من «الاعترافات» للأديب المصري عبدالرحمن شكري كانت البداية في عام 1916، في مصر، وربما العالم العربي. ومن ثم تبعتها «الأيام» للدكتور طه حسين في جزأين صدر الأول عام 1926م، والثاني عام 1939م، ليتوالى أدب السير الذاتية، فكتب إبراهيم المازني «قصة حياة» عام 1961م، وتبعه لطفي السيد بـ«قصة حياتي» عام 1962م، وعباس العقاد بـ«أنا» عام 1964م..

وكتاب «حياة قلم» عام 1965م، وواصل المسيرة توفيق الحكيم بـ«سجن العمر» عام 1967.. وإلى غير ذلك من الأعمال التي دشنت مرحلة جديدة في الإبداع الروائي راصدة تجارب حياتية ثرية لكاتبيها..

فإلى أي مدى حافظ هذا الأدب على مكانته، وهل من فائدة تعود من وراء تلك السير على القارئ؟ وأيضاً، هل يلتزم الكاتب بالمصداقية على طول الخط أم يلجأ إلى التزييف لتجميل صورته أمام القارئ؟

هذه السير، باتت في الفترة الأخيرة، محل أخذ ورد وجدال، في ظل الآراء المتفرقة والاختلاف بين النقاد والأدباء والمعنيين في توصيف مدى صحتها من عدمها. (بيان الكتب)، يضيء على هذه القضية، راصداً وجهات نظر مجموعة أدباء ومتخصصين.

«لا تتوقف أهمية هذا اللون الأدبي على تدوين سيرة الكاتب الذاتية أو غيرها، بل تنبع من كونها تأريخاً للعصر الذي عايشه».. بهذه العبارة بدأ الناقد الأدبي يوسف نوفل حديثه، موضحاً أن الكاتب يرصد من خلالها أحوال البلاد خلال الفترة التي يرصدها، وكذا يوصف الأماكن وطبيعة العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية.

وأضاف نوفل، أن من أهم التجارب في هذا اللون، ما كتبه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في كتابه «الأيام»، وكذلك ما كتبه أحمد فارس الشدياق في تجربة حكائية فريدة لحياته. كما أن بعض الكتاب فضلوا تسجيل حياتهم داخل أعمالهم الأدبية..

وعلى لسان أبطال رواياتهم المتنوعة من أجل أن يخرجوا بعيداً عن أزمة الدخول في أسرار يصعب كشفها للعامة، ولتجنب توجيه أي انتقادات أخلاقية إليهم، خصوصاً بالنسبة للكتابات النسوية التي تتسم بالجرأة، كنوال السعداوي وسلوى النعيمي.

كما فرق في الوقت نفسه، بين نوعين من السيرة الذاتية، وهما «الذاتي» الذي يكتبه الكاتب بنفسه قبل رحيله، و«الغيري» الذي يكتبه آخرون عن حياة كتاب راحلين، أو في حياتهم.

الضمير الثالث

يؤكد د. عبدالمنعم تليمة، أستاذ الأدب في جامعة القاهرة، أن السير الذاتية تكتب بالضمير الثالث، وهو البطل المتوهم، إذ يتحرج الكتاب من التحدث بالضمير الأول..

وذلك مثل ما فعله طه حسين في سيرة «الأيام». فرغم كون عمله قوياً ورصيناً في لغته، إلا أنه قرر نقلها إلى الضمير الثالث كي لا يحاكمه أحد، بينما أبدع الروائي توفيق الحكيم شيئاً مختلفاً، عندما دوّن أجزاء من حياته في أعماله الأدبية، مثلما فعل في روايته «يوميات نائب في الأرياف»، والتي حكى فيها ما عاصره داخل الأرياف عندما كانت نائباً في شبابه، والأمر نفسه كرره داخل أعمال لاحقه له، مثل: «سجن العمر».

تزييف

يوضح الكاتب الصحافي خالد منتصر، أن أدب السير الذاتية اختفى حالياً من الأدب العربي، مشيراً إلى أن هذا الأمر سبق وأكده الشاعر السوري أدونيس، عندما قال: «ليس لدينا حتى الآن أدب الاعترافات، فالشخص العربي دائماً يشاهد نفسه يولد ويكبر ويموت إنساناً معصوماً من الخطأ».

ويشير منتصر إلى أن الجميع لا يرغب في أن يظهر جلياً بلا تجميل أمام الجماهير، وهو الأمر الذي ينتج عنه في النهاية، تزييف كامل في جميع الأعمال الموجودة على الساحة من قبل كاتبيها؛ ذلك أن لا أحد يقوى على الظهور عارياً بأخطائه أمام القراء.

رد فعل المجتمع

تتفق مع هذا الرأي الأديبة سلوى النعيمي، موضحة أنها فوجئت بعاصفة من الانتقادات والهجوم البذيء عندما كتبت ما عايشته وشعرت به بصدق، في السيرة/‏‏ الرواية، التي دبجتها، فهاجمت والدها المتوفى بشكل علني، ذلك كجزء من أدب الاعتراف في إحدى كتاباتها..

وتحدثت صراحة عن علاقاتها في روايتها «برهان العسل» التي كانت تأريخاً لبعض ما عاشته، إلا أن رد الفعل حولها كان قاسياً، إذ رفع أشقاؤها قضية ضدها بسبب ما كتبته، كما حاصرتها الشائعات، وهو الأمر الذي يؤكد أن العالم العربي ليس مستعداً بعد لهذا النوع الأدبي.

ليس مطروحاً

يبين الكاتب عزت القمحاوي، أنه، من جهته، لا يتصور حالياً أن يكتب في السيرة، لافتاً إلى أنه داخل رواياته يحافظ على فكرة التخييل، وهو الأمر الذي لن يجعل أحداً يتمكن من معرفة أي خبر عنه داخل رواياته؛ فالرواية من وجهة نظره، عملية تخييل وخلق لواقع مواز يشبه الواقع الذي نعيشه لكنه ليس هو.

ويتابع: لكن، في بعض الأعمال، مثل «الأيك»، تطرقت إلى حوادث وأشكال. ويبين أن المبدع لا يكتب من فراغ، بل هو يكتب من مجمل خبراته الحياتية، وعن شخصيات رآها وعاشها. وفي الحالتين، يصب شخصيته في قالب هو انعكاس لأكثر من خمسين قالباً واقعياً.

ويتابع القمحاوي: وأنا في هذه السن، الأمر بالنسبة لي، ليس مطروحاً، وهذا ليس بدافع الخوف من الرقابة، إنما هناك الكثير مما لدي.. ومن القادم أيضاً، كي أقوله، وأقول هنا إني لاأزال أرى العالم وأرى حدودي فيه. فلن أكتب سيرتي الذاتية.

تأريخ

لا يمانع الشاعر زين العابدين فؤاد، في كتابة سيرته الذاتية، موضحاً في هذا الشأن أنه يعكف بالفعل، على كتابتها حالياً لتكون بمثابة تأريخ لفترات مهمة عاصرها. ويواصل: لا أرغب أن تزول حكاياتي من عقول من أعايشهم وأزاملهم راهناً، وأيضاً أن لا تنسى في العصور الحديثة، فمنذ شبابي وأنا مولع بمتابعة العالم، وعدم الاغتراب عنه.

هروب

تشدد الأديبة والكاتبة الصحافية فريدة الشوباشي، على أنها ترفض عرض سيرتها مقابل المال. وتشرح موقفها: «لم أفعل شيئاً من أجل شهرة أو مال. كما أنني أخاف من كتابة تجاربي، فالزمن الحالي لا يناسب لهذا، وأرى أنه يكفي اللقاءات التي تتناول سيرة حياتي في الصحف والقنوات، وبرغم كل هذا، رأيت اتهاماً لي من عفت السادات بأنني متلونة.. فكان ردي أن تاريخي كله موجود على الإنترنت ابحث فيه كما شئت.

تميز غربي بطله «اعترافات» روسو

يكشف كتاب «السيرة الذاتية في الأدب العربي»، أن هذا اللون يعد نوعاً أدبياً غربياً، ففي الغرب يتعاملون مع الذات الإنسانية باعتبارها نوعين: «النفس الخارجية»، وهي المعلنة للجمهور، «النفس الداخلية»، وهي المضمرة بعيداً عن أعين الجميع. وتعد وظيفة الكتابة هنا تعريفاً لهذا المكتوم البعيد عن الأعين، ومحاولة التوفيق بين الذات الداخلية والخارجية.

وظهرت اعترافات غربية عدة، حازت ثقة القراء وإعجابهم نتيجة صدقها الشديد، ومن أهمها ما كتبه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو «اعترافات فتى العصر».. وكذا اعترافات القديس أوغسطين، أو «يوميات أندريه» و«مذكرات لص» لجان جينيه.

بدايات متباينة عربياً وتطور مفصله القرن الـ11

يؤكد عديد من المؤرخين، أن السير الذاتية العربية، ألفت بشكل منفصل في أوقات متقطعة، وذلك في مثل ما كتبه حُنين بن إسحاق والمُحاسبي والترمذي. ومن ثم، وفي بداية القرن الحادي عشر، بدأت كتابات السير الذاتية القصيرة التي لم تعد قاصرة على الأدباء، فكتبها أطباء وفلاسفة، مثل الرازي وابن الهيثم وابن سينا، لتظهر فيما بعد السير الذاتية الطويلة، مثل ما كتبه ابن بلقين والغزالي..

فضلاً عن ظهور بعض السير الذاتية التي اتخذت من قضية التحول الديني إلى الإسلام موضوعاً لها، مثل ما كتبه السموأل المغربي وفراي أنسليمو تورميدا، لتختلف أسباب ودوافع هذه الكتابات، حيث كتب حُنين بن إسحاق والرازي للمدافعة عن سبب انتقادهم، بينما كتب ابن الهيثم والمؤيد الشيرازي والداني كتابات بحثية حول حياتهم.

ومع بداية القرن الثاني عشر حتى القرن الرابع عشر ظهرت بعض السير الذاتية التي كتبت على طريقة اللمحات المدرسية، أو على شكل الإرشادات الروحية، أو حتى فيما يشبه الأعمال الأدبية مثل سيرتي عمارة اليمني وأسامة بن منقذ، وفي أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، ظهر شكل جديد للسيرة، مثل ما كتبه السخاوي والسيوطي وابن طولون الدمشقي والعيدروس وغيرهم.