تعد مكتبة جون رايلندز الواقعة في وسط مدينة مانشستر البريطانية، من أجمل المكتبات في العالم، والمكتبة التي أصبحت جزءاً من مكتبة جامعة مانشستر منذ عام 1972 تضم إحدى أغنى المجموعات الخاصة من الكتب النادرة والمخطوطات والأرشيفات في العالم.
وتأسست في أوائل القرن العشرين على يد أنركيتا أوغستينا رايلندز تخليداً لذكرى زوجها جون الذي توفي عام 1888، تاركاً لها ثروة تقدر بحوالي 2.5 مليون جنيه أسترليني، جمعها من صناعة القطن في بريطانيا.
وكلفت ريلندز المعماري بازيل تشامبينز بتصميم المبنى على الطراز القوطي الحديث في دينزغايت، حيث بدأ بناؤه في عام 1890 مستخدماً تركيبة من أفضل الأحجار الرملية والخشب والجبس والبرونز، ذلك قبل أن تفتتح لعامة الناس في 1 يناير 1900.
كان هدف رايلندز في الأصل، بناء مكتبة تعنى بالشؤون الدينية، لكن شراءها لمجموعات قيمة من المخطوطات والكتب النادرة منحها مكانة عالمية رفيعة، وحولها إلى مقصد للعلماء والدارسين. وينظر إليها، على كونها مكتبة الحضارات الإنسانية كافة، كما إنها تصنف كونها مكتبة توثق لتاريخ وقصص العائلات الأوروبية الأبرز، خاصة في القرون الوسطى.
في عام 1972، اندمجت مع مكتبة جامعة مانشستر فنقلت هذه الأخيرة مجموعتها إلى مبنى مكتبة جون رايلندز في دينزغايت، بما في ذلك مكتبة كريستي المهمة المؤلفة من 8 آلاف مادة تزخر بالمقتنيات اليونانية وأفكار عصر النهضة في أوروبا، وتغير اسمها إلى مكتبة جامعة مانشستر في عام 2012.
مضمون ثرٍ
تزخر محتويات المكتبة بمخطوطات وكتب قيمة حصلت عليها من مجموعات خاصة، اشترتها من مالكيها، مثل: مجموعة سبنسر المؤلفة من 43 ألف مادة.. إذ اشترتها عام 1892 وأمنت للمكتبة أكبر مجموعة من الأدب الكلاسيكي والكلاسيكيات اليونانية واللاتينية، ومجموعة واسعة من الكتب المطبوعة في أوروبا قبل 1501.
وهناك مجموعة أيرل كرافورد من 20 ألف مادة بـ40 لغة مختلفة، التي اشترتها عام 1901، والغنية جداً بمخطوطات تعود لشرق البحر المتوسط. وكذلك مجموعة موسيس غاستر التي تضم 11 ألف قصاصة جرى شراؤها في 1954، وهي مليئة بأوراق بالعربية والآرامية والعبرية وبكتابات بلهجات المنطقة من جنيزة كنيس بن عزرا في القاهرة القديمة.
مقتنيات متنوعة
تقدر محتوياتها بحوالي 1.4 مليون مادة، تحيط بكل مرحلة من مراحل تطور الكتابة والطباعة على مدى خمسة آلاف عام، وهي من الطين وورق البردي والرق والكتان وسعف النخيل والنحاس والعاج واللباد واللحاء والخيزران والورق وغيرها، وتغطي كل العلوم والعلوم الإنسانية على اختلافها، وتضم ثروة في الأدب المعاصر والحديث.
وهناك أكثر من مليون مخطوطة وأرشيف، و4 آلاف كتاب مطبوع قبل عام 1501م، بما في ذلك أكبر مجموعة لمطبعة »ألدين« في البندقية التي أسسها الدوس مانوشيس في عام 1494، وثاني أكبر مجموعة للتاجر الإنجليزي »كاكستون« الذي أدخل المطبعة إلى بريطانيا عام 1476، إلى جانب احتوائها على روائع تجليد الكتب.
أما المخطوطات الرائعة التي تزخر بها، فمكتوبة بأكثر من خمسين لغة، وتتضمن مئات المجموعات من القرون الوسطى، وإحدى أهم مجموعة مخطوطات الشرق الأوسط في بريطانيا باللغات العربية والتركية والفارسية وغيرها.
المكتبة حصلت على مئات الأرشيفات في عشرينيات القرن الماضي، عندما دعت عائلات محلية من ملاك الأراضي إلى إيداع أرشيفهم لديها، فكانت أولى المكتبات العامة التي تجمع أرشيفات العائلات وأوراقها التاريخية، إلى جانب حصولها على أرشيفات شركات وهيئات أعمال ونقابات وجمعيات خيرية ومنظمات اجتماعية ومؤسسات دينية ومطابع وأوراق علماء وأكاديميين إلى جانب أرشيف صحيفة »غارديان« البريطانية.
1100
تعتبر كنوزها من المخطوطات الشرقية الأهم في بريطانيا، وتتمثل بأكثر من 1100 من الألواح المسمارية للسومريين والأكاديين من الألفية الثالثة والثانية قبل الميلاد، وتشمل نقوشاً ملكية ورسائل ووثائق اقتصادية وإدارية وزراعية ونصوصاً أدبية.
900
هناك حوالي 900 مجموعة لمخطوطات بالعربية في المكتبة، وهذه مجموعة نادرة تغطي فترة ألف سنة. وتشمل مصاحف عديدة (بينها مصحف مكتوب بالخط الكوفي من القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، ونسخة نادرة بثلاث لغات من القرن الخامس عشر من العصر المملوكي في مصر)، وغيرها من نصوص تتعلق بالتاريخ والقانون والعلوم والطب والجغرافيا والفلك والفلسفة والأدب...
وبين المجموعة أكثر من 800 مخطوطة من ورق البردي، وتتألف من رسائل خاصة وحسابات تعود لتجار وعائلات، وإيصالات خراج (ضريبة الأرض) وغيرها من الوثائق، والعدد الأكبر من المواد المؤرخة تعود إلى القرن الثالث هجري.
وللمخطوطات العربية في المكتبة، فهارس صدرت أعوام 1933 1934 و1996، تشمل مواضيع دينية بالإضافة إلى الفلسفة والأخلاق والأدب وكتب في اللغة، وغيرها. وفهرس المخطوطات العربية من 1153 صفحة غني بالمواد العلمية، إذ هناك ما يقرب من حوالي خمسين مخطوطة في الطب، مثل »القانون في الطب« لابن سينا.
وإلى جانب المخطوطات العربية، هناك 70 مخطوطة خاصة بسوريا، و195 مخطوطة تركية معظمها مكتوب بالتركية العثمانية، إضافة إلى 950 مخطوطة فارسية يعود بعضها إلى القرن الثالث عشر.
وفي المكتبة أكثر من 600 مخطوطة لاتينية، وتعتبر المخطوطات المكتوبة بخط اليد أمثلة عن أفضل الأعمال في فن الخط من كل المدارس المهمة من أوروبا، إلى جانب مخطوطات إنجليزية وإيطالية وهولندية وألمانية، وإسبانية وفرنسية ويونانية وأثيوبية وسنسكريتية. كما هناك مخطوطات باليونانية.
الكتب القديمة
أما ثروة المكتبة من الكتب القديمة، فلا تعد ولا تحصى، وتتباهى المكتبة بمجموعة أناجيل قديمة من مجموعة سبنسر، ونصوص يونانية من مجموعة كريستي حيث تحوي 50 مؤلفاً إغريقياً ولاتينياً بطبعات الكتب الأولى، من ضمنها أشعار هوراس وسيسرو، وطبعة من كتاب »فيرجيل« قبل عام 1480، و»ملحمة هوميروس« بطبعتها الأولى 1474 في روما. والمكتبة لديها نسخة عن النص القديم الأول المطبوع باليونانية »لحكايات ايسوب« في ميلان عام 1478.
10
تضم المكتبة مجموعة مثيرة للاهتمام من أدب الرحلات، مؤلفة من 10 آلاف مادة مع الطبعات الأولى لمجموعات منشورة لسير فرانسيس درايك وسير والتر راليه وأعمال جيمز كوك.. وغيرهم الكثير.
ومن أهم الأعمال: »رحلة إلى الأرض المقدسة« لبرنارد فون برايدنباخ (ماينز 1486), »رحلة في الشرق« قام بها لويس كومبت دو فوربين (1817 و1818)، »مصر والنوبة« لديفيد روبرتس (1846-1849)، الأرض المقدسة (1855)، »النصب التذكارية لنينوى« لبول اميلي بوتا (1849-1850)، »مصر وفلسطين« لفرانسيس فريث (1858-1863).
مخطوطات شرقية تروي حكايات الحكام والشعوب
تحتوي المكتبة مخطوطات من الشرق، منها مخطوطات بـ 11 لغة هندية حديثة تعود للفترة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، من أبرزها: »لور- تشاندا« لمولانا داوود الدلماو..
وهو نص كامل من الأدب الهندي يحوي 300 منمنمة مرسومة في أعوام 1530 1540 في بلاط سلاطين مالوا. وهناك مخطوطات من جنوب شرق آسيا تشمل بلغاتها المتعددة حياة البلاط في بورما، وأعمال أدبية من تايلند، وحكايات رومانسية ومخطوطات عن تاريخ أرخبيل ملايو، وتاريخ جوهور، إلى جانب نص قانوني بالملاوي، بما في ذلك:
»حكاية بنجار« بإندونيسيا، »حكايات المقاتل هانغ توا«، 33 مادة من جزيرة سومطرة بلغة باتاك، أشعار وأسطورة غاليغو من إندونيسيا، »كوتارا ماناوا« المسودة القانونية القديمة لجاوا. ومن ما تضمه المكتبة أيضاً :مجموعة صينية من 500 مادة، مخطوطات مو- سو من جنوبي غرب الصين.
600 مخطوطة لاتينية تكشف عن فنون رفيعة في الخط
تتضمن المكتبة أكثر من 600 مخطوطة لاتينية، وتعتبر غالبيتها (مكتوبة بخط اليد) أمثلة عن أفضل الأعمال في فن خط من كل مدارس أوروبا المهمة، والمجموعة غنية بالمخطوطات من إيطاليا، وأقدمها مخطوطة »رافينا« على ورق البردي التي تعود إلى أوائل القرن السابع، ومن ألمانيا مخطوطة تعود لسلالة ميروفينيان. ومن إنجلترا نسخة من رسائل بول من القرن الحادي عشر.
ومجموعة للفلاسفة الإغريق تعود لأواخر القرن الثالث عشر. ومن بين المحتويات، هناك 1300 مخطوطة بالإنجليزية من أبرزها نسخة »طروادة« مقدمة إلى هنري الخامس. وفيها، أيضاً، مخطوطات بالإيطالية من القرن الرابع عشر عن العائلات النبيلة في فلورنسا، وأربع مخطوطات »للكوميديا الإلهية« لدانتي هي الأقدم على الإطلاق وتعود لعام 1416.

