب إليها في روايته وضمن مساقات جودة الإنتاج ذاته، معتبرة أن الرواية كونها شكلاً أدبياً تحتاج إلى فترة زمنية لإنتاجها.
وحول الإنتاج الغزير للأعمال، تقول: الأمر نســبي للغاية، فهناك من يتمتعون بغزارة إنتاجية وتدفق للكتابة، وآخرون هم على العكس من ذلك، ومن ثم فالمقياس يعتمد على تعامل الأديب مع معايير الإبداع والجـــماليات، التي يقدمها في عمله.
نموذج
يدافع الروائي الشاب مدحت مطر، وهو واحد من أصحاب الإنتاج الأدبي الغزير، عن غزارة الإنتاج: أرى أن غزارة الإنتاج الأدبي لا تتعلق بالشباب، بل تتعلق بأمرين مهمين: جودة الإنتاج (وهو ما يتعلق باجتهاد الكاتب في الأساس)، دور النشر ..
وما تحمله على عاتقها في مخاض نشر الرواية. وأجزم أن أي دور نشر تعتمد في نشر الرواية على جودة النص أولاً، بغض النظر عن أي شيء آخر، بعكس ما يتداول. ويضيف: لا نستطيع أن نصنف عملاً بشكل صحيح إلا إذا نال أولاً استحسان لجنة القراءة في دور النشر، وظهر أن ذلك العمل يراعي عقل القارئ.
غياب النقد يهدد الذائقة الأدبية ويفسح المجال لأعمال سطحية
يبزغ، في موازاة ظاهرة غزارة الإنتاج الأدبي، استفحال ظاهرة مؤرقة مهددة، تتمثل في قلة الأعمال النقدية، التي تتناول تلك الأعمال الأدبية وتُحللها وتفرز الجيد منها وتضيء عليه، ما جعل المُنتج يزداد بلا أي قراءات نقدية تفرز وتبين مدى جودة الأعمال الأدبية، وما إذا كان لغزارة الإنتاج الدوري للكاتب أو الروائي، دور في انعدام الجودة أو عدم العمق في التناول أو ربما تشابه الأفكار والشخوص من عدمه.
ويرجع مثقفون غياب النقد الأدبي وخفوت نجمه على ذلك النحو، إلى بزوغ أسماء العديد من الكُتاب أصحاب الإنتاج الغزير والجودة الأقل، بل وتشجيعهم على طرح المزيد من الأعمال، ما يهدد ربما »الذوق الأدبي العام«. ويلفت هنا أن نقاداً يراهنون على قدرة الكاتب ومدى إبداعه في تنفيذ معادلة غزارة الإنتاج، بموازاة الحفاظ على جودة الأعمال وبلاغتها وقيمتها الفنية.
معايير السوق سلّعت الأدب وشوهت مضمونه
دفعت »معايير السوق« الكثير من الكُتاب، ولا سيما الشباب منهم، طبقاً لما خلصت إليه جهات ثقافية راصدة، إلى »تسليع الأدب«، أي التعامل مع المنتج الفكري والأدبي على أنه »سلعة« تدر ربحاً، وبالتالي أضحى من الضروري- بالنسبة إليهم- تجديد تلك السلعة عبر طرح أنماط وإصدارات جديدة منها كل عام..
وربما في العام، أكثر من عمل للكاتب ذاته، على حساب »جودة العمل الأدبي« وبلاغته وقيمة الإضافة التي يقدمها.
وفي الصدد، شجعت الكثير من دور النشر، خاصة الشبابية، على تلك الظاهرة، وذاك طبعاً في دوامة وإطار المعايير التي باتت تتحكم بالسوق الثقافية انطلاقاً واحتكاماً إلى مقتضيات رغبة الدار في الربح السريع والمستمر، ومن ثم فتحت هذه العملية، المجال أمام الجميع للنشر، من دون وجود لجان قراءة ومراجعة نقدية، خاصة قبل نشر الأعمال للحكم على مدى جودتها وقيمتها.

