يعاني المشهد الأدبي العربي من قصور شديد في النقد والقائمين عليه، وفي هذا الخضم، توجه للنقد وأهله، أصابع الاتهام دومـــاً، كونه ومن يتخصصون فيه، سبباً للانفصال عن الإبداع. وبذا، يبدو أن سهام النقد لن توجه إلى الأعمال الإبداعية، بل للنقد ذاته، وذاك من خلال فن «نقد النقد الأدبي» الذي كان له حظ وفير في كتب التراث منذ بدايته في القرن التاسع عشر، ولكنه لم يحظ بالاستمرارية حتى عصرنا الجاري، إذ بدأ يتوارى خلف ستار الحساسية والتعالي.
(بيان الكتب) يضيء على هذه المسألة الإبداعية، عارضاً لأوجهها وأسباب تراجع أو غياب هذا الفن الأدبي، عربياً. إذ أجمعت الآراء على أنه بات فناً يحتضر في ظل مشهد أدبي عربي حالي، مضطرب.
يعرِّف الناقد الأدبي د. جابر عصفور «نقد النقد»، بأنه قول آخر في النقد يدور حول مراجعة القول النقدي ذاته وفحصه، ومراجعة مصطلحاته وبنيته التفسيرية وأدواته الإجرائية. ويوضح جابر عصفور أن ممارسة نقد النقد من الممكن أن تكون على شاكلتين: الأولى نقد العمل النقدي، حيث المقالات المقدمة لنقد الأعمال الأدبية، والثانية الحركة النقدية بصورة عامة، على غرار الأعمال التنظيرية الخاصة بالتنظير في الأدب والفنون.
ويشير عـــصفور إلى أن تاريخ نقد النقد يعود إلى أواخـــر القرن التاسع عشر، إذ تطور حتى مرحلة البلورة، فظهرت كتابات طه حسين وعباس محمود العقاد، فيما برز في الغرب منذ العقد الســـادس من القرن العشرين، حتى تبلور المصطــلح في إطار تنظيري في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، حيث ظهرت الدراسات والأبحاث التي تتضمن مصطلح «نقد النقد».
ثراء وعوائق
يؤكد أستاذ النقد الأدبي د. يوسف نوفل، أن نقد النقد أسلوب أدبي يواجه صعوبات وجودية، لكنه لم يندثر بعد، ويرى نوفل أن أبرز الصعوبات التي يعاني منها هذا الحقل الإبداعي في غياب الموضوعية، زيادة الحساسية لدى البعض وعدم تقبل النقد.
وحول جماليات نقد النقد الأدبي، يقول نوفل: القدماء كانوا يسمونه «قول على قول»، أي تعليق أو تعقيب على الأعمال الأدبية، وهو ما يوضح جماليات هذا الفن، إذ إنه يزيد من ثراء الحياة الأدبية والمصطلحات، كما يعمل على تطوير البعد الأكاديمي في الأدب والنقد على حد سواء.
ويلفت نوفل، إلى أنه رغم مرور قرون على ظهور النقد وممارسته، إلا أن «نقد النقد» لا يحتفى به بصورة كبيرة، ولا يزال وليد المقارنة بالنظريات التي حظي بها النقد الأدبي، وامتاز بالتنظير والتأويل وحقق حضوراً كبيراً وأصبح له كتّابه ودارسوه.
اصطناع
من جانبه، أرجع الناقد الأدبي عمر شهريار غياب نقد النقد إلى تراجع الحركة النقدية عامة، وابتعادها عن الموضوعية بصورة كبيرة، واعتمادها على الأسلوب الانطباعي، معتبراً أن تطور الحركة النقدية يدعم الأدب وكذا فن نقد النقد الذي يعد أسمى أنواع الارتقاء الأدبي.
ويتابع: إن عدم تفاعل نقد النقد الأدبي يعود إلى اهتمام النقاد بالأعمال الأدبية الصادرة حديثاً، وليس التعقيب على ما كتب سابقاً أو التنظير عليه، إذ إن الباحثين في مجال اللغة والأدب لا تتوافر لهم المساحة لإجراء الأبحاث على نطاق واسع والترويج لها في الساحة الثقافية، وهو ما يهمش نقد النقد الأدبي بعيداً عن مستجدات المشهد الثقافي.
ويضيف: نقد النقد فن له جماليات، وحقل مهم كتب فيه عديد من الكتاب، مع هذا فقد ارتبط بفترات ازدهار النقد الأدبي ذاته، وهو ما يفسر انحصاره في الفترة الراهنة في المنظرين والأكاديميين.
غزو
توضح الناقدة الأدبية فاتن حسين، أن نقد النقد الأدبي، له جماليات عدة تعتمد على العمق في النقد والوعي بأهمية الأدب وجمالياته، ومن ثم التبحر في الأدب اعتماداً على منظرين أو نقاد على درجة عالية من الوعي بالأدب والمناهج النقدية، لذا يمكن وصفه بأنه فن الكبار فقط.
وتعيد سبب غياب هذا النوع الأدبي حالياً إلى تراجع الحركة النقدية وعدم توافر نقاد يتسمون بالعمق والتبحر، إضافة إلى حدوث غزو للمجال من غير النقاد الأدبيين وغير المتمكنين من آليات النقد، وهو ما يهدد باندثار الحركة النقدية بصفة عامة، ونقد النقد على وجه الخصوص، وهو ما يؤثر بدوره في مستقبل النظريات النقدية ومجال النقد بصورة عامة.
وتشير فاتن حسين إلى أن نقد النقد، يحتاج إلى دراسة وعمل أكاديمي وبحثي موسع، حتى يكون له حضور في الحقل النقدي فيما بعد، معتبرة أن النقد بصورة عامة ونقد النقد بصورة خاصة، يحتاج إلى دارسة بحثية عميقة تعتمد على المعرفة العميقة بالنقد وجذوره وأهدافه وآلياته. وتضيف: إن نقد النقد يعمق من التنظير في النقد الأدبي ذاته ويزيده ثراء وأهمية، لا سيما إذا حظي باهتمام من النقاد والباحثين.
واللافت أن العرب لا يسهمون بصورة كبيرة في الحقل التنظيري للنقد، رغم وجود العديد من النقاد والباحثين الجيدين في العالم العربي، ولهذا لا نجد أي التفات إلى التنظير في نقد النقد أيضاً.
مجال للتعمق
أما الناقد الأدبي عبدالحافظ متولي، فيؤكد أن نقد النقد منهج يعتمد على إحياء التراث الأدبي القديم، ويتعامل مع تطوراته على مدار العصور، ويلفت إلى أن اختفاءه حديثاً يعود إلى عدم ارتقاء الأدب المقدم إلى مستوى الأدب القديم الذي اعتمد على الثقل في اللغة المقدمة وجمالياتها البلاغية التي لا يتسع لها المجال في الأدب المعاصر.
ويشدد متولي على أن هذا النوع ينمي الأدب ذاته والنقد أيضاً، إذ يبحث في جماليات الأدب ولغة النقد الموجهة له، ويفتح مجالاً للتعمق في التنظير وبحث وتطوير أدوات النقد الحديث، لا سيما مع اختلاف المدارس المعاصرة عن النقد في العصور الماضية.
ويبين أن هذا النوع الأدبي يحرر النقد من قوالبه الجامدة التي يحاول النقاد الالتصاق بها، من دون سعي إلى تطوير آلياته. كما أنه يفتح مدارك القراء للارتقاء بما يتوجهون لشرائه من كتب.
وينتقد متولي حالة عدم وجود مهتمين من النقاد بالقراءة في المناهج النقدية الغربية وابتكار مناهج عربية قائمة على التنظير والخروج من عباءة النظريات الغربية، إذ يرى في ذلك تهديداً للحركة النقدية في العالم العربي، والتي من الممكن أن تختفي خلال عقود وربما سنوات معدودة، مبيناً في الخصوص، أن النقد العربي في مرحلة الانهيار والاضمحلال حالياً.
تجربة
ويعتبر الناقد الأدبي د. صلاح فضل، أن الإنتاج النقدي منذ بداية الحياة الأدبية لا يقارن بالإنتاج الأدبي الغزير، ويستعرض في الصدد، تجربة خاصة له كان يرصد خلالها مبدعي أحد العصور الذهبية للشعر وكذا يرصد المئات من المبدعين في صفحات عدة، فيما لم يكن للنقاد حضور كبير، إذ لم يتجاوزوا العشرات، وهو ما يعتبره سمة العصور.
نقد النقد
يمثل كتاب «نقد النقد»، للكاتب الفرنسي البلغاري تزفيتان تودوروف، ومن ترجمة للعربية الدكتور سامي سويدان، أشهر ما كتب في مجال نقد النقد، واستهله مؤلفه بتأكيد أن «الكتب التي تتناول الكتب، أو بتعبير آخر، الكتب النقدية، لا تجد من يقرأها أو لا تجد سوقاً متسعة، إذ لا تشد غير الأقلية من القراء، حيث بعض الطلاب وبعض المتحمسين»، بحسب ما ورد في الكتاب.
ويتعرض تودوروف إلى العديد من الأنماط في نقـــد النقد، حيث نقد السرد والأعمال الأدبية والسير، وكذلك نقد النقد والمفكرين والمؤرخين، كما تعرض إلى نقد المناضلين السياسيين. واستخدم الكاتب الفرنسي لغة لكتابه تتلاءم أكثر مع لغة الرواية، حيث أجرى حواراً بينه وبين النقاد الذين تعرض لهم على مدار فصول كتابه التي تجاوزت ثمانية فصول.
كما عرف تودوروف بممارسته لنقد النقد بصورة عملية من خلال محادثات أجراها مع بول بنينو، ورغم أهمية الكتاب وجودته وموسوعيته، إلا أنه أيضاً لم يضع مفهوماً واضحاً وصريحاً لـ«نقد النقد»، رغم تعريجه على عديد من النقاد والمفاهيم والأشكال السردية.
جدل
أثار عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بكتابه «في الشعر الجاهلي»، جــــــدلاً كبيراً وصل حد اتهام طه حسين في إيمانه، ووجه عدد من الكتاب والشيوخ نقدهم إلى كتاب طه حسين، من بينهم مصطفى صادق الرافعـــي في كتابه «تحت راية القرآن»، معتبرين أن كتابه «في الشعر الجاهلي»، شوه صورة الإسلام وانتقص منها.
حقل خصب.. متخصصوه ودراساته مراجع موثوقة
خلصت دراسات كثيرة متخصصة في حقل الأدب، إلى أن الثقافة العربية تعاني حالياً من تراجع ملحوظ، حتى في الأفكار والمناقشات، وتقتصر المناقشات على أعداد قليلة، نظراً لانغماس العديد من المتلقين بالشبكة العنكبوتية والمحتوى الإلكتروني، من دون الانتباه إلى تنمية الفكر والوعي بأهمية المضي قدماً نحو المعرفة.
ويرى متخصصون أننا نفقد الكثير بفعل غياب هذا المجال، إذ يعتمد نقد النقد على تفكيك النقد الأدبي للنصوص، وفقاً للأيديولوجية الخاصة بالناقد والكتابة في إطارها، لتكون كتابته محورية ومزدوجة ما بين رؤية النقد الأولى ووجه نظر خاصة، وهو ما يشير إلى ضرورة تعمق كاتب هذا النوع من النقد..
كما تعتبر دراسات نقد النقد مرجعاً متميزاً للباحثين الجدد لمعرفة أبعاد النقد ومدارسه المختلفة. وبحسب نقاد، فإن هذا الحقل يفتقر إلى التنظير والتعريف، حتى إن الاصطلاح الخاص به حديث نسبياً في ظهوره على الساحة الأدبية العربية.
تجارب تاريخية تؤكد أصالة هذا اللون الإبداعي
امتازت الجلسات العربية والملتقيات الثقافية القديمة في عصر الجاهلية، كما في سوق عكاظ، بالحس النقدي الشفهي آنذاك، وتبادل النقد المسموع حول القصيدة المرتجلة، وهذا التفاعل دعم الحس النقدي وأبعد المبدعين عن ساحة الحساسية التي يعاني منها النقاد حالياً.
ومع هذا، يعيد البعض تراجع «نقد النقد» إلى تدهور الساحة النقدية ذاتها، ولأنها لم تعد تتمتع باللمسات الإبداعية والقراءة العميقة للأعمال الأدبية، بل تتسم بتسطيح العمل وعدم الاهتمام بأبعاده ودراسته، ووقوع النقد في فخ الصداقات والمجاملات، من دون وعي بتأثير هذا الإهمال على المدى الطويل في الحالة الإبداعية والنقدية، في حال بات النقد محصوراً في عدد قليل من النقاد.



