يرحل العام 2015 مثقلاً بثمار الإبداعات الثقافية متعددة المجالات، بدءاً بالرواية والشعر، مروراً بالفنون والسير الذاتية، وصولاً إلى المؤلفات العلمية والمعمارية ومذكرات المشاهير والكتب المصورة، وقد أجمع نقاد وكتاب صحيفة «أوبزرفر» البريطانية، على تصنيف إنجازات العام التي شقت طريقها من بين آلاف الأعمال لتحتل الصدارة في عالم الكتب، وتحفر أسماء مبدعيها على أرفع الجوائز.
كان لمختلف الأشكال الأدبية والثقافية نصيب في التقييم ليتمخض العام الآخذ في الغروب عن باقة مزركشة، قصصاً وشعراً ورسماً وسيراً ومذكرات وعمارة وكتباً مصورة، نطل فيما يلي على أبرزها، فنذكر منها، في مجال الرواية «تاريخ موجز عن سبعة جرائم قتل» للجمايكي الحائز على جائزة «بوكر» مارلون جيمس.
وفي الشعر ديوان «محكوم بالحياة» لكلايف جيمس، وفي فن الرسم نتحدث عن الأعمال المبهرة لبييت موندريان، ودييغو ريفييرا وفريدا كالو، وأخيراً ليس آخراً نختم مع السيرة الذاتية التي تجلى أهمها في كتاب للمؤلف تشارلز مور بعنوان «كل ما تريده» حول حياة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر..
والذي يعتبر في رأي أغلبية النقاد واحداً من أعظم كتب السير الذاتية ذات الطابع السياسي في عصرنا.
باقة مميزة في عالم الرواية على لائحة «بوكر»

اتسم 2015 في رأي الكاتب والصحافي أليكس بيترسون بعام الرواية بامتياز، وحصد محصولاً استثنائياً يطالعنا قرابة كل عقد ويكمم الأصوات ذات النزعة الترويجية لفناء هذا الجنس الأدبي. وحملت السنة المقبلة على تسليم الشعلة لخليفتها جودة يحار المرء معها أيحسد لجنة حكام جائزة «بوكر» على مسرات الصيف الذي أمضوه يتنعمون بتذوق أطايب الروايات الواحدة تلو الأخرى..
أو يشفق عليهم لاضطرارهم لتضييق حلقة العقد الجميل إلى ثلاثة عشر ثم إلى ستة أعمال فقط ليتأهل الجمايكي مارلون جيمس في نهايتها بجدارة للفوز بالجائزة الكبرى عن روايته «تاريخ موجز عن سبعة جرائم قتل» القوية، البارعة، متعددة الأصوات.
وانضم إلى اللائحة القصيرة لجائزة بوكر، إضافة إلى جيمس، ثلاث روايات تتمتع بجماليات خارقة، كانت يمكن أن تدفعها إلى مصاف المراتب الأولى، سواء كانت رواية «بكرة الخيط الأزرق» لآن تايلر، أو «جزيرة الشيطان» لتوم مكارثي اللتين تبدوان أشبه بروايتين قصيرتين لروائيين كبيرين.
أما رواية «حياة صغيرة» لهانيا ياناجيهارا فقد شكلت العمل الأفضل بالنسبة للحكام في السبق نحو الجائزة، ومع أنها أحدثت انقساماً في أوساط النقاد، لا أزال أظن أن البطل البائس جود سانت فرانسيس وعذاباته الشخصية.
وفي حين أن رواية ميلان كونديرا «احتفال التفاهة» كانت الضربة الأفظع للعام، تألقت بعض الأعمال الأخرى، فارضةً ثقلها الأدبي على ساحات أفضل روايات 2015 ومن ضمنها رواية سباستيان فولك «حيث كان قلبي يخفق» التي تكتسح حقبة القرن العشرين برشاقة..
وتشكل مسرحاً لقصة سوداوية حزينة عن الحرب والحب والخسارة. أما رواية «النقاء» لجوناثان فرنزن قد لا تكون بالحذاقة التي أراد الكابت منك أن تؤمن بها، إلا أنها أقرب وأكثر مرحاً من سابقتها «الحرية» .
وأخيراً، أصل إلى الحديث عن روايتين كان لا بد أن تظهرا على كل اللوائح القصيرة المتأهلة للجوائز، وهما وإن لم يتم تجاوزهما بالكامل فلم تنالا حقهما بما يكفي. الأولى هي للروائي بنجامين ماركوفيست «ليس عليك أن تحب هذا»، وهي قصة تهكمية لاذعة مضحكة جداً حول مدير يحاول إعادة إحياء اقتصاد ديترويت في إطار يدور حول المال والعنصرية والخمول الحضري.
أما الثانية فهي «العملاق المدفون» لكازو إيشيغورو، التي حيرتني بقدر ما أثرت فيّ حين اطلعت عليها في فبراير الماضي، واقتنعت بأنها تحمل الكثير من العمق والأهمية، لناحية ما تعكسه عن الذاكرة والاضطراب.
باكورة
سجل عام 2015 ظهور باكورة أعمال شيغوزي أوبيوما الروائية التي حملت عنوان «الصيادون» وجاءت على شكل حبكة من التراجيديا اليونانية والفلكلور الأفريقي في قصة رمزية مدمرة عن نيجيريا المعاصرة، واعتبرت الرواية الأولى الأفضل. أما «عام الهاربين» لسانجيف ساهوتا التي سبرت بهدوء العالم المدمر لحياة المهاجرين.
ورمت لجنة الحكام العديد من الروايات الجيدة في إطار فرز وتصفية الأعمال الروائية المرشحة للجائزة، ومن ضمنها «الطريق الأخضر» لآن إنرايت.
الوقوع على قصيدة جميلة يشبه العثور على لؤلؤة
تشكل دوواين «محكوم بالحياة» لكلايف جيمس و «جسديّ» لأندرو ماكميلان و«مواطن» لكلاوديا رانكين الزبدة التي تمخض عنها عام 2015 من أعمال شعرية، والشعر برأي الصحافية والناقدة المسرحية كيت كيلاواي، عالم لا يحترم المواعيد النهائية.
ولا يمكن استعجاله، إلا أن كمّ الأشعار التي تصدر كل عام مهيب ويستدعي السرعة. وتشير كيلاواي إلى أنها تختار في بعض المرات ديواناً لشاعر لم تسمع به من قبل وما تلبث تتصفحه حتى تتسمر في مكانها، ويعلق في يديها.
«بانتظار الماضي»
يضمن ديوان «بانتظار الماضي» للشاعر ليه موراي بقاءه في المستقبل بقصائد تمزج بتلقائية عفوية بين النثر العامي والشعر الغنائي..
حيث يقبع المؤلف في «عزلة كهف الكتب القديمة» ولا يطمح لأي تطور يتعدى آلته الكاتبة العتيقة. وفي حين أن موراي بطل معروف، أندرو ماكميلان شاعر مغمور يأبى أن يتم تجاهله، وتشكل مجموعته الأخيرة بعنوان «جسديّ» باقة من القصائد المحمومة الرقيقة المنظومة بإدراك ثابت لكنه الجمال.
دواوين
وسجل عام 2015 اعتناق كلايف جيمس المصاب باللوكيميا فكرة الكتابة من أجل البقاء على قيد الحياة، فجاء ديوانه «محكوم بالحياة» وحشاً برياً نادراً في عالم الشعر، ومشهدية مؤثرة عن الفناء.
واندرج عمل كلاوديا رانكين بعنوان «مواطن» هذا العام ضمن فئة خاصة قائمة بذاتها، تأسرك قصائدها بالروح النضالية البليغة حول العنصرية، ويخيل إليك أن قراءة الأبيات أشبه بالتنصت على أميركا.
وتعتبر المجموعة الشعرية عموماً إنجازاً مميزاً، يتمتع بهذه الخاصية ليس أقله لأن القصائد التي وضعت بهدف إثارة الانفعالية الجدلية لم تفعل.
لؤلؤة الشعر
في أحيان أخرى، تبقى مجموعات شعرية لأسماء لامعة على الرفوف، لا تجد من يقرأها، وترمى جانباً. ومع ذلك فلا بدّ لأن يلاقي عدد لا بأس به من الأعمال طريقه إلى مواقع الإنترنت، لكن الشعر ليس مسابقةً، إذ ليس هناك ما هو شخصي أكثر منه ولا غموض أو مزاجية.
ولهذا السبب لطالما شعرت كيلاواي بعدم الارتياح إزاء جوائز الشعر، التي تدعم أسماءً وتبرز أخرى إلى دائرة الضوء. ومع ذلك، حين تقع يدا المرء على قصيدة جميلة تبرز، بالرغم من كل الأوهام، حقيقة ثابتة ذات طابع اكتسابي أشبه بالعثور على لؤلؤة.
بيتر كونراد يغوص في عوالم ورسومات موندريان

من بوابة الشعر نعبر بحصاد العام 2015 إلى عالم فن الرسم، وننتقل مع الصحافي والكاتب بيتر كونراد من عالم الأناقة والمثالية الطوباوية الجديدة لبييت موندريان، ونعرج على معرض الأعمال التخريبية لدييغو ريفييرا وفريدا كالو في أميركا، وصولاً إلى تاريخ المتاحف البريطانية.
يقول الفنان والنحات البريطاني أنطوني غورملي إن الفنان شخص «يحاول إعادة تكوين العالم وفق شروطه في محترفه الخاص». ويجسد هذه المقولة بشكل جميل عمل «بييت موندريان: الاستديوهات» ، ففي أمستردام وباريس وباريس ولندن ونيويورك عاش موندريان داخل تصاميم تركيبية مستطيلة أشبه بتلك التي كان يجسدها في لوحاته..
والتي كانت تشبه صوامع الناسك المتصوف الذي يؤمن بأن المحترف يجب أن يكون «مزاراً صغيراً» . العالم المعاد تكوينه على يد موندريان كان جنة الذواقة المصابين باضطراب الوسواس القهري.
أما معرض دييغو ريفييرا وفريدا كالو في ديترويت فيعكس اعتقاد رسام الجداريات المكسيكي ريفييرا بـ «نشر رسالة شيوعية الطابع في عقر الرأسمالية» ، أما زوجته فريدا كالو فمارست أساليبها التخريبية على طريقتها الخاصة بتصنيف الأميركيين على أنهم بشعون وأغبياء.
ويستعيد غايلز ووترفيلد في «معارض الشعوب: المتاحف الفنية والمعارض في بريطانيا بين 1800 و1914 زمناً كان فيه الفن، يبذل على الأقل جهوداً حثيثة لتحسين العالم رغم عدم رغبته بتغييره. ويشدد كتاب ووترفيلد السردي الساحر حول المعارض العامة لبريطانيا في الحقبة الفيكتورية دورها في تنوير ورفع معنويات جمهور قلق ومحبط.
القيمون على إنشاء دور عرض من أمثال «معارض الشعوب: المتاحف الفنية والمعارض في بريطانيا بين 1800 و1914» كانوا مدفوعين بمبدأ الإيثارية المدنية، التي يدافع عنها ووترفيلد بوجه الاعتداءات المعاصرة الموحشة».
إنها قصة نبيلة، تنطوي إعادة سردها على غاية تحذيرية حادة اللهجة، سيما في ظل فتح المتاحف اليوم أبوابها على أنها منافذ بيع في حين أن المباني الأثرية المتروكة بعهدة الدولة تتقلص لتنحصر مهامها في محافل إقامة حفلات الزفاف الباذخة».
إليوت وتاتشر ولو كاريه ذخيرة ثمينة من السير الذاتية

انطلق عام السير الذاتية بنجاح مع صدور مؤلف روبرت كروفورد بعنوان «إليوت الشاب: من سانت لويس إلى أرض اليباب» بعد نصف قرن على وفاة الكاتب والناقد تي. إس. إليوت.
وتكشف هذه اللوحة المذهلة للكاتب القادم من أميركا الذي أعاد ابتكار نفسه في بريطانيا الخلفية الدرامية المريعة التي يقوم عليها ديوانه «الأرض اليباب» لإليوت، الذي كما يصفه كروفورد في نهاية السيرة الذاتية بأنه «كما لو لم يكن يوماً شاباً» .
وتتفتق السيرة عن صورة «توم إليوت» الشاب الخجول الذكي الذي يحمل جرحاً عميقاً ويعاني عذاباً مريراً ناجماً عن الصراع الطويل في مسيرة المواءمة بين حياته الخاصة والعامة، ويتحول إلى» هر عتيق» ، عجوز مناصر لإنكلترا يتخلى في وقت لاحق عن ديوان «الأرض اليباب» بوصفه «نص من التأفف المقفى» .
أما في مجال علم الجريمة، فيستحق آدم سيسمان جائزة كاتب السيرة الذاتية موازية لوسام الصليب العسكري لإقدامه على كشف خوابي حياة ديفيد كرونويل للجمهور..
في مؤلف أطلق عليه اسم «جون لو كاري» وهو الاسم المستعار لكرونويل. ولن يكون هذا المؤلَّف الكلمة الفصل في الموضوع الرائع، حيث الجمهور على موعد مع ما سيقوله لو كاري نفسه في الجزء المقبل من السيرة الذاتية المقرر صدورها في خريف العام 2016.
وشكل الجزء الثاني من السيرة الذاتية التي تروي حياة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر «كل ما تريده» للمؤلف تشارلز مور نسخة أعمق تأثيراً من سابقتها إذا صح التعبير..
حيث تغيب السيدة الحديدية تماماً عن الصورة ويتبلور السرد القصصي الآسر لمور فينطلق منعتقاً بفضل حرية الغياب. وإذا جاء الجزء الثالث موازياً لسابقيه، فإنه يتعين علينا أن نغدق الثناء والمديح على واحد من أعظم كتب السير الذاتية ذات الطابع السياسي في عصرنا.
ألمعية
إذا وضعنا تاتشر جانباً، نجد أن السيرة الذاتية الأكثر متعةً لهذا العام تحمل عنوان «أورسون ويليس: فرقة الرجل الواحد»، وهو الجزء والأخير على الأرجح، في دراسة سايمون كالو.
ويعتبر السرد المفعم بالحيوية المذهلة لأعمال ويليس في المسرح والإذاعة والتلفزيون وحتى عالم رقص الباليه مرغناً على القراءة.
وحده ممثل وكاتب ملهم ومثابر مثل كالو يجيد القيام بهكذا عمل، حيث يتماهى بشخصية ويليس، الذي يكاد يكون كالو. اللغز الوحيد هنا هو السبب الذي دفع الناشرين للانتظار حتى نهاية العام الذي يشكل الذكرى المئوية لويليس ليصدروا السيرة الذاتية الألمعية.
انتقادات قاسية لعمارة تل أبيب

استعرض الناقد المعماري روان موور الجانب الأبرز من مؤلف إيلين هاروود «المساحة، الأمل والوحشية» في دراسة استطلاعية هائلة لفن العمارة البريطانية ما بعد الحرب. أما المؤلف أوين هاذرليه فقد وسعّ كثيراً مدارك الذوق العام بإصداره هذا العام كتاب «المناظر الطبيعية الشيوعية» الذي يسبر بجمالية المناطق السكنية وأعمدة البث التلفزيوني والقصور البيروقراطية في دول الكتلة الشرقية خلال الحقبة السوفييتية.
ويهاجم كتاب «مدينة بيضاء، مدينة سوداء» لشارون روتبارد منازل تل أبيب الكولونيالية، في حين تبرز نسخة منقحة من كتاب ويليام كورتيس «لو كوربوزييه: أفكار وأشكال» ، وفهرسين «عالم تشارلز وراي إيمز» و«أميركا اللاتينية قيد الإنشاء».
الشيفرة الجينية تتصدر أبرز الكتب العلمية

انكب روبن نكاي محرر المواد العلمية والتكنولوجية في صحيفة «أوبزرفر» في جردة شاملة على أهم الإبداعات الكتابية في مجال العلوم على الحديث عن مؤلف يستحق بنظره أن يكون كتاب العام 2015 وهو للطبيب الكاتب غافين فرانسيس وكتابه «مغامرات في عالم بني البشر» الذي يسترسل في الحديث عن العالم والجسم البشري ببراعة الحائز على جائزة كاتب أدب الرحلات.
ووصف كتاب علمي آخر لماثيو كوب «سر الحياة الأعظم: قصة السباق نحو تفكيك الشيفرة الجينية» بأنه سرد مفصل لأعظم قصص القرن العشرين العلمية القائم على رؤى لامعة وأبحاث جريئة والكثر من العمل الجاد.
25 عاماً من الرسوم المتحركة تتصدر الكتب المصورة

تقول الكاتبة والصحافية رايتشل كوك إنها لو اضطرت لاختيار كتاب ينصح به بشدة من بين جميع الروايات المصورة الرائعة التي صدرت عام 2015، فربما تنتقي «درون أند كوارترلي: 25 عاماً من الرسوم المتحركة والهزلية والروايات المصورة المعاصرة» الذي يشكل خلاصة مذهلة من إبداع كريس وير، دانييل كلوز.
وآرت سبيغلمان وغيرهم. لكنها تعود وتتساءل لماذا تحد نفسها بكتاب واحد فقط لا سيما بوجود أعمال كتاب كبار من أمثال أدريان تومين صاحب «القتل والموت» وكريغ ثومبسون مؤلف «سبايس دمبلنز» ، إضافة إلى عمل رياض سطوف الجريء بعنوان «عربي المستقبل».
مذكرات المشاهير تستقطب الاهتمام

تعتقد فيف غروسكوب، الكاتبة والصحافية والممثلة الكوميدية، أن الأخبار حول موت أدب مذكرات المشاهير تنطوي على الكثير من المبالغة، بالنظر إلى حصاد العام 2015، وترد على سؤال الموضة الجديدة في هذا الفن الأدبي بالقول إن المذكرات الهجينة عبارة عن مزيج من المانيفستو واليوميات ومجموعة من المقالات أو قائمة طويلة من النصائح الحياتية.
ويعتبر كتاب «نظارات» للكاتبة سو بركينز المثال الأفضل على هذا النوع الأدبي. ومن بين السير الذاتية الأكثر كلاسيكية فيجدر اختيار «أتشتت بسهولة» لستيف كوغان، الذي يحتوي على قصات شعر مختلفة له وحيداً في فترة السبعينيات.
أعمال استثنائية قرابة كل عقد تكمم أصوات تروج فناء الرواية
2015 شهد ولادة أعمال روائية جديدة ومذهلة
عام تحسد عليه لجنة «بوكر» لاستمتاعها بأجمل الإبداعات الروائية
