يعتبرها كثير من المثقفين خاصة من جيل الشباب ومحبي القراءة في مصر بيتهم الثاني، فرغم تعدد وشهرة وتاريخ العديد من دور النشر، التي يزخر بها وسط العاصمة القاهرة، إلا أن «مكتبة دار العين» نجحت ـ رغم حداثتها ـ في أن تسجل اسمًا بارزًا في مجتمع الأدباء والناشرين.

جاءت البداية قبل 15 عامًا، وتحديدًا في عام 2000، حينما قررت الناشرة فاطمة البودي أن تشق طريقها نحو عالم النشر والكتب، ولم تلتفت كثيرًا إلى أنها تدخل مجالًا يكاد يتصف بالذكورية، ويعج بالرجال في أغلب المجالات القيادية.

وعن ذلك تؤكد أنها أسست الدار بقرار شخصي، وبدأت نشر الكتب العلمية، لا سيما أنها حاصلة على درجة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية، ولمست ما يعانيه كثير من العلماء من أجل نشر مؤلفاتهم وأبحاثهم، ما حفزها على افتتاح هذه الدار، واختارت لها اسم «العين»، وعُنيت في البداية بنشر الكتب العلمية..

وكذا ترجمتها، ومن ثم تحولت إلى دار نشر شاملة، وذلك وفق ما توضح البودي: «بلادنا وظروف القراءة والمشكلات الاقتصادية لا تسمح بإنشاء دار متخصصة في المجال العلمي، لذا آثرنا أن تتحول إلى الشمولية في النشر».

استراتيجيات وقيم

تمتلك دار العين استراتيجية واضحة تجاه نشر الأعمال، إذ لا تنشر إلا الأعمال التي تتقاسم مع قناعاتها، إذ توضح صاحبة الدار: «اختيار الأعمال يعود إلى ذائقتي، فأنا بالأساس قارئة ومثقفة قبل أن أكون ناشرة، واختيار الهيئة الاستشارية، بجانب وجود محرر أدبي للأعمال، لتسهم تلك العوامل الثلاثة في وجود الأعمال المتميزة داخل الدار».

أما قيم الدار التي تتبناها ـ وفق الناشرة فاطمة البودي ـ فهي احترام الملكية الفكرية، بجانب الوفاء بحقوق الكتاب من مستحقات مالية ودعم ونشر العمل الجيد في مختلف المكتبات ودعمه إعلاميًا، هذا إضافة إلى العلاقة الجيدة مع بقية دور النشر ليس داخل مصر فقط بل في الدول العربية أيضًا.

وتوضح صفحة الدار على الفيسبوك بعض النقاط التي تتميز بها في هذا الشأن ومنها دعوة الكتاب المشهود لهم بأصالة الفكر وبراعة التناول، وكذلك دقة اختيار الأعمال، والتركيز على الثقافة العلمية بمفهومها الكامل دون إغفال أي من الفروع الأخرى، وكذلك التصدي لظاهرة الانفجار المعرفي بالتركيز على المفاهيم والأفكار المحورية لا على كم المعلومات بعد أن فتح فيه الإنترنت بوابات الفيضان أمام التدفق المعلوماتي الهادر.

أما في ما يخص القيم التي تتبناها الدار فهي الانتصار لحرية التعبير وتشجيع الأقلام الواعدة الجادة، واحترام الملكية الفكرية، والوفاء بحقوق الكتاب المادية والأدبية، بجانب احترام القارئ من خلال خروج العمل بشكل محترم، من حيث جودة المضمون والطباعة وفي المتناول من حيث السعر، فضلًا عن إرساء علاقة طيبة مع دور النشر الأخرى لا تحول فيها المنافسة الشريفة دون إمكانية خلق فرص تعاون مثمر.

مشاركة

لا تقتصر المكتبة في تواصلها على الشأن المحلي والعربي فقط، فقط شاركت دار العين في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب بألمانيا، الذي يعد أكبر معارض الكتب في العالم، بجانب معرض لندن للكتاب. وفي ما يخص الدول العربية، شاركت الدار في عديد من الفعاليات، منها معارض الرياض والكويت والجزائر والمغرب وتونس، بجانب معرضي الشارقة وأبو ظبي،.

واللذين قالت عنهما الناشرة فاطمة البودي إنهما «حققا للدار نقطتين مهمتين لم تتحققا في العديد من المعارض الأخرى، أولاهما الناحية المهنية، إذ أطلقت المعارض برامج ترجمة واستضافت الناشرين الأجانب من أجل ترجمة الكتب العربية ونشرها عالميًا، بجانب العديد من الجوائز والفعاليات المهمة التي تنفرد بها معارض الكتاب الإماراتية».

أما النقطة الثانية التي برع فيها المعرضان، فهي الجانب التجاري، إذ حازت الكتب شعبية طيبة، إضافة إلى حضور قوي من الجمهور، ليقدم المعرضان رسالة مهمة في تمازج «المهنية» و«التجارية».

صعوبات

واجهت فاطمة البودي وكونها امرأة في مجال النشر، العديد من الصعوبات، ورغم ذلك استطاعت تخطي الصعاب بالمثابرة وتم اختيارها ضمن أقوى 200 امرأة قوية عربية في قائمة مجلة فوربس، حيث أكدت لـ«البيان»: «بالطبع، في مجال النشر ليس من السهل أبدًا وجود امرأة.. لكن، بالإصرار وعدم الاستسلام استطعت تثبيت قدميّ بقوة من خلال الدار في عالم النشر».

أما في ما يتعلق بالصعوبات التي واجهت الدار ككل، أكدت البودي أن أغلب دور النشر واجهت أزمات عديدة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، لكن بالمتابعة وثقة القارئ والكاتب على السواء استطاعت أن تعطي دار العين دفعة قوية مكنتها من اجتياز تلك الأزمة وشتى الصعوبات الأخرى. ورغم ذلك، فقد حدثت أزمات مع الكتّاب أنفسهم والدار..

إذ قرر بعض الكتّاب الشبان إنهاء تعاقدهم مع الدار بعد أن تلقوا عروض مالية أكبر، وهو الأمر الذي فسرته البودي بالطبع البشري، مؤكدة أن هذا الأمر حدث أكثر من مرة، وأنه كان يحزنها في البداية، لكن سرعان ما أصبح الأمر بالنسبة لها اعتياديًا.

فعاليات

وفي ما يخص الفعاليات، أقامت دار العين حفلات توقيع لكثير من كتابها، منها حفل توقيع كتاب «كيف تهزم مرض السكر» لصلاح الغزالي، و«حديث النسور» للواء محمد زكي، و«الحضارة الثانية.. مشروع نظام الجود» لعلي صادق، ورواية «كلب بلدي مدرب» لمحمد علاء الدين..

و«في النقد والأدب» للكاتبة غراء مهنا، و«الدولة البوليسية في مصر» لأمير سالم، بجانب مناقشة الأعمال نفسها، كمناقشة كتاب «قضايا الشيوعية المصرية» لسمر بدر، و«لماذا تخلفنا ولماذا تقدم الآخرون» لشريف الشوباشي، و«المثقف الانتقالي من الاستبداد إلى التمرد» لشيرين أبو النجا، و«الجسد والسياسة» لمريم وحيد، و«لماذا يصفق المصريون؟» لعماد عبد اللطيف.

ندوات

كما أقامت الدار سلسلة ندوات عن الأدب العربي بكل أقطاره، منها «الجزائري والفلسطيني»، وتعتزم استكمال السلسلة من خلال عرض الأدب الكويتي والسعودي والمغربي والإماراتي، وغيرهم. ويشارك في تلك الندوات مجموعة من كبار الكتاب مثل عبلة الرويني، والروائي عادل أسعد الميري، والشاعر والناقد شعبان يوسف، والروائية منصورة عز الدين، وغيرهم.

هذا بجانب سلسلة بعنوان «كاتب وكتاب» تعرض قراءات في مجمل الأعمال السابقة للجمهور، من خلال الندوة وبتعاون الكاتب مع الجمهور تخلق الدار حالة تفاعل بين الكاتب والقارئ يمكن من خلالها إعادة النظر في إمكانية طبع ذلك الكتاب القديم من جديد إن ثبت احتياج القراء له في تلك الفترة، أو حتى إعادة نشر عدد من أعمال الكاتب وليس عملًا واحدًا.

وتحت هذا العنوان أقامت الندوة فعاليات عدة، إذ استضافت الكاتب والسيناريست محمد رفيع والشاعرة هبة عصام، وقرأ رفيع مقتطفات المجموعة القصصية، بينما تقرأ هبة بعض المقطوعات من قصائدها.

 النشر العربي.. فلسفة مختلفة

تتبع دار العين فلسفة مختلفة عن دور النشر المصرية الأخرى في التعامل مع الناشرين العرب، إذ تشير البودي إلى أن الناشرين المصريين لا يرغبون كثيرًا في النشر لغير المصريين لأسباب مختلفة، حيث إنهم ينشرون ما يوقنون أنه سيجذب القراء المصريين من أجل تحقيق المكسب، كذلك فإن النقاد هم أيضًا لا يلفت انتباههم غير المصريين.

ويمتد الأمر إلى أكثر من ذلك برأي البودي، حيث إن كثيرًا من الناشرين المصريين لا يميلون إلى البحث عن الكتاب الكبار داخل المحليات في البلاد العربية، رغم أهميتهم وضرورة نشر أعمالهم.

رغم ذلك، فإن بعض الدور تنشر للأسماء العربية الشهيرة والمعروفة، التي هي محط الأضواء والنظر عليها، وينشر لها من الأصل، متعجبة من أن مصر في النهاية لم تتفوق في النشر عن بلد مثل لبنان، سواء في التوزيع العربي أو العالمي، لأسباب عدة: أولها سهولة إجراءات شحن الكتب وعدم وجود تعقيدات بيروقراطية في لبنان، على الرغم من أن الكتاب المصري يمكن أن يكون منافسًا وبقوة لأي كتاب عربي آخر.

وتؤكد أن الدار أصدرت بالفعل أعمالًا كثيرة لعدد من الأدباء العرب مثل نشر ديوان شعر «جمال في الصور» لميسون صقر وهي شاعرة وفنانة تشكيلية وروائية إماراتية من الشارقة، مقيمة ما بين القاهرة والإمارات، كما نشرت الدار رواية «لم يستدل عليها» لميس خالد العثمان وهي كاتبة كويتية معروفة، وعضو رابطة الأدباء في الكويت وباحثة أدبية في «دار الآثار الإسلامية»، وكذلك عدد من الأعمال للكاتب السوداني حمور زيادة، والمجموعة القصصية «مصحة الدمى» للكاتب المغربي أنيس الرافعي، وغيرها.

وعلى مدار الخمسة عشر عامًا، نشرت الدار مئات العناوين التي تواجدت بها في الساحة الثقافية لكتاب موهوبين في مصر والعالم العربي، وتنوعت بين الأعمال الأدبية والدراسات الجادة في كل المجالات، ومن ما نشرته الدار في شق الأدب الشعبي كتاب «المرأة والحدوتة.. دراسة في الإبداع الحكائي الشعبي للمرأة المصرية» وكتاب «كم ينفق المصريون على التعليم؟» لعبد الخالق فاروق وتقديم د.حامد عمار، و«توابع الفتنة الكبرى.. فتنة المختار الثقفي ثأرًا لمقتل الحسين» للدكتور أبو النصر محمد الخالدي وتقديم جمال الغيطاني، و«الصحافة فوق صفيح ساخن» سلامة أحمد سلامة وتقديم محمد حسنين هيكل، وكذلك «مستقبل الزراعة في الرأسمالية المعاصرة» تأليف سمير أمين، بجانب كتاب «الخطابة السياسية في العصر الحديث.. المؤلف، الوسيط، الجمهور» للدكتور عماد عبد اللطيف أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية الآداب جامعة القاهرة.

وفي الأدب، تتنوع منشورات الدار بين القصة القصيرة والرواية والشعر والنقد، إذ نشرت على سبيل المثال المجموعة القصصية «حكايات عن ناس طيبين» لسعيد كفراوي، ورواية جنية في قارورة لإبراهيم فرغلي، وحواديت الآخر لحسام فخر، ورواية كديسة لحجاج أدول، وديوان كانافاه للشاعر محمود فهمي، وغيرها.