يمكنك أن تقول إنها كنوز لا تقدر بثمن، أو ذخائر تعين الباحثين على المعرفة لتحقيق النصر في معاركهم الحياتية ضد الجهل والفقر والتعصب.. إنها المكتبات العامرة التي خلّفها كبار الأدباء والمثقفين والمفكرين، الذين قضوا حياتهم في تجميعها من شتى الأرجاء.. ترى، إلى من تذهب هذه الكنوز بعد رحيل أصحابها؟ هذا ما يستعرضه ويرصده »بيان الكتب« في هذا التحقيق.

»مكتبته باقية كما هي، غير أن جزءاً منها وهَبَه والدي لمكتبة في مسقط رأسه كي يطالعه شباب العائلة«. هكذا أوضحت الشاعرة ريم خيري شلبي، ابنة الروائي الراحل خيري شلبي، مصير مكتبة والدها..

مؤكدة أنها تدرس حالياً فكرة تدشين مشروع باسم الأديب الراحل لتصبح المكتبة جزءاً منه، ذلك كي تتعرف الأجيال الشابة على إبداع ومسيرة الراحل خيري سلبي، سواء من خلال أعماله الخاصة أو عبر ما كان يحرص على قراءته واقتنائه من ثمرات المطابع.

أهمية

تؤكد ريم أن المكتبة بالفعل، يستفيد منها حالياً طلابٌ وباحثون كثر، يأتون من مختلف محافظات الجمهورية ليطالعوا الكتب المهمة والنادرة التي تضمها مكتبة الراحل، لتفيدهم في رسالاتهم العلمية.

وتشير إلى أن العائلة جميعها لا تزال تنتهج نهج الراحل الذي كان يفتح مكتبته للجميع، حيث يمكن للراغبين استعارة الكتب أو القراءة في داخلها، معتبرين إياها صدقة.. ورسالة لا بد من استكمالها.

وتناشد ريم كل أسرة كان بها أديب راحل أن تعتني بمكتبته، كونها كنزاً بين أيديهم لا يصح التفريط فيه، فالكتب جزءٌ من عمره وماله وتاريخه، ويجب أن لا تُغلق عليها المخازن، بل أن تتاح للجميع وأن يهتم بها ويقرأها أحفاده ومحبوه، خاصة وأن هذه الكتب تعرفنا بكل شيء عن شخصية كل كاتب.

وتتابع ريم خيري شلبي: أنا ضد التبرع بالكتب للمؤسسات. إذ إنها تمتلك كتباً بالفعل، وأحياناً تضع هذه الكتب في مخازن. ولكن الصحيح هو أن تكون في مكان يوفر اطلاع ومعرفة الجميع، عبرها، كيف كان يفكر هذا الكاتب وما الذي كان يقرؤه ويحبه. وأتذكر أن أبي في حياته كان يشعر بضيق عندما يهترئ غلاف كتاب ما فيسارع إلى إصلاحه، فكل كتاب كان يحمل ذكرى ما تعيدني لأبي.

وترغب ريم في أن يصبح عالم خيري أكبر من ذلك.. فلا يقتصر على زيارة المكتبة. وتقول عن موقفها بشأن كتب أبيها: »هناك عديد من أبناء المثقفين فرَّطوا في الكتب بحجة عدم وجود مكان كافٍ، لكني أقول هذا ليس ملكي كي أفرط فيه، بل هو ملك لقراء خيري شلبي«.

شقة مغلقة!

يوضح القاص هشام أصلان، ابن الكاتب الراحل إبراهيم أصلان، أن أباه كان يعيش في شقة إيجار، وهو الأمر الذي اضطر العائلة إلى نقل المكتبة إلى مكان آخر، حيث توجد المكتبة كلها، حالياً، في شقة قريبة منهم. ويبين أن هذه الشقة المغلقة هي حالياً مكان مؤقت، ذلك حتى التوصل إلى حل للاستفادة من هذه الكتب بشكل فعلي.

ويشير أصلان إلى أنه فكّر في أكثر من منفذ للتبرع بأعمال أبيه لكي يستفيد منها عموم القراء، مثل إهدائها إلى مكتبة الإسكندرية أو مكتبة القاهرة، أو ربما لمكتبات في طنطا مسقط رأس أبيه. لكن بعض الظروف حالت دون ذلك، ومن بينها مثلاً أنه لا يوجد في طنطا سوى قصر الثقافة والذي يمكن أن يتعامل مع الكتب باعتبارها مقتنيات مكانها هو المخزن وليس أيادي القراء.

ويشرح القاص الشاب أن فكرة إنشاء مكتبة خاصة لأبيه تحتوي أعماله وكتبه ومقتنياته، صعبة وتحتاج إلى إمكانات كبيرة لا يمكنه تحملها فالنهوض بها.

كما يبيّن هشام إبراهيم أصلان أنه قد تحدث مع رئيس قطاع المشروعات بمكتبة الإسكندرية حول هذا الأمر، إذ أخبره أن الكتب يمكن أن توضع في المكتبة ويكتب عليها أنها إهداء من الكاتب إبراهيم أصلان، أما فيما يخص مقتنيات الوالد فتحتاج إلى وقت من أجل تخصيص مكان لها.

ويتابع:»إذا كانت الدولة لم تفعل هذا للروائي نجيب محفوظ، بحيث تنشئ متحفاً أو معرضاً يضم مقتنياته أو أعماله وهو الأديب الحاصل على نوبل، فهل يمكن أن تنفذ هذا مع باقي كتاب مصر؟«.

ويلفت الأديب الشاب إلى أن الكتاب في مصر كثر، في الوقت نفسه، الأمر الذي يجعل الاهتمام بكل واحد على حدة أمراً صعباً ويحتاج إلى مجهود كبير، وهو ليس بالأمر السهل.

مقترح لم يكتمل

تذكر الإذاعية دينا فؤاد قنديل، نجلة الروائي الراحل فؤاد قنديل، أن وزير الثقافة السابق عبد الواحد النبوي، كان قد اقترح عليها وضع مكتبة أبيها ضمن مكتبات دار الكتب.

وتشرح: قضينا الفترة الماضية في مناقشة التفاصيل، وأيضاً ناقشنا طبع الأعمال الكاملة لوالدي، وكنا بصدد أخذ خطوات جادة هذه الأيام حتى تكون جاهزة تزامناً مع عيد ميلاده في أكتوبر، لكن توقفت المشاريع بعد التغيير الوزاري الأخير الذي أطاح وزير الثقافة.

تاريخ وحاضر

يوضح الناقد يوسف نوفل أن ظاهرة توارث مكتبات الأدباء موجودة في تاريخنا منذ القدم، إذ هناك من شيوخ العلم من أوصى بأن تتحول مكتبته بعد وفاته إلى أحد تلاميذه، وهناك من أوصى أن توضع في مسجد، ولدينا مثال تاريخي كبير وهو العالم أحمد تيمور باشا والد الأديبين محمود ومحمد تيمور..

حيث آلت إليهما مكتبة ضخمة تسمى »المكتبة التيمورية«.. ومن ثم آلت إلى دار الكتب والوثائق القومية، وتوجد ضمن مقتنيات الدار حتى الآن، بجانب مكتبات أخرى شهيرة كحشمت باشا وغيره.

ويضيف نوفل: كنا نتندر كثيراً ونحن شباب حينما نشتري بعض الكتب القديمة والمستعملة من سور الأزبكية، فنجد على الكتاب أنه ضمن مقتنيات مكتبة فلان، وهذا معناه أن ورثته لا يقدرون قيمته ودوره التاريخي، غير أن كثيراً من الأدباء تبرعوا بكتبهم في حياتهم، وأذكر على سبيل المثال الشاعر الراحل محمد إبراهيم أبو سنة، الذي تبرع منذ أكثر من عام بمكتبته، إلى وزارة الثقافة في عهد الوزير الأسبق صابر عرب.

ويتطرق نوفل إلى تجربته الشخصية في الخصوص: هناك ظروف تاريخية جعلتني أهدي مكتبتي للكلية التي أنشأتها، وكنت عميداً مؤسساً لها منذ عام 1956، وهي كلية التربية - جامعة بورسعيد..

والتي أهديت إليها مكتبتي على دفعات، بعدما رأيت حجرات خالية بينما تحتاج الكلية إلى كتب وليست هناك سيولة مادية كافية لهذا، لذا رأيت ضرورة التبرع بها، وبلغ عدد الدفعات التي أرسلتها للكلية ثماني دفعات، بعناوين تبلغ نحو خمسة آلاف عنوان، وأعدُّ حالياً للدفعة التاسعة، والتي ستكون أكبر الدفعات، لأنني قررت أن أحتفظ بعدد قليل من الكتب التي أنا في حاجة ماسة إليها.

 

صداقة الفكر

العلاقة بين الكاتب ومكتبته، هي دوماً علاقة مميزة تشبه علاقة الصداقة، أو الأبوة، حيث تكبر المكتبة شيئاً فشيئاً أمام عيني المثقف، فهو يزهو عندما ينسق مكتبته بيديه..

وكذلك عندما يلمس بيديه كتبها، أو عندما تنفذ إلى أنفه رائحة أوراقها، ويحزن عندما يتلف أحد كتبها، ويسارع بترميمها من جديد، وهو الأمر الذي أشار إليه أكثر من كاتب فيما يخص علاقته بكتابه. كما يمتد الأمر إلى أن يقرر بعض الكتاب مقاطعة أي من أصدقائهم الذين يستعيرون الكتب ولا يعيدونها مرة أخرى، بل ويقرر بعضهم عدم إعارة أعمالهم لأي شخص لا يدرك قيمة العمل بين يديه.

ذخر معرفي يشكل انعكاساً لشخصية الكاتب

تتأتي أهمية مكتبات المثقفين، طبقاً لما تؤكده آراء النقاد والقراء، من كونها منتجاً ثقافياً تشكل وينم على هوى وذائقة أحد الكتاب الكبار، والتي تتنوع بين الكتب القديمة والحديثة، وتتباين موضوعاتها بين مجالات عدة تشمل الفنون والتاريخ والفلسفة، وإن كانت أكثر تخصصاً في الأدب من ناحية الكتاب. كما تؤشر بالضرورة إلى تطور الكاتب الفكري..

هذا إضافة إلى عديد من الكتب الموقعة من أصدقاء الكاتب، والتي يعد كثير منها طبعات أولى من العمل. كما يمكن أن تضم أعمالاً وكتابات لم ينشرها الكاتب صاحب المكتبة لظروف عدة.

وفي العموم، يبدو أن العالم العربي، كما يرى مثقفون، يحتاج خططا متخصصة تفي بغرض استثمار هذه الكنوز المعرفية بشكل خلاق يبني وعي الاجيال ويشكل ذخرا مرجعيا مهما.

بيع وسرقة وتوريث واحتفاء.. أحوال متباينة وقضية واحدة

يدين أدباء كثر ظاهرة مستفحلة في العراق، إذ ينظم مزاد أسبوعي لبيع الكتب، غالبية من يبيعون هذه الأعمال ضمنه هم ورثة المكتبات العامرة الذين لا يدركون قيمتها؛ ذلك لأنهم أصحاب اهتمامات مختلفة ربما لا تكون ثقافية تماماً، وربما يأتي ذلك لحاجتهم إلى المال. وفي فلسطين يبدو الأمر مختلفاً، إذ سُرقت أعمال كبار المثقفين الفلسطينيين أثناء نزوحهم وتُركت للمحتل، ويبلغ عددها وفقاً للوثائق الرسمية حوالي 70 ألف عنوان، وهو الأمر الذي يقلل من رصيد المحتوى الأدبي لدولة مثل فلسطين بشكل كبير. أما في السعودية، فجرت العادة على إهداء بعض أعمال المثقف إلى جهات حكومية..

بينما تحتفظ أسرته ببقية الكتب التي تعرف أحياناً طريقها لمكتبات الأبناء العامرة بدورها، أو تواجه الضياع هي الأخرى. وهذا بينما وجدت في المغرب ولبنان مكتبات مثل مكتبة الريحاني في ضاحية الفريكة بلبنان وآل عبود في عين كفاع، وآل الحلاق في حلب.